تخطَّ إلى المحتوى

تحليل: روسيا والنيجر.. كيف تحول التقارب الأمني إلى شراكة استراتيجية متعددة القطاعات؟

Elhoussein tourad
6 دقائق قراءة35

يشهد التعاون بين روسيا والنيجر توسعًا متدرجًا منذ وصول المجلس العسكري إلى السلطة في يوليو 2023، مع تراجع العلاقات بين نيامي وشركائها الغربيين، خصوصًا فرنسا والولايات المتحدة، مقابل توجه السلطات النيجرية إلى تعزيز علاقاتها مع موسكو.

ولم يعد التعاون بين البلدين مقتصرًا على المجال العسكري والأمني، بل امتد خلال السنوات الأخيرة إلى الطاقة والنفط والتعدين والزراعة والنقل والصحة والتعليم والاتصالات، في إطار توجه نيامي إلى تنويع شركائها الخارجيين وتعزيز الاستفادة من مواردها الطبيعية.

وفي أحدث تطور، عقدت روسيا والنيجر أول دورة للجنة الحكومية المشتركة للتعاون التجاري والاقتصادي والعلمي والتقني، يوم الجمعة، في نيامي، بمشاركة مسؤولين حكوميين وممثلين عن قطاع الأعمال الروسي.

وناقشت اللجنة ملفات متعددة، من بينها الطاقة والنفط والتعدين والنقل والاتصالات والزراعة والصحة والتعليم والتكوين، فيما شدد الجانب الروسي على ضرورة الانتقال من الاتفاقات العامة إلى مشاريع عملية.

وقال الرئيس النيجري عبد الرحمن تياني إن بلاده تريد تسريع تنفيذ مشاريع التعاون مع روسيا قبل انعقاد قمة روسيا–إفريقيا في موسكو خلال أكتوبر الجاري، في مؤشر على رغبة نيامي في تحويل التقارب السياسي مع موسكو إلى شراكة اقتصادية أكثر اتساعًا.

التعاون العسكري والأمني

كان المجال الأمني المدخل الرئيسي للتقارب الروسي–النيجري بعد انقلاب يوليو 2023.

ومع تصاعد الخلاف بين المجلس العسكري النيجري وفرنسا، ثم إنهاء نيامي اتفاقها العسكري مع الولايات المتحدة، بدأت روسيا في توسيع حضورها الأمني في البلاد.

وفي أبريل 2024، وصلت مجموعة من المدربين العسكريين الروس إلى النيجر، بالتزامن مع بدء الولايات المتحدة سحب قواتها من البلاد، في تحول عكس تغيرًا واضحًا في الشراكات الأمنية لنيامي.

كما بحث مسؤولون روس ونيجريون التعاون في مجالات الدفاع ومكافحة الجريمة السيبرانية والاتصالات، إلى جانب ملفات اقتصادية مثل النفط والمناجم والطاقة.

وتزايد حضور التشكيلات الروسية المرتبطة بما يعرف بـ«الفيلق الإفريقي» في منطقة الساحل، في إطار السياسة الروسية الرامية إلى توسيع حضورها الأمني في القارة.

النفط والطاقة

أصبح قطاع الطاقة أحد أهم محاور التعاون بين البلدين.

وخلال اللقاءات الروسية–النيجرية التي عقدت خلال عامي 2024 و2025، بحث الطرفان تطوير التعاون في مجال النفط، بما في ذلك إنشاء قدرات للتكرير وتطوير البنية التحتية المرتبطة بالطاقة.

وتسعى نيامي إلى زيادة الاستفادة من مواردها النفطية، بدل الاقتصار على تصدير المواد الخام، بينما تبحث الشركات الروسية عن فرص استثمارية في قطاع الطاقة النيجري.

وفي اجتماعات اللجنة الحكومية المشتركة الأخيرة، عاد النفط والطاقة إلى صدارة الملفات المطروحة، إلى جانب التعدين والطاقة المتجددة.

اليورانيوم

يمثل اليورانيوم أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين روسيا والنيجر.

