تخطَّ إلى المحتوى

لماذا، همس اسويدي اكماش أندى من جهر عبد الودود ولد الشيخ؟َ/ حنفي ولد دهاه

حنفي ولد دهاه
5 دقائق قراءة382

كأن امبرتو إيكو في 2015، (وهو يتحدث في مداخلة له بجامعة تورينو، عن “السلطة ” التي منحتها وسائل التواصل الاجتماعي، للذين كانوا يثرثون بتفاهاتهم في الحانات بعد أن تدب في أوصالهم حميّا النبيذ، من دون أن يلحقوا ضررا بالمجتمع، لتتاح لهم بعد ذلك ذات الفرصة التي يحرزها الحائز على جائزة نوبل، ليتحدثوا  بخيلاء الطواويس و كأنهم يملكون الحقيقة المطلقة، فيُيفسِدون و يَفسُدون)..  يقصد شلة أصحاب البثوث المباشرة، الذين يرفعون عقائرهم بما يملأون به سمع الدنيا من هُجر القول وخطإ الرأي وخطل التعبير.. تلك الجراءة التي منحهم إياها شط الديار و بعد المزار، فأصبحوا أسوداً في الخارج، بعدما كانوا نعاماً في الداخل.. 

هؤلاء التافهون، حسب وصف آلان دونو، أصبحوا يمارسون ابتزازاً للنخبة، من خلال اتخاذهم التنمر الرقمي آلية لضبط المجال العام، فالمثقف الذي يعبّر عن رأي لايرضي الدهماء، سيدفع ثمن ذلك تنمراً و شتيمة و سخرية، مما يجعله يجبن عن التعبير الرصين الذي أصبحت كلفته أعلى من ثمن الصمت.. فبدلاً من مناقشة الفكرة، ستنتقل المواجهة إلى الإقذاع في سبه، و اقتطاع جُمله من سياقها، واستدعاء ماضيه و تحويله إلى مادة للبثوث المباشرة.. و هكذا يجد من الآمن له آن يلوذ بـتعابير مثل «الإبستمولوجيا» و«الأنتولوجيا» و«الباراديغم» وغيرها من مصطلحات الحقل الأكاديمي، لا استعراضًا للمعرفة، وإنما لأن التجريد يمنحه جدارًا واقيًا من سعير السخرية الرقمية.

وحسب نظرية “دوامة الصمت” (Spiral of Silence) التي طورتها العالمة الاجتماعية  الألمانية إليزابيث نويل نيومان فإن المرء  قد يتخلّى عن رأيه، لا لأنه غيّره، بل لأنه يخشى العزلة الاجتماعية إذا شعر أنه مخالف لرأي الأغلبية. وهكذا فالأغلبية الصامتة يمكن أن تبدو أقلية، والأقلية الصاخبة أغلبية. و المثقف الجبان هو من “سيترك حصانه وحيداً”، تجنباً لصولة “الجحيم الذي هو الآخرون”، حسب تعبير  جان بول سارتر.. 

حينها سنصبح أمام ثلاثة ضروب من المثقفين: المثقف “الأخرس” الذي يعتزل المجال العام، و “المشفر” الذي يكتب بأسلوب نخبوي بالغ التعقيد، و كأنه يسرّ لنفسه “.. سأجعل الوصول إليّ مكلفا معرفيا”، و “المتكيّف” الذي يعيد صياغة آرائه، وفق ما يجنبّه الاستهداف.

حتى “الترفيه” حوّلوه من “ترويح عن النفس” إلى التلذذ بإيذاء الناس.. فلم يعد المحتوى يقدم معرفة و لافناً و لاتوعية، و إنما أصبحت مادته الأساسية أن توضع ضحية على المذبح، فيشتم، و يسخر منه، و تنبش خصوصياته، فيجد جمهور مريض متعته في ذلك.. متعة الفرجة على الإهانة و الإذلال، الذي أثبت أنه أقدر على اجتذاب الجماهير من الحجة و الإقناع.. حيث  تتم مكافأة أصحاب البثوث المقذعة بالضحك و المشاركة و الإعجاب و الهدايا الرقمية.. و لأن الشتيمة العادية تفقد، مع الوقت، قدرتها على الإدهاش، يحتاج “صاحب البث” إلى أن يزيد جرعة الشتيمة و القذف و الافتراء.

