تخطَّ إلى المحتوى

موريتانيا والصين وحتمية تعميق التعاون الاقتصادي/الحضرمي محمد انــــداه

الحضرمي محمد انــــداه
5 دقائق قراءة38

حافظت موريتانيا والصين منذ أكثر من ستة عقود على علاقات متميزة، نتيجة تقارب سياسات البلدين، حيث بقيت موريتانيا حليفا دبلوماسيا معولا عليه من قبل الصينيين، فضلا عن الاهتمام المبكر للصين بموريتانيا، من خلال مساعدتها في إنجاز مشاريع تننموية كبرى، مع بواكير الاستقلال، وقد زادت وتيرة الدفع بعلاقات التعاون بين البلدين قدما، منذ تسلم فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني مقاليد الحكم فاتح أغسطس 2019، فأدى زيارتي صداقة وعمل متزامنتين إلى الصين، تباحث في كل منهما مع نظيره فخامة السيد شي جين بينغ رئيس جمهورية الصين الشعبية، مؤكدا له متانة تلك العلاقات وعراقتها، قائلا: “إنها ظلت تتطور باضطراد خدمة للمصالح الحيوية للشعبين الصديقين وللسلم والأمن الدوليين، مضيفا أن الصين تمثل الشريك التجاري الأول لموريتانيا، كما يشمل التعاون معها مجالات عديدة بالغة الأهمية، مع تصميم في إطار “مبادرة الحزام والطريق” على تنويعه، بما يتيحه ذلك من فرص استثمارية وإنمائية واعدة”، ويحتم ضرورة تعميق وتعزيز التعاون الاقتصادي بين الدولتين، خدمة لمصالح الشعبين الصديقين، مع فتح آفاق جديدة للتعاون في مجالات الاقتصاد، والتكنولوجيا، والابتكار، والتنمية المستدامة.

وقد أدركت منذ شروعي في زيارة عمل أقوم بها حاليا إلى الصين أن أغلب مجالات التعاون هذه، تندرج في مجملها ضمن اتفاقيات تعاون قائمة في الوقت الراهن بين البلدين، إلا أنها تتطلب تسريعا وتعزيزا، يتناغم مع مسيرة الإصلاح والانفتاح، وتسارع وتيرة البناء والتعمير، التي تشهدها موريتانيا اليوم في عهد فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، وهو ما سيدفع قدما بعلاقات التعاون المشتركة هذه نحو فضاءات أرحب وذلك من خلال:

التصنيع ملاذ الاستثمار الآمن:
أصبحت الحاجة في عالمنا اليوم ماسة أكثر من أي وقت مضى إلى تسريع الخطى لتشجيع الاستثمار في التصنيع، من خلال إنشاء وحدات للمعالجة والتحويل الصناعي داخل موريتانيا، بالشراكة مع الشركات الصينية، وهو ما من شأنه خلق مواطن شغل جديدة، فضلا عن رفعه القيمة المضافة للاقتصاد الوطني، وكسر جمود الاكتفاء بتصدير الحديد والذهب والنحاس والمواد الخام.، ضمانا للاستفادة من الموارد الطبيعية لبناء صناعات محلية، بدل الاعتماد المفرط على تصدير المواد الخام، واستيراد المنتجات المصنعة.

الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر:
خلال مشاركته في 25 أكتوبر 2023 ببروكسل في جلسة حول الانتقال الطاقوي والهيدروجين الأخضر أكد فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني أن موريتانيا لديها جميع العوامل اللازمة لتصبح واحدة من الفاعلين الرئيسيين في السوق العالمية للهيدروجين الأخضر وصناعات التعدين الخضراء، وذلك بفضل إمكانياتها الهائلة في الطاقات المتجددة ” المقدرة بـ 4000 جيغاوات منها 500 جاهزة للتطوير على الفور”، وبموقعها الجغرافي الفريد، ومع احتياطاتها المعدنية الغنية، وخاصة الحديد، وهو ما سيتعزز من خلال الإسراع في استقطاب الخبرات الصينية في مجالات تطوير مشاريع الطاقة الشمسية والرياح، والعمل على الاستفادة من تجاربها المشهودة في المعدات والتخزين الكهربائي، وبحث فرص التعاون في الهيدروجين الأخضر وفق دراسات اقتصادية وبيئية دقيقة، بما يتماشى مع المصالح المشتركة للبلدين الصديقين.

