تخطَّ إلى المحتوى

اقتتال داعش والقاعدة في الساحل.. هل يضعف الجماعات المسلحة أم يعيد توزيع مناطق نفوذها؟

Elhoussein tourad
8 دقائق قراءة83

تكشف المواجهات المتصاعدة بين تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة عن تحول في طبيعة الصراع المسلح بمنطقة الساحل، حيث لم تعد الجماعات تواجه القوات الحكومية وحدها، بل تخوض أيضا معارك متزايدة فيما بينها للسيطرة على مناطق النفوذ وطرق الحركة ومصادر التمويل، في وقت يدفع المدنيون ثمن هذا التنافس عبر القتل والتهجير وتدمير الممتلكات.

وفي أحدث التطورات، أفادت وكالة رويترز، في تقرير نشرته 20 أكتوبر 2026، بمقتل ما لا يقل عن 48 شخصا في هجمات نُسبت إلى مسلحين مرتبطين بتنظيم الدولة الإسلامية في منطقة ميناكا شرقي مالي، بينما تحدثت مصادر محلية وأمنية عن حصيلة أولية قد تتجاوز 70 قتيلا، ووقعت الهجمات في عدة مناطق، وشملت إحراق منازل ونهب مواش، ما دفع مئات السكان إلى الفرار باتجاه مدينة ميناكا.

ووفق المصادر التي تحدثت إلى الوكالة، جاءت الهجمات في سياق انتقامي بعد اتهامات بوقوع انتهاكات بحق مدنيين اشتبه في تعاونهم مع التنظيم، خلال عمليات شاركت فيها القوات المالية وعناصر من مجموعة الدعم الروسية «فيلق إفريقيا» ومقاتلون من ميليشيا محلية موالية للحكومة، ولم تعلن جماعة الدولة الإسلامية في الساحل مسؤوليتها رسميا عن الهجمات، كما لم يصدر تعليق من الجيش المالي أو السفارة الروسية على الاتهامات المتعلقة بالعمليات السابقة.

وتكتسب هذه الأحداث أهمية تتجاوز حصيلة الضحايا، لأنها تقع في منطقة تشهد تنافسا بين تنظيم الدولة الإسلامية وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وسط صعوبة الفصل بين المواجهات المباشرة بين الجماعات المسلحة والعمليات العسكرية الحكومية وردود الفعل التي تستهدف السكان المتهمين بمساعدة أحد الأطراف.

معركة النفوذ تتجاوز المواجهة مع الجيوش

لم يعد التنافس بين التنظيمين محصورا في تنفيذ الهجمات ضد القوات الحكومية، بل بات يشمل السيطرة على مناطق الحركة وممرات العبور والمجتمعات المحلية، وهي عناصر تساعد الجماعات المسلحة على الحفاظ على وجودها وتوسيع نشاطها.

وفي هذا السياق، أعلن تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل، خلال أكتوبر، أنه قتل مئات المقاتلين من جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في معركة بشمال بوركينا فاسو، مقدرا العدد بأكثر من 400 قتيل، لكن هذه الحصيلة صادرة عن التنظيم نفسه ولم يتسن التحقق منها بصورة مستقلة، ولذلك لا يمكن اعتمادها رقما نهائيا للخسائر.

وتشير تحليلات منظمة «أكليد» المتخصصة في رصد النزاعات إلى أن المواجهات بين الطرفين امتدت خلال السنوات الأخيرة من مالي وبوركينا فاسو إلى مناطق في النيجر، مع تسجيل نشاط متزايد في المناطق الحدودية، وتوضح المنظمة أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين نجحت في ترسيخ وجودها في مساحات واسعة من مالي وبوركينا فاسو، بينما حقق تنظيم الدولة الإسلامية مكاسب ميدانية في بعض المعارك المحلية، رغم الضغوط التي يتعرض لها من الجماعة المنافسة والقوات الحكومية.

ويكشف هذا التباين أن ميزان القوى لا يتحرك في اتجاه واحد، فقد يتراجع أحد التنظيمين في منطقة معينة، بينما يحقق تقدما في منطقة أخرى، كما أن الانتصار في معركة لا يعني بالضرورة القدرة على الاحتفاظ بالأرض أو تحويل المكاسب العسكرية إلى سيطرة دائمة.

هل يستفيد كل طرف من انشغال منافسه؟

يطرح الاقتتال بين التنظيمين سؤالا أساسيا حول طبيعة المكاسب التي يمكن أن يحققها كل طرف من استنزاف منافسه، فمن الناحية العسكرية، يمكن للمعارك المتبادلة أن تؤدي إلى خسائر في المقاتلين والقيادات والعتاد، وتحد من قدرة التنظيمات على فتح جبهات جديدة أو تنفيذ عمليات متزامنة في مناطق متباعدة.