لقد أصبح الجزء المثير من “السبق الخبري” Scoop (حتى لا أقول الصحفي) يغفر عدم دقة و مصداقية سائره، ويغطي بعض الصحة على جميع الأكاذيب ، ويجعل تكراره، من التافه صانع رأي، وليس مجرد ناقل أخبار في أغلبها غير دقيقة.. يقول نيل بوستمان إن “المشكلة ليست أن الناس أصبحوا يجهلون؛ بل أنهم أصبحوا  يخلطون، أحياناً، بين امتلاك المعلومات وامتلاك المعرفة”. ولهذا قد يكون آلان دونو   في كتابه La Médiocratie («الميديوقراطية/حكم الرداءة») محقاً في اتهامه الديمقراطية  بأنها  “قد تنتج نظامًا يرفع المتوسط و السطحي إلى مرتبة السلطة”..

الخطر ليس أن يكون بيننا تافهون؛ فهم موجودون في كل مجتمع. و إنما في أن تصبح التفاهه نموذجًا ناجحًا، وأن يصبح همس اسويدي كماش أندى  من جهر عبد الودود ولد الشيخ، والتلفيق أوسع انتشارًا من التحقيق، والإثارة أكثر قيمة من الصدق.. إنها ذات الفكرة التي يلخصها حازم صاغية بأسلوب آخر، في عبارته الساخرة “مؤخرة نانسي عجرم أفضل من مقدمة ابن خلدون”، ليرمز لانتقال الاهتمام من الفكر و الثقافة و الإبداع إلى النجومية و الإثارة..

ولكن ألم تكن الدولة هي من خلقت الوحش” ميدوسا” التي تحاول الآن أن تحرض “برسيوس” على قتله؟

ألم يتم التغاضي عن اقتصاد الابتزاز الذي كان يغذيه نافذون من أعوان النظام و حلفائه و أجنحته المتصارعة؟

ألم تتعوّد الدولة التراجع عن قرارتها، حين ينتفخ سَحَرُها تحت وطأة “البثوث البذيئة”؟.. وهنا أريد أن أشير إلى أن الأبحاث الحديثة حول ما يسمى الجهل التعددي Pluralistic Ignorance تبيّن أن الأقليات الصاخبة أو البيئات الرقمية غير الممثلة قد تجعل الناس يسيئون تقدير ما يعتقده الآخرون، مما يعني “أن عشرة أشخاص مستعدين لقضاء الليل في الشتيمة والتعليق وصناعة المحتوى قد يكون تأثيرهم في المجال العام أكبر من ألف شخص يخالفونهم الرأى لكنهم صامتون”.

ولماذا تم تهميش الصحفي المهني، الذي يقدس الخبر فيتحرى في صدقه، و يدقق في صحته و يعطي التحليل حريته.. ثم يمنح الاعتبار للتافهين؟

ولماذا لم تكن هنالك إرادة رسمية لاستئصال شافة المتحاملين و المبتزين، قبل أن يتم الخوض في أعراض الرئيس ووزيره الأول، و كأنه لا عرض و لا كرامة لبقية المواطنين؟

و لماذا لم تستفد الدولة من نماذج أخرى مثل النيجيري Ali Marounfa المعروف بـAli Téra   و السنغالي آسان ديوف Assane Diouf و السنغالي  ابراهيما امبوج الذين كانوا يقيمون في الولايات المتحدة، ويوجهون انتقادات بالغة البذاءة للمسؤولين في النيجر و السنغال، فتم استجلابهم بملفات محكمة؟.. وفي غينيا قادت شكاوى إلى تحقيق رقمي ثم بسببه ملاحقة شخص بتهم شملت الاحتيال والابتزاز وانتزاع الأموال وغسلها و التهرب من الضرائب. وانتهت القضية، وفق تقرير GIABA،وهي مجموعة العمل الحكومية لمكافحة غسل الأموال في غرب إفريقيا، بحكم السجن خمس سنوات وغرامة  500 مليون فرنك غيني ومصادرة الممتلكات.

على كل الأحوال، فأن تأتي الدولة متأخرة خير من أن لا تأتي.. ولكن حفظ الأعراض و الأموال ليس أولى من حفظ الأخلاق المهدورة على منصة تكتوك.. و تهم الابتزاز في فايس بوك  ليست أحق بالتحقيق من تهم تبييض الأموال هنالك.. و الأهم أن لا يقف حمار التحقيق عند العقبة.!

حنفي ولد دهاه

محرّر في تقدمي

اقرأ أيضاً