الطريق إلى الاكتفاء الذاتي:
ما فتئ فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني يدعو الموريتانيين إلى التشمير عن سواعد الجد، والعمل على ضمان وصول موريتانيا إلى السيادة الغذائة، وقد بذلت الدولة ولا تزال جهودا جبارة للوصول إلى هذا المبتغى، وهو ما يجعل الاستفادة من التجربة الصينية الرائدة في هذا المجال مطلبا شديد الإلحاح، إذ يمكن أن يؤدي هذا التعاون إلى نقل التجارب الصينية في مجال تقنيات الري والزراعة الصحراوية، وتحسين سلاسل التموين والتخزين، سبيلا إلى تحقيق اكتفاء ذاتي، بدأت ملامحه الفعلية في التشكل.

الاستثمار في البحث العلمي ونقل التكنولوجيا:
لئن كان الأخذ بناصية العلوم من آكد الأسباب في تقدم الشعوب، وامتلاكها لأدوات عصرنا الحديث، فإن زيادة المنح الدراسية المقدمة من الصين للطلاب الموريتانيين في الهندسة والذكاء الاصطناعي والطب والزراعة، فضلا عن إنشاء مراكز للتكوين المهني بالتعاون مع مؤسسات صينية رائدة في هذا المجال، إلى جانب العمل على تكوين الكفاءات الموريتانية، وربط التعليم والتكوين المهني بحاجيات سوق العمل، وبحث السبل الكفيلة بتدريب وتأطير كوادر موريتانية قادرة على إدارة المشاريع المشتركة بين البلدين سيعزز مسيرة البحث العلمي في موريتانيا، ويُخرج أجيالا قادرة على مواكبة التحديات الكبرى.

الرقمنة الطريق إلى الشفافية والتطور:
قطعت موريتانيا أشواطا كبيرة في مجال الرقمنة منذ تسلم فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني مقاليد الحكم، فانسابت الخدمات الإدارية، وتعززت شفافية المسابقات الوطنية، ورُشدت الموارد الحكومية، بيد أن مواصلة تحسين حوكمة موريتانيا الإلكترونية، تتطلب تعاونا وثيقا مع الصين، ضمانا لتطوير الخدمات الحكومية الإلكترونية، وتعزيز الأمن السبراني، فضلا عن تبادل الخبرات في إدارة البيانات والجمارك والضرائب والخدمات العامة، مع التركيز على البنى التحتية الرقمية والاتصالات، دعما للتحول الرقمي.

الصيد البحري الوجهة المغرية للمستثمرين:
تعتبر الشواطئ الموريتانية – الممتدة على طول 754 كلم تقريبا – من أغنى شواطئ العالم بالسمك، ويعود ذلك إلى عوامل مناخية وجيومورفولوجية توفر ظروفا مواتية لتكاثر الأسماك، كما يتمتع قطاع الصيد بمميزات محفزة، تؤهله لأن يكون الوجهة الفُضلى لجميع المستثمرين، لذلك ينبغي العمل بشكل فوري على استقطاب الاستثمارات الصينية في مجالي الصيد والبنى التحتية البحرية والمينائية، بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين، مع مراعاة دائمة لحماية الثروة السمكية الوطنية.

إطلاق منتديات موريتانية صينية مشتركة:
تماشيا مع العناية الفائقة التي يوليها فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني لتطوير وتعزيز العلاقات الثنائية بين موريتانيا والصين، وحرصه المشهود على إحداث نقلة نوعية تتيح التركيز على شراكة إنتاجية بدل الشراكة التجارية، ضمانا لنقل الخبرة والتكنولوجيا، وخلق مواطن شغل قادرة على دعم وتنويع الاقتصاد الوطني، وتحسين مستوى معيشة المواطنين، وتعزيز قدرة الدولة على بناء اقتصاد منتج ومستدام، ينبغي العمل على التفكير في إطلاق منتديات موريتانية صينية مشتركة، بغية الدفع قدما بتعزيزها، وتقريب وجهات نظر الساسة نحو تحديد أعمق لأولويات التعاون، وتسريع وتيرتها.

وخلاصة الأمر أنه أصبح لزاما على موريتانيا والصين اليوم أكثر من أي وقت مضى، وسط عالم يواجه منعطفا حاسما، في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية المتصاعدة، التفكير مليا في تعزيز التكامل، وتبادل الخبرات، لبناء شراكات ثنائية قائمة على الثقة والشفافية، والاحترام المتبادل، سبيلا إلى بناء مجتمع موريتاني صيني رفيع المستوى، ذي مستقبل مشترك.

بكين 04/11/2026

الحضرمي محمد انــــداه

محرّر في تقدمي

اقرأ أيضاً