لكن هذه الخسائر لا تعني بالضرورة انحسار التهديد، فقد يستغل أحد الطرفين تراجع منافسه لتوسيع نطاق تحركاته أو السيطرة على طرق ومناطق كانت محل نزاع، كما يمكنه جذب مقاتلين من الطرف الآخر أو الاستفادة من انشقاقات داخل صفوفه.

وفي تحليل نشرته منظمة «أكليد» بشأن المواجهات بين تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، أشارت إلى أن الجماعة المرتبطة بالقاعدة ركزت بدرجة كبيرة على صراعها متعدد الجبهات مع القوات الحكومية والميليشيات المتحالفة معها، في حين ظل التصدي لتنظيم الدولة أولوية أكثر وضوحا لدى الأخير في بعض المناطق المتنازع عليها، ويمكن لهذا الاختلاف في ترتيب الأولويات أن يمنح أحد الطرفين فرصا تكتيكية، لكنه لا يكفي وحده لإثبات أنه سيحقق تفوقا مستداما على المستوى الإقليمي.

كما أن الجماعات المسلحة لا تحتاج بالضرورة إلى السيطرة على المدن الكبرى كي تحافظ على نفوذها، إذ يمكنها مواصلة النشاط عبر مناطق ريفية واسعة، مستفيدة من الحدود الطويلة وصعوبة مراقبتها وضعف الخدمات الحكومية في بعض المناطق، ولهذا قد تخسر مواقع محددة من دون أن تفقد القدرة على شن هجمات جديدة أو فرض نفوذها على القرى والطرق المحيطة بها.

الذهب والطرق التجارية في قلب الصراع

لا يمكن فهم التنافس بين الجماعات المسلحة في الساحل من زاوية عسكرية فقط، إذ يرتبط جانب مهم منه بالموارد الاقتصادية وشبكات الحركة والإمداد.

وفي تقرير نشرته في الثامن من أكتوبر، حذرت «أكليد» من أن توسع نشاط جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في غرب مالي باتجاه الحدود مع غينيا يزيد المخاطر على مناطق التعدين والتجارة العابرة للحدود، وأشارت المنظمة إلى أن توسع نشاط الجماعة قرب مناطق إنتاج الذهب قد يعرض المناجم والمجتمعات المحلية والطرق التجارية لمخاطر أمنية متزايدة.

وتوفر مناطق التعدين والطرق التي تربطها بالأسواق فرصا للتمويل من خلال فرض الإتاوات والابتزاز والسيطرة على حركة السلع، كما تمنح السيطرة على بعض الممرات قدرة على تقييد حركة المنافسين أو الضغط على المجتمعات المحلية.

وفي هذا السياق، لا تقتصر فائدة السيطرة على منطقة بالنسبة إلى الجماعة المسلحة على وجود مقاتليها فيها، بل تشمل قدرتها على الحركة وجمع الموارد وإعادة الإمداد وتجنيد عناصر جدد، وقد يؤدي انسحاب أحد الأطراف إلى فتح المجال أمام منافسه للاستفادة من هذه الموارد، حتى إذا تكبد الطرف المنتصر خسائر كبيرة خلال المواجهات.

ومع ذلك، لا توجد معطيات كافية للجزم بأن كل جولة اقتتال تؤدي مباشرة إلى انتقال الموارد أو مناطق التعدين من جماعة إلى أخرى، فذلك يتوقف على نتائج المعارك، وطبيعة المنطقة، ومدى استمرار وجود الطرف المنتصر فيها، وقدرة السلطات الحكومية على استعادة السيطرة.

المدنيون بين الانتقام والعمليات العسكرية

توضح أحداث ميناكا أن السكان المدنيين يظلون الأكثر عرضة لتداعيات الصراع، سواء خلال هجمات الجماعات المسلحة أو العمليات التي تستهدفها، فالاتهام بالتعاون مع طرف معين قد يتحول إلى مبرر للعقاب الجماعي، بينما يؤدي الخوف من الانتقام إلى النزوح وفقدان مصادر الرزق وتعطيل الأسواق والأنشطة الزراعية والرعوية.

ولا تقتصر الانتهاكات على الجماعات المسلحة، ففي تقرير نشرته رويترز في 19 أكتوبر، نقلت عن منظمة هيومن رايتس ووتش توثيقها ضربات بطائرات مسيرة وعمليات أخرى قالت إنها تسببت في مقتل مدنيين خلال عمليات نفذها الجيش المالي وحلفاؤه الروس، ووفقا للتقرير، ارتفع عدد القتلى المدنيين المنسوبين إلى ضربات الطائرات المسيرة من 44 إلى 94 بين أبريل وأغسطس، مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، استنادا إلى بيانات «أكليد».