فالنيجر تمتلك احتياطيات مهمة من اليورانيوم وكانت لعقود مرتبطة بشكل وثيق بالشركات الفرنسية، وعلى رأسها شركة أورانو.

لكن العلاقات بين نيامي وأورانو تدهورت بصورة كبيرة بعد انقلاب 2023، وصولًا إلى فقدان الشركة الفرنسية السيطرة على عملياتها في البلاد.

ومع تراجع الدور الفرنسي، برزت روسيا كطرف مهتم بقطاع اليورانيوم النيجري، وسط تقارير تحدثت عن اهتمام روسي بالحصول على جزء من مخزونات اليورانيوم الموجودة في البلاد.

لكن لا توجد، حتى الآن، معطيات موثوقة تثبت إتمام صفقة روسية لشراء اليورانيوم النيجري، ولذلك ينبغي التمييز بين الاهتمام الروسي بالقطاع وبين وجود صفقة تجارية مكتملة.

التعاون النووي

لم يتوقف الاهتمام الروسي بالنيجر عند استخراج اليورانيوم.

فقد دخلت شركة روساتوم في محادثات مع السلطات النيجرية بشأن تطوير الاستخدامات السلمية للطاقة النووية.

وتشمل هذه المحادثات مجالات مرتبطة بالطاقة والبحث العلمي والتكوين والتقنيات النووية، في وقت تسعى فيه النيجر إلى تطوير قدراتها في قطاع الطاقة وتنويع مصادر الكهرباء.

كما بحث الطرفان مشاريع للطاقة الشمسية، ما يعكس توجه التعاون الروسي إلى الجمع بين الطاقة التقليدية والطاقات المتجددة والاستخدامات السلمية للطاقة النووية.

التعدين

يشكل التعدين محورًا أساسيًا آخر في الشراكة.

فالنيجر تمتلك موارد معدنية متعددة، بينها الذهب واليورانيوم، وتسعى الحكومة إلى إعادة تنظيم القطاع وزيادة حصة الدولة من العائدات وتشجيع معالجة الموارد داخل البلاد.

وفي المقابل، أبدت شركات روسية اهتمامًا بفرص الاستثمار في التعدين والطاقة، فيما شاركت جهات روسية متخصصة في المناجم والموارد الطبيعية في المحادثات مع الحكومة النيجرية.

ويبدو أن هدف نيامي لا يقتصر على جذب الاستثمارات، بل يتجه أيضًا إلى نقل التكنولوجيا وتكوين الكفاءات المحلية وتطوير الصناعات المرتبطة بالموارد المعدنية.

الزراعة والأمن الغذائي

دخلت الزراعة أيضًا ضمن أجندة التعاون الروسي–النيجري.

وخلال زيارة مسؤولين نيجريين إلى موسكو، جرى بحث مشاريع مرتبطة بالزراعة، بينها تطوير قدرات معالجة الأرز، إضافة إلى إمكانية توسيع التعاون الزراعي.

وتأتي هذه المشاريع في ظل اهتمام النيجر بتقليل الاعتماد على الواردات وتعزيز الإنتاج المحلي، فيما تمتلك روسيا قدرات كبيرة في مجالات الزراعة والآلات الزراعية والأسمدة.

وفي اجتماعات اللجنة الحكومية المشتركة، احتلت الزراعة موقعًا ضمن القطاعات التي يفترض أن تشهد مشاريع تعاون جديدة.

النقل والبنية التحتية

ناقش البلدان كذلك التعاون في مجال النقل والبنية التحتية، بما في ذلك النقل الجوي والسكك الحديدية ومشاريع البنية التحتية.

ويكتسب هذا الملف أهمية بالنسبة للنيجر بسبب موقعها الجغرافي كدولة داخلية تعتمد على شبكات النقل الإقليمية للوصول إلى الموانئ والأسواق الخارجية.

