تخطَّ إلى المحتوى

حكومة التوازنات: إعادة ترتيب النفوذ على إيقاع 2029

Hanevy Dahah
9 دقائق قراءة665

لم تقتصر التشكيلة الجديدة على تبديل شاغلي الحقائب؛ فقد أعادت توزيع مواقع داخل السلطة، وأبقت على وجوه، وأخرجت أخرى، في لحظة تتقاطع فيها أسئلة الأداء الحكومي مع التمثيل الاجتماعي والجهوي، ومع مبكرات السباق إلى ما بعد 2029.

أعاد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تكليف المختار ولد اجاي بتشكيل الحكومة، بعد استقالة سابقتها. وقد حدد الإعلان الرئاسي أولويات عامة تشمل مواجهة تداعيات الأزمة العالمية، وتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي، وتحريك التكوين والتشغيل، وإشراك الشباب، ودفع التنمية في المدن والمناطق الداخلية. لكن التشكيلة، بتفاصيلها، تطرح أسئلة تتجاوز ما ورد في الإعلان: ما الذي تغيّر في مراكز النفوذ؟ وما الذي بقي على حاله؟ وأي رسائل تحملها التعيينات والإقالات في مرحلة تسبق انتخابات 2029؟

استمرارية في القمة بعد أزمة صوملك

جاءت استقالة الحكومة وإعادة تكليف ولد اجاي عقب نشر نتائج التحقيق في حادث احتراق منشآت كهربائية تابعة لشركة «صوملك». ويمنح هذا التوقيت التعديل الحكومي دلالة سياسية، لكنه لا يثبت وحده أن التحقيق كان سببًا مباشرًا لإقالة وزير أو تعيين آخر؛ فالإعلان الرسمي لم يربط صراحةً بين التقرير والتغيير الحكومي. والأدق أن نقول إن الحكومة الجديدة تشكلت في ظل تداعيات الملف، وإن مدى تأثيره في اختيار أعضائها يظل سؤالًا مفتوحًا ما لم تظهر معطيات إضافية.

أما إعادة تكليف ولد اجاي، فتدل على استمرار الثقة به وعلى تفضيل خيار إدارة المرحلة من داخل الفريق القائم، مع إجراء تعديلات في أعضائه. وهي بذلك تمنح الاستمرارية موقعًا متقدمًا في الرسالة السياسية للحكومة الجديدة، لكنها تضع الوزير الأول أيضًا أمام اختبار أوضح: هل ستظهر التغييرات في الأداء والنتائج، أم سيظل التعديل محصورًا في تبديل الأسماء والحقائب؟

تبديل المواقع مع بقاء بعض الدوائر

من أبرز التغييرات انتقال وزير الزراعة السابق محمد ولد امحيميد إلى وزارة الشؤون الاقتصادية والتنمية، خلفًا لعبد الله ولد سليمان الشيخ سيديا، وتعيين أحمد باب ولد أعلي على رأس الزراعة. ويمكن قراءة هذا التبديل باعتباره إعادة توزيع للخبرة والمواقع داخل الجهاز الحكومي؛ لكنه يثير، في الوقت نفسه، سؤالًا عن المعايير التي حكمت نقل بعض الوزراء إلى حقائب جديدة، وعن مدى صلة التعيينات بخبرة كل واحد منهم في القطاع الذي أُسند إليه.

وفي وزارة الداخلية، أُبعد محمد أحمد ولد محمد الأمين، المعروف بولد الحويرثي، وعُيّن المختار ولد أحمد بوسيف خلفًا له. وبحسب المعطيات ، ينتمي الاثنان إلى ولاية العصابة. وهو ما يعني أن التغيير قد بدّل الشخص مع الإبقاء على قدر من الاستمرارية الجهوية في واحدة من أكثر الوزارات اتصالًا بالإدارة المحلية والأمن وتدبير الانتخابات. وهنا لا تعني الاستمرارية الجهوية وحدها وجود محاصصة متعمدة، لكنها تجعل سؤال التوازنات الجهوية مشروعًا، خصوصًا حين تتكرر أنماط مشابهة في حقائب أخرى.