وشملت الوقائع التي أوردها التقرير ضربة استهدفت سوقا للماشية في منطقة باندياجارا، وأخرى طالت مركزا صحيا في كيدال، ولم يرد الجيش المالي على طلب التعليق الذي أوردته رويترز، كما لم تقدم السفارة الروسية ردا فوريا، وتؤكد هذه الاتهامات، التي ينبغي نسبتها إلى الجهة التي وثقتها، أن تقييم الوضع الأمني لا يمكن أن يقتصر على خسائر الجماعات المسلحة، بل يجب أن يشمل حماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.

ويزيد تداخل هذه العوامل من صعوبة استعادة الاستقرار، إذ يمكن للهجمات والعمليات العسكرية والانتقام المحلي أن تعمق انعدام الثقة بين السكان والسلطات، وتخلق ظروفا تستغلها الجماعات المسلحة لتوسيع نفوذها أو تجنيد عناصر جديدة.

هل تستطيع دول الساحل استثمار الاقتتال؟

تمثل المواجهات بين الجماعات المسلحة فرصة محتملة للقوات الحكومية، لأنها قد تحد من قدرة التنظيمات على تنسيق عملياتها أو تركيز جهودها ضد الدولة، لكن الاستفادة من هذا الوضع تتطلب أكثر من تنفيذ ضربات عسكرية، إذ تحتاج إلى حضور أمني مستمر، وحماية السكان، وتأمين الطرق والأسواق، ومنع عودة الجماعات إلى المناطق التي تنسحب منها.

وتواجه مالي وبوركينا فاسو والنيجر تحديات مرتبطة باتساع المناطق الحدودية وصعوبة مراقبتها، إلى جانب استمرار نشاط الجماعات المسلحة في مناطق ريفية متباعدة، كما أن التنسيق الأمني بين الدول الثلاث ضمن تحالف دول الساحل لا يلغي الحاجة إلى معالجة أسباب هشاشة السيطرة الحكومية في المناطق المتضررة، ولا يضمن وحده وقف انتقال المقاتلين والموارد عبر الحدود.

وقد يؤدي الضغط العسكري إلى إبعاد الجماعات عن مواقع محددة، لكنه لا يمنعها بالضرورة من إعادة الانتشار في مناطق أخرى، خصوصا إذا ظلت قادرة على تأمين الموارد والتجنيد واستغلال النزاعات المحلية، ولهذا فإن نجاح العمليات لا يقاس بعدد المواقع التي تعلن الجيوش استعادتها فقط، بل بمدى استمرار السيطرة عليها، وقدرة السكان على العودة إلى أنشطتهم، وانخفاض الهجمات والتهجير على المدى الطويل.

اقتتال لا يعني بالضرورة تراجع التهديد

تظهر المعطيات المتاحة أن الاقتتال بين تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين يمكن أن يستنزف قدرات الطرفين، لكنه قد يفضي أيضا إلى إعادة توزيع مناطق النفوذ، ويمنح أحدهما فرصا للتوسع على حساب الآخر، ولا توجد حتى الآن أدلة كافية للقول إن المواجهات الحالية ستؤدي حتما إلى انهيار أحد التنظيمين أو تراجع التهديد المسلح في منطقة الساحل بأكملها.

ويظل العامل الحاسم هو ما إذا كانت الخسائر المتبادلة ستؤثر بصورة مستدامة في قدرة الجماعات على التجنيد والتمويل والحركة، أم أنها ستبقى خسائر ميدانية تعوضها هذه الجماعات عبر إعادة الانتشار واستغلال الفراغات الأمنية.

وفي ظل استمرار الهجمات على المدنيين وتوسع المخاطر المرتبطة بالتعدين والطرق التجارية، فإن النتيجة الأوضح حتى الآن ليست انحسار العنف، بل تعقد خريطة الصراع وتعدد الأطراف المتنافسة، وبينما قد يضعف الاقتتال تنظيما في منطقة، فإنه لا يضمن انتقالها إلى سيطرة الدولة، وقد تتحول المناطق التي يخسرها طرف إلى ساحات تنافس جديدة.

وبذلك، فإن السؤال الأهم أمام دول الساحل لا يقتصر على من يربح المعارك بين الجماعات المسلحة، بل على ما إذا كانت هذه المواجهات ستفتح المجال لاستعادة أمن مستدام، أم ستنتهي بإعادة توزيع النفوذ بين التنظيمات، مع بقاء السكان تحت تهديد الهجمات والانتقام والنزوح.

Elhoussein tourad

محرّر في تقدمي

اقرأ أيضاً