أكد المحلل السياسي سلطان البان، أن ما أُثير خلال الأيام القليلة الماضية يأتي في إطار محاولة السلطات الموريتانية ضبط المحتوى الوطني، لاسيما عقب الانتشار الواسع لوسائط التواصل الاجتماعي وتطبيقات مثل “تيك توك” و”فيسبوك”، والتي شُغّلت في وسط اجتماعي واسع دون وجود منظومة سابقة أو وعي كافٍ.
وأوضح البان، خلال مداخلته في النشرة التحليلية مساء TTV، الأربعاء، أن التحقيقات الأولية؛ استنادا إلى ما تداولته مواقع إخبارية موثوقة، تطرقت لتوقيف أفراد من عائلة أحد أكثر المدونين متابعة وإثارة للجدل في السنوات الأخيرة، بالإضافة إلى توقيف أشخاص آخرين في ذات الإطار.
وأشار إلى أن السلطات الموريتانية تملك الحق من وجهة نظرها في حماية المؤسسات وضبط ما يتداوله المتداولون، خاصة بعد نشر العديد من ملفات الفساد تنذر بتدهور القطاعات بأسلوب تجاوز حرمة المؤسسات والبيوت والجمهور.
وشدد المحلل السياسي على أهمية الشمولية والإنصاف في التحقيقات الجارية بشأن عمليات الابتزاز المفترضة، داعيا إلى ألا تقتصر على الناشطين بالخارج، بل تمتد لتشمل مدونين وصحفيين ومواقع إخبارية داخل موريتانيا.
ودعا البان، السلطات إلى الخروج عن صمتها عبر بيان رسمي يوضح طبيعة الشكاوى والمتضررين، مشيرا إلى أن جزئية القانون الأساسية تتطلب وجود متضررين محددين لكي يتسنى للرأي العام فهم الموقف بشكل واضح.
ونفى اطلاعه على وقائع محددة لطلب أموال مقابل الامتناع عن النشر، مشددا على ضرورة الاعتماد على المصادر الرسمية وعدم التعاطي مع ما يتداوله رواد التواصل على أنه حقيقة مطلقة.
وفيما يتعلق بتسريب الأخبار والوثائق، بيّن البان، أنه لا يمكن احتكار المعلومة في ظل “القرية الكونية الزرقاء”، لافتا إلى أن تسريب بعض المسؤولين لملفات الفساد قد يعود لغياب الثقة أحيانا أو للبحث عن منافذ إعلامية خارج الجغرافيا الموريتانية.
وأكد أن محاربة هذه الظاهرة تتطلب فعل الجهاز الرقابي للدولة، ونشر التقارير السنوية الصادرة عن مؤسسات دستورية مثل محكمة الحسابات، ومفتشية الدولة التي تأخرت تقاريرها لهذا العام.
ولفت إلى وجود تحقيقات لم تُنشر نتائجها للرأي العام بعد، مثل تحقيقات مخزونات الطاقة، واشتعال محطات الكهرباء، واختلاسات الحج، وصفقة الطاولات بوزارة التربية، مما يفتح الباب أمام الفوضى والابتزاز.
وأوضح أن مسألة ضبط الحقل الإعلامي لا تكمن في الملاحقة أو تجنيد المدونين أو خلق تنافس بين مدوني الداخل والخارج، بل تبدأ من التسيير العقلاني وتعزيز الشفافية وإعطاء كل ذي حق حقه.
وحول معايير النشر المهني، شدد البان على ضرورة استناد الأخبار للوثائق مع إتاحة المجال للجهات المعنية للرد والتوضيح قبل بث أي شبهات.
وأشار إلى أن مشاركة المدونين والنشطاء في مكافحة الفساد أمر متاح قانونيا، ومتّبع في دول مجاورة كالسنغال، مستشهدا بتصريحات سابقة للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تؤكد صيانة حرية التعبير، واستعداد الدولة للتعاطي مع أي شبهات فساد يقدمها النشطاء.
وحث البان على عدم التعامل مع المدونين والنقاد للسياسات العامة كخصوم للدولة، بل يجب تهذيب التدوين ليكون خدمة للمصلحة العامة بعيدا عن الارتزاق والابتزاز.
وعن دوافع المصادر الداخلية، أوضح أن الفساد الإداري المطبق، والمكوث الطويل لبعض المسؤولين قد يدفع موظفين للتذمر والإبلاغ عن الخروقات انتصارا للمؤسسة والوطن.
وحذر من تداخل الإعلام والتسويق السياسي وحملات العلاقات العامة، وهو ما قد يدفع بعض المصادر للجوء إلى حسابات مستعارة أو منصات مشفرة لتسريب المعلومات تفاديا لاستهدافهم.
ودعا سلطان البان إلى توخي الحذر من الشائعات والأرقام التهويلية المتداولة، معربا عن أمله في أن تقود الإجراءات القضائية والأمنية والتقنية إلى حماية حقل الإعلام وضبطه في إطار من المهنية وسيادة القانون.