وفي وزارة الثقافة والاتصال، عُيّن محمد ولد ببانه، السفير السابق في قطر، وزير للثقافة ناطقًا باسم الحكومة. و يعرف عنه أنه قريب من تيار مولاي ولد محمد الأغظف، المنتمي بدوره إلى قبيلة تجكانت. وقد يعكس التعيين استمرار حضور شبكات داخل السلطة حتى مع تغيّر الوجوه التي تتصدرها. لكن هذا المعطى لا يكفي وحده لإثبات أن التعيين جاء مكافأةً لتيار بعينه؛ فذلك يظل استنتاجًا يحتاج إلى قرائن تتجاوز الانتماء أو القرب السياسي.

وتظهر في التغييرات أيضًا أسماء ذات صلات جهوية وقبلية متداولة في النقاش العام، منها نسبة أحمد باب ولد أعلي إلى ولاية إنشيري وقبيلة أولاد بسبع. وتكتسب هذه المعطيات أهمية عند قراءة توزيع المواقع، لكنها لا تصبح تفسيرًا كافيًا للتعيين ما لم تُربط بمؤشرات أخرى.

التمثيل الجهوي والقبلي

تُظهر بعض التغييرات أن الإقالة لا تعني بالضرورة خروج دائرة اجتماعية أو جهوية كاملة من السلطة. فاستبدال مسؤول بآخر من المنطقة نفسها قد يشير إلى رغبة في تغيير الشخص مع الحفاظ على التوازن القائم. كما أن انتقال مسؤولين بين حقائب مختلفة، أو بقاء شخصيات في مناصبها، قد يحافظ على نفوذ شبكات سياسية واجتماعية حتى حين تتبدل الواجهة الحكومية.

ويبرز حضور بوتلميت في التشكيلة الجديدة بوضوح؛ فكل من يعقوب سالم فال ومختار عبد الله وزينب بنت حمدناه ينتمي إليها، وقد احتفظت الأخيرة بحقيبة التجارة والسياحة. وفي المقابل، أُقيل وزير الاقتصاد السابق عبد الله ولد سليمان الشيخ سيديا، وهو أيضًا من بوتلميت. وبذلك لم يؤدِّ خروج الوزير إلى تراجع حضور المدينة في الجهاز الحكومي؛ إذ بقي لها ثلاثة ممثلين في مواقع مختلفة: زينب بنت حمدناه في التجارة والسياحة، ويعقوب سالم فال وزيرًا منتدبًا لدى وزير الداخلية، ومختار عبد الله أمينًا عامًا للحكومة..

النساء والمكونات الإفريقية: حضور عددي محدود

بحسب القائمة المقدمة، تضم التشكيلة سبع نساء بين تسعة وعشرين منصبًا حكوميًا مُعلنًا بعد الوزير الأول، أي نحو 24 في المئة. وإذا أُدخل الوزير الأول في الحساب، تصبح النسبة سبعًا من ثلاثين، أي نحو 23 في المئة. ويظل هذا تمثيلًا مهمًا من حيث الحضور، لكنه لا يجيب وحده عن سؤال النفوذ: فالمعيار لا يقتصر على عدد النساء، بل يشمل طبيعة الحقائب المسندة إليهن، وموقعهن في صنع القرار، وقدرتهن على التأثير في السياسات العامة.

أما تمثيل الموريتانيين من المكونات الإفريقية، فيمكن رصد عدد من الأسماء التي تُنسب في التداول العام إلى هذه المكونات، من بينها با عثمان، وكوديرو موسى أنكتور، وإيساتا لام، وإنيانك مامادو مامودو. وبالاستناد إلى هذا التعرف غير الرسمي، يبلغ العدد أربعة أسماء على الأقل من أصل تسعة وعشرين منصبًا، أي نحو 14 في المئة.

وتبقى المسألة الأهم هي نوعية التمثيل: هل يواكب الحضور العددي نفوذ فعلي في القطاعات ذات الصلة بالتنمية والموارد والقرار؟ وهل يعكس المشاركة في الحكومة تمثيلًا سياسيًا أوسع، أم يظل محصورًا في عدد من المواقع الفردية؟ الإجابة لا تُستخلص من الأسماء وحدها، بل من توزيع الحقائب، ومن السياسات التي ستتبناها الحكومة، ومن مدى مشاركة مختلف المكونات في صياغتها.

