قال الخبير المحاسبي مولاي گواد مولاي إن هذا التقرير يمثل، على الأقل في حدود ما أصبح متاحاً للجمهور، أول تقرير يصدر عن المفتشية العامة للدولة ويُنشر للعموم، موضحاً أن تقارير كانت تصدر سابقاً عن المفتشية، لكنها كانت توجه أساساً إلى رئاسة الجمهورية، وفي مرحلة سابقة إلى الوزارة الأولى باعتبارها الجهة المشرفة على المفتشية.
وأشار خلال مقابلة له مساء أمس الأثنين مع قناة TTV إلى أن التقرير، في مجمله، جيد إلى حد بعيد، لأنه أخذ في الحسبان ضرورة النشر التي نص عليها النص المنظم للمفتشية العامة للدولة، إلى جانب واجب التحفظ الذي تفرضه القوانين المتعلقة بتسيير هيئات الرقابة وتنظيم عملها.
وأضاف أن التقرير تحدث عن 38 عملية تفتيش شملت عدة قطاعات، موضحاً أن 27 عملية منها استُكملت، وأُعيدت تقاريرها واتُّخذت بشأنها الإجراءات الإدارية أو القانونية المتعلقة بها، بما يعني أن هذه الملفات أُغلقت بصورة نهائية، بينما بقيت سبع مهام لم تستكمل بعد. وأشار إلى وجود ورقة توضيحية تحدد أنواع عمليات التفتيش وتوزيعها على القطاعات الحيوية والمصالح العمومية.
وأوضح أن المبلغ الأساسي الذي رُصد باعتباره أثراً أو ضرراً مالياً ناتجاً عن الاختلالات يناهز مليارين و645 مليون أوقية، مشيراً إلى أن التقرير أظهر بصورة واضحة مبالغ مرتبطة بعمليات اقتناء أدوات وأعمال غير مكتملة أو غير منجزة بصورة نهائية.
وأكد أن التقرير حجب بعض المعلومات بسبب واجب التحفظ، خصوصاً أن بعض ملاحظات التدقيق قد تكون أولية وقابلة للإلغاء من طرف القضاء إذا عُرضت عليه، وقد تصبح حينها المعلومة نهائية. ولذلك تم حجب أسماء بعض الهيئات التي خضعت للرقابة والتدقيق والتفتيش، مشيراً إلى أن الصحافة الاستقصائية والمهتمين يمكنهم، من خلال تحريات مهنية وتدقيقات جانبية، الوصول إلى المعلومات النهائية.
وأشار إلى أن قطاع المعادن حظي بعدد مهم من مهام التفتيش، وأن الغلاف المالي الذي شمله التدقيق في قطاع المعادن والطاقة تجاوز 400 مليار أوقية قديمة، أي ما يقارب 48 مليار أوقية جديدة، كما أضاف أن قطاع الإسكان تجاوزت المبالغ التي شملها التدقيق فيه 10 مليارات أوقية قديمة، وأقل بقليل من 11 مليار أوقية جديدة.
وأوضح أن الحديث عن هذه المبالغ والقطاعات يسمح باستنتاج أن القطاعات الحيوية تمت تغطيتها تقريباً بصورة كاملة، خصوصاً القطاعات التي أثيرت خلال السنوات الأخيرة بشأنها شبهات فساد أو اختلالات سبق أن وقفت عليها المفتشية العامة للدولة.
وأكد أن الغلاف المالي الذي شمله التدقيق لا يمثل حجم الضرر المرصود في تلك الهيئات، وإنما يعكس الميزانيات والإيرادات والمصاريف والعمليات المالية التي غطتها عملية التدقيق والتفتيش.
وأوضح، بالعودة إلى الصفحة السادسة من التقرير، أن مليارين و375 مليون أوقية جديدة يمثلان حجم الأثر المالي لهذه الاختلالات. وشدد على ضرورة عدم الوقوع في خطأ اعتبار هذا المبلغ برمته أموالاً تم الاستحواذ عليها أو اختلاسها أو نهبها.
وأضاف أن الجزء الأكبر من هذا الأثر، أي نحو 60%، يرتبط أساساً بأضرار رُصدت أو تكبدتها الخزينة العامة والدولة، بما يقارب ملياراً و400 مليون أوقية جديدة، مؤكداً أنه لا ينبغي الحديث عن اختلاس بهذا الحجم، وإنما عن ضرر مالي رُصد أو تكبدته الدولة.
وأشار إلى أن هذا الرقم يمثل، في التقدير المقدم في التقرير، حجم الضرر الناتج عن الاختلالات التي أحاطت بهذه العمليات، وليس بالضرورة مبلغاً مسروقاً أو مستحوذاً عليه.
وأضاف أن هذا الأثر يمثل نحو 7% من مجموع الغلاف المالي الذي تمت مراقبته، والذي يبلغ في حدود 32 مليار أوقية جديدة بحسب المعطيات التي أشار إليها، موضحاً أن هذا الغلاف يتضمن بنوداً يصعب، من خلال تدقيقها، الوصول إلى نتائج ملموسة بشأن الضرر، ومن ذلك بعض مصاريف العمال والتكاليف المرتبطة بالقوة العاملة.