وتسعى نيامي إلى تطوير بنيتها التحتية وربط مناطق الإنتاج بمراكز الاستهلاك والتصدير، بينما تبحث موسكو عن فرص للشركات الروسية في مشاريع البنية التحتية في إفريقيا.

الصحة والتعليم

توسع التعاون ليشمل القطاعات الاجتماعية.

وبحث الجانبان إمكانية تنفيذ مشاريع في المجال الصحي، بينها إنشاء أو تطوير منشآت طبية وتوفير المعدات والتكوين.

كما أصبح التعليم والتكوين المهني والتعليم العالي ضمن الملفات المطروحة في إطار اللجنة الحكومية المشتركة.

وتطرح النيجر مسألة تكوين الكفاءات ونقل التكنولوجيا باعتبارها جزءًا أساسيًا من أي تعاون اقتصادي طويل الأمد.

الاتصالات والتكنولوجيا

دخلت الاتصالات والتكنولوجيا أيضًا ضمن أجندة التعاون.

وكانت الاتصالات والأمن السيبراني من بين الملفات التي نوقشت في اللقاءات الروسية–النيجرية السابقة، قبل أن تصبح الاتصالات جزءًا من الملفات الاقتصادية والتقنية المطروحة أمام اللجنة الحكومية المشتركة.

ويأتي ذلك في ظل سعي دول الساحل إلى تطوير قدراتها الرقمية وتعزيز استقلالها في مجال الاتصالات والتكنولوجيا.

البعد السياسي

التوسع الاقتصادي لا يمكن فصله عن التحول السياسي في علاقات النيجر الخارجية.

فمنذ 2023، اتجهت نيامي إلى تقليص اعتمادها على فرنسا والولايات المتحدة، بينما عززت علاقاتها مع روسيا ودول أخرى.

وتتقاطع هذه السياسة مع توجه مالي وبوركينا فاسو، الدولتين العضوين مع النيجر في تحالف دول الساحل.

وتنظر موسكو إلى دول التحالف باعتبارها مساحة مهمة لتوسيع حضورها السياسي والاقتصادي والأمني في غرب إفريقيا ومنطقة الساحل.

قمة روسيا–إفريقيا

يمثل انعقاد قمة روسيا–إفريقيا في موسكو محطة مهمة في هذا المسار.

وتريد نيامي الوصول إلى القمة وهي تحمل مجموعة أكبر من الاتفاقات والمشاريع القابلة للتنفيذ، بدل الاكتفاء بالتفاهمات السياسية.

ولهذا جاء توجيه الرئيس عبد الرحمن تياني بتسريع التعاون قبل القمة، خصوصًا في قطاعات الطاقة والنفط والتعدين والنقل والزراعة والصحة والتعليم.

من الأمن إلى الاقتصاد

يمكن تلخيص مسار العلاقات الروسية–النيجرية خلال السنوات الثلاث الماضية في انتقال تدريجي من التعاون الأمني إلى التعاون الاقتصادي.

ففي البداية كان الأمن والدفاع في مقدمة الاهتمامات، خصوصًا بعد انسحاب القوات الفرنسية والأميركية.

ثم توسعت المحادثات لتشمل النفط والتعدين والطاقة والزراعة والنقل، قبل أن تدخل مجالات أكثر تخصصًا مثل الطاقة النووية السلمية والطاقة الشمسية والصحة والتعليم والتكنولوجيا.

والتطور الأحدث يتمثل في إنشاء إطار حكومي مشترك لمتابعة هذه الملفات، وهو ما يمنح التعاون الروسي–النيجري طابعًا أكثر مؤسساتية.

وبذلك، لا تبدو تصريحات تياني الأخيرة منفصلة عن مسار بدأ قبل سنوات، وإنما تأتي في مرحلة تحاول فيها نيامي تحويل التقارب السياسي والأمني مع موسكو إلى شراكة اقتصادية متعددة القطاعات، تركز بصورة خاصة على موارد الطاقة والتعدين والبنية التحتية ونقل التكنولوجيا وتكوين الكفاءات.

Elhoussein tourad

محرّر في تقدمي

اقرأ أيضاً