2029 في خلفية التشكيلة

تكتسب التغييرات دلالة إضافية مع تصاعد الحديث عن خلافة الرئيس في انتخابات 2029. فقد تداولت وسائل الاإعلام الموريتانية أسماء حننه ولد سيدي، ومحمد أحمد ولد محمد الأمين، ومحمد سالم ولد مرزوقگ، ومولاي ولد محمد الأغظف، ضمن أسماء محتملة لخلافة الغزواني. غير أن التداول السياسي لا يساوي ترشيحًا رسميًا، ولا يثبت وجود قرار لدى أي من هؤلاء بخوض الانتخابات.

من هذه الزاوية، يمكن أن يُقرأ خروج حننه ولد سيدي من وزارة الدفاع، وإبعاد محمد أحمد ولد محمد الأمين عن الداخلية، بوصفه تقليصًا لمواقع شخصيتين دخلتا في نقاش الخلافة.. أما مولاي ولد محمد الأغظف، فيظل حاضرًا في النقاش حول المرحلة المقبلة، لكن لا يصح وصفه بأنه أُقيل من الحكومة الجديدة على النحو نفسه؛ إذ لم يكن ضمن قائمة الوزراء التي وردت في التشكيلة السابقة.

وفي الاتجاه المقابل، تفتح التشكيلة سؤالًا عن موقع الأصوات التي دعت إلى استمرار النهج الرئاسي أو إلى بحث تعديل المأموريات. فقد كانت زينب بنت أحمدناه بين المسؤولين الذين أيدوا استمرار النهج، وأثار تصريح لمحمد ولد ببانه، حين كان سفيرًا في قطر، جدلًا بعد دعوته إلى نقاش تحديد المأموريات. ثم احتفظت زينب بحقيبة التجارة والسياحة، وعُيّن ولد ببانه وزيرًا للثقافة والاتصال وناطقًا باسم الحكومة.

يسمح هذا التزامن بطرح فرضية أن التعيين والإبقاء يحملان مكافأة سياسية أو تثبيتًا لأصوات قريبة من خطاب الاستمرار، لكنه لا يثبتها. فالتعيين قد يعكس أيضًا اعتبارات أخرى، من بينها الخبرة، والتوازنات داخل الأغلبية، وتوزيع المواقع بين دوائر السلطة. كما أن خروج مسؤولين محسوبين على جناح سياسي لا يثبت بالضرورة أن الجناح نفسه أُقصي، ولا أن من بقي من أعضائه نال منصبه مكافأةً على موقفه.

الأوضح أن بعض الأصوات المؤيدة لاستمرار النهج الرئاسي تحتفظ بمواقع مؤثرة، في وقت تتصاعد فيه المناقشات بشأن 2029، بينما لم يُعلن الرئيس، رغبته في الترشح لمأمورية ثالثة. وهذا يجعل الحكومة ساحةً لإدارة توقعات متعارضة: من يراهن على استمرار الرئيس، ومن يبحث عن خليفة من داخل النظام، ومن يحاول تثبيت موقعه في مرحلة ما قبل الانتقال.

بين المحسوبية وإدارة التوازنات

من السهل أن تُقرأ التعيينات عبر الانتماءات القبلية والجهوية، لكن من الصعب إثبات المحسوبية بالاعتماد على هذه الانتماءات وحدها. فالمحسوبية، بمعناها الدقيق، تتطلب قرائن على أن التعيين جرى لمصلحة قرابة أو ولاء، على حساب معايير معلنة أو كفاءة أفضل. أما استمرار حضور شخصيات من شبكات سياسية واجتماعية بعينها، أو انتقالها بين الحقائب، فيمكن وصفه بأنه إدارة للتوازنات أو تثبيت للثقة السياسية، إلى أن تتوافر أدلة أكثر تحديدًا.

ومع ذلك، فإن تكرار الأنماط يستحق المساءلة: هل تُختار الشخصيات على أساس مؤهلاتها وخبرتها، أم على أساس قدرتها على حفظ التوازنات؟ وما معايير نقل الوزراء بين قطاعات متباينة؟ وهل تُتاح فرص متكافئة للمناطق والمكونات الاجتماعية، أم تُدار المشاركة عبر تمثيل رمزي محدود؟ هذه أسئلة لا تجيب عنها بيانات التعيين، لكنها تضع معيارًا يمكن أن تُقاس به الحكومة مع بدء عملها.