وفي ما يتعلق بالتمييز بين الخطأ الإجرائي وسوء التسيير وشبهة الفساد الجنائي، قال إن سوء التسيير يمكن تعريفه بصورة مبسطة بأنه الضرر الناتج عن سوء التقدير، مضيفاً أن الأخطاء الناتجة عن الاستهتار وعدم الانتباه والنقص تدخل في إطار الأخطاء التسييرية.
وأكد أن الخطأ الذي يترتب عليه تجريم ومساءلة جنائية، ويدخل في إطار جرائم الفساد، هو الخطأ الناتج عن عمل مدبر أو قصد أو نية مبيتة للإضرار بالمرفق العام من أجل تحقيق منافع خاصة، أو الإضرار بالمرفق العام بصورة متعمدة. وأوضح أن هذا هو الفاصل الأساسي بين المفهومين.
وأشار إلى أن التقرير، في رأيه، لم يكن دقيقاً بما يكفي في التمييز بين هذين المفهومين، لأنه تحدث عن بعض الملفات التي أُحيلت إلى محكمة الحسابات باعتبارها الجهة المعنية بالبت في أخطاء التسيير، كما تحدث عن تحويل تقارير وملفات إلى الجهات القضائية المعنية.
وأضاف أن التقرير تضمن ورقة تحدد النقاط الإيجابية التي ترى المفتشية أنها تحققت، إلى جانب نقاط سلبية اعتبرتها عائقاً أمام تحقيق أهدافها. ومن بين هذه النقاط، أشار إلى عدم إتاحة إمكانية تقديم الملفات إلى القضاء بصورة مباشرة، معتبراً أن هذا اختلال ينبغي على السلطات مراجعته، بما يسمح للمفتشية بتحويل الملفات إلى القضاء مباشرة وأن تكون طرفاً في مقاضاة الضالعين في شبهات الفساد.
وفي ما يتعلق بتوزيع المسؤوليات بين الآمر بالصرف والمحاسب ولجنة الصفقات والسلطة الإدارية المشرفة، أوضح أن المسؤوليات تنتقل من طرف إلى آخر بحسب طبيعة الوقائع.
وأشار إلى وجود ما يسمى المسؤولية المادية أو العينية، وهي مسؤولية تنحصر في الأشخاص الذين يتمتعون بصفة محاسب عمومي، سواء كانوا محاسبين عموميين مستوفين لشروط المحاسبة العمومية، أو محاسبين عموميين بصورة مؤقتة أو بمناسبة عملية معينة.
وأضاف أن هناك محاسبين عموميين يستوفون شروط هذه الصفة، ويتم اكتتابهم لهذا الغرض ويؤدون القسم ويقدمون الضمانات اللازمة، كما يوجد محاسب عمومي يكون كذلك في عملية واحدة أو بصورة مؤقتة. وأكد أن المسؤولية المادية والعينية تنحصر في هذه الفئة.
وأوضح أن المسؤولية الإدارية تشمل جميع الموظفين العموميين، بينما توجد أيضاً مسؤولية جنائية، مثل التزوير واستعمال المزور وغيرها، وهي مسؤولية يتحملها كل شخص قام بالفعل المعاقب عليه، ولا تنفصل عن العملية التي استُخدمت فيها هذه الوسائل.
وأشار إلى أن مسار عملية التفتيش واضح، إذ يبدأ بتحديد الهيئة أو الجهة التي ينبغي أن يشملها التدقيق والتفتيش، من خلال البرنامج السنوي.
وأوضح أن 60% من عمليات التدقيق والتفتيش التي أُجريت خلال السنتين المعنيتين كانت ضمن البرنامج السنوي للمفتشية، معتبراً أن ذلك يدل على اتساع هامش الحرية الذي أصبح متاحاً لها تدريجياً، وهو أمر ينبغي تثمينه والمطالبة بمنح المفتشية حرية كاملة. وأضاف أن 40% المتبقية من العمليات كانت بطلب من السلطات العليا.
وبيّن أنه بعد استكمال عمليات التفتيش تأتي مرحلة ما بعد التفتيش، وقبل إنهاء المهمة أو المأمورية، حيث تتم عملية تبادل بين هيئة الرقابة والجهة الخاضعة للرقابة، فيما يسمى بالتعارض بين الجهتين.
وأوضح أن ذلك يتم عبر اجتماعات دورية لمناقشة الملاحظات والوقوف عليها وتأكيد بعضها، كما يتم من خلال مراسلات موثقة. وأكد أن الجهة الخاضعة للتفتيش لها الحق في الدفاع عن نفسها واستكمال الوثائق أو الإجراءات التي تثبت براءتها.
وأضاف أنه بعد ذلك يُرسل التقرير إلى الهيئة العليا، أي إلى رئيس الجمهورية، موضحاً أن رئيس الجمهورية يمكنه إحالة الملف إلى الجهات القضائية، وأن وزير العدل هو الجهة المخولة بتحويل الملف إلى الجهة القضائية. وبعدها يبدأ المسار القضائي، وتكون المفتشية العامة سنداً أو شاهداً في هذه القضايا، وتقدم العون للجهات المعنية باستكمال التحقيقات وإعطاء الملف صيغته النهائية.