اختبار النتائج

تبدو التشكيلة الجديدة مزيجًا من الاستمرارية والتبديل: الوزير الأول باقٍ، وبعض الوجوه أُعيد توزيعها، وأخرى خرجت، فيما احتفظت شخصيات بحقائبها. ويقع التحدي في أن تثبت الحكومة أن التغيير يمس الأداء العام، لا مجرد مواقع الأشخاص. فإذا تحسنت الخدمات، وتقدمت ملفات التشغيل والتعليم والصحة والتنمية المحلية، وظهرت معايير أكثر وضوحًا في التعيين والمساءلة، أمكن الحديث عن تجديد فعلي. أما إذا ظلت التوازنات أهم من النتائج، فستبدو الحكومة أقرب إلى إعادة ترتيب النفوذ منها إلى استجابة لانتظارات المواطنين.

وتبقى انتخابات 2029 خلفيةً حاضرة في هذه القراءة، لا تفسيرًا وحيدًا لكل قرار. فالتشكيلة قد تسهم في إدارة مرحلة ما قبل الرئاسيات، لكنها لا تكشف وحدها من سيخلف الرئيس أو ما إذا كان الدستور سيتغير أو كيف ستُحسم المنافسة. ما تكشفه بدرجة أوضح هو أن حسابات الثقة والتمثيل والولاء السياسي تتجاور مع خطاب الكفاءة والتنمية؛ والاختبار الحقيقي سيكون في قدرة الحكومة على تحويل هذا التوازن إلى أداء ملموس، وفي استعدادها لأن تجعل المواطنة والجدارة معيارًا أقوى من الانتماء والاصطفاف.

وتبقى وراء التشكيلة أسئلة أكثر حساسية تتعلق بإبعاد شخصيات وازنة، من وزير الداخلية السابق ووزير الدفاع، إلى الوزير الأمين العام للرئاسة ووزير الاقتصاد. هل كان خروج بعضهم امتدادًا طبيعيًا لقواعد التقاعد، المرتبطة بالعمر أو سنوات الخدمة؟ أم أن التقاعد، حيث ينطبق، لا يفسر وحده توقيت الإبعاد ولا اختيار البدلاء؟

وفي حالة من لا يفسر التقاعد خروجهم، وخصوصًا باستثناء وزير الاقتصاد الذي قد تكون لإقالته صلة بتداعيات الملف الاقتصادي أو بتقييم الأداء، يبرز احتمال آخر: هل تعكس التغييرات خلافات سياسية أو إدارية مع الوزير الأول المختار ولد اجاي، في سياق ما يُتداول عن «صراع الأجنحة» داخل السلطة؟ وهل أُبعدت هذه الشخصيات بسبب طموحاتها السياسية المحتملة، أم بسبب تنافسها على النفوذ ومراكز القرار، أم أن التغيير يجمع بين هذه العوامل؟

لا تكفي الإقالة وحدها للإجابة، كما لا يكفي شيوع الحديث عن صراع الأجنحة لإثباته. ويحتاج الترجيح بين هذه الفرضيات إلى قرائن أوضح: معرفة من شملهم التقاعد فعلًا وفق القواعد المعمول بها، ومقارنة توقيت خروجهم بمساراتهم الوظيفية، ثم النظر في مواقعهم الجديدة، وفي هوية من عُيّنوا خلفًا لهم، وما إذا كان التغيير قد أخرج شبكاتهم من القرار أم أعاد توزيع حضورها داخله.

ومن هنا، لا يتعلق السؤال النهائي بسبب مغادرة كل مسؤول على حدة فحسب، بل بطبيعة التحول الذي أحدثته التشكيلة: هل نحن أمام تجديد إداري تفرضه قواعد الخدمة والتقاعد، أم إعادة ضبط للتوازنات داخل السلطة، أم بداية مبكرة لترتيب مراكز النفوذ استعدادًا لمعركة 2029؟ الإجابة ستظهر تدريجيًا، لا من أسماء المغادرين وحدها، بل من وجهة المسؤولين الجدد، ومن القرارات التي ستتخذها الحكومة، ومن شكل العلاقة بين الوزير الأول ومراكز القوة التي أحاطت بالحكم.

Hanevy Dahah

محرّر في تقدمي

اقرأ أيضاً