وفي ما يتعلق بالصفقات العمومية، أكد أن هناك نوعين من الأخطاء التي يمكن تقسيم المخالفات المتعلقة بها إلى أساسهما. وقال إن الصفقات العمومية تمثل الباب الأول أو أهم مخرج من مخارج الفساد في الإدارة، وهو ما يستشعره الملاحظون وما خلصت إليه أيضاً ملاحظات المفتشية العامة للدولة.
وأوضح أن النوع الأول من الأخطاء طبيعي وينتج عن الاستهتار أو عدم المبالاة أو عدم الدقة في استيفاء جميع الشروط والمراحل والإجراءات الخاصة بالصفقات العمومية.
أما النوع الثاني، فأكد أنه خطأ بيّن وواضح يمكن أن يكون القصد منه تسهيل الصفقة أو منحها لمن لا يستحقها، مشيراً إلى أن هذا النوع من الأخطاء مجرّم قانوناً، ويترتب عليه عقوبات جنائية وإدارية، وقد يؤدي إلى حرمان المعني من المشاركة أو الاقتراب من أي إجراء يتعلق بالصفقات العمومية.
وأضاف أن أكثر الجوانب التي تحدث عنها التقرير تتعلق بمرحلة إعداد الصفقة، وهي المرحلة الأولى التي يتم خلالها نشر المناقصة وتحديد الحاجة إلى المرفق العمومي في المادة موضوع الصفقة.
وأوضح أن بعض المراحل يتم تجاوزها أحياناً بسبب اعتقاد الموظف العمومي بأنها مجرد إجراءات شكلية وليست ذات أهمية كبيرة في إنجاز الصفقة، ومن ذلك تجاوز نشر البرامج السنوية، أو إعداد ملفات صفقات دون استيفاء ملفاتها الإدارية بصورة مكتملة.
وأشار إلى وجود أخطاء أكثر خطورة، تتمثل في استلام مواد لا تتطابق مع الحاجة المنصوص عليها أو مع الطلبية والمواصفات المحددة، إضافة إلى وجود صفقات تم استكمالها دون تقديم المقابل أو دون تسليم المادة أو الخدمة موضوع الصفقة.
وفي تقييمه للتقرير، قال إنه يريد تقديم طلب إلى زملائه وإخوانه في المفتشية العامة للدولة من أجل تحسين التقارير مستقبلاً، مؤكداً أن التقرير السنوي، باعتباره تقرير نشاط، جيد إلى حد بعيد.
وأضاف أنه يعتبر أن ما بين 80% و90% من الشكل العام المطلوب في تقارير المفتشيات الإدارية وهيئات الرقابة الإدارية قد تم استيفاؤه، معتبراً التقرير جيداً إلى أبعد الحدود.
لكنه أشار إلى أنه كان يفضل تقديم تقرير سنوي لسنة 2024 وتقرير مفصل لسنة 2025، حتى يمكن الوقوف بصورة أدق على مستوى التقدم المحقق، متمنياً أن يتم اعتماد هذا التفصيل مستقبلاً.
وأضاف أنه كان من الممكن أيضاً تقديم الوسائل التي استُخدمت للوصول إلى النتائج التي عرضها التقرير.
وفي ما يتعلق بالتوصيات، أوضح أن التقرير تحدث عن أكثر من 770 توصية، بدأ تنفيذ نحو 348 توصية منها، بينما تم استكمال أكثر من 200 توصية، في حدود 220 تقريباً.
وأكد أن هذه الأرقام تعطي صورة عن الاهتمام المتزايد بالتوصيات، وعن القناعة التي بدأت تتشكل لدى المفتشية العامة للدولة بأن توصيات السنوات الماضية كانت في أغلب الأحيان حبراً على ورق، لعدم وجود آلية مضبوطة تُمكّن المفتشية من متابعة هذه التوصيات وقياس مدى تطبيقها ووضعها حيز التنفيذ.
وأضاف أن ذلك تسبب في ضياع الكثير من الوقت الذي كان يمكن استثماره في سد الثغرات التي تم رصدها في القطاعات العمومية.
وأشار إلى أن حجم التوصيات مهم، لكنه اعتبر أن فصلها بين السنتين كان سيتيح تقديم قراءة أكثر موضوعية ودقة للمقارنة بين النتائج خلال السنتين.
ومع ذلك، أكد أن نسبة التوصيات التي تم تنفيذها وتطبيقها بصورة نهائية، وتم الوقوف على احترامها، تمثل في نظره رقماً ممتازاً، مشيراً إلى أن وجود آلية لضبط تنفيذ التوصيات ومتابعتها يمثل في حد ذاته مكسباً جيداً وتفكيراً سليماً.
و أكد على أهمية تطوير آليات الرقابة والمتابعة، بحيث لا تتوقف وظيفة التفتيش عند تسجيل الاختلالات وإصدار التوصيات، وإنما تمتد إلى متابعة تنفيذها وقياس أثرها على تسيير المرافق العمومية وحماية المال العام.