تتجه الأنظار إلى موسكو مع اقتراب انعقاد القمة الروسية الإفريقية الثالثة يومي 28 و29 أكتوبر الجاري، في ظل مساعٍ روسية لتوسيع التعاون الاقتصادي والتجاري مع الدول الإفريقية، وترقب مشاركة الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في اجتماع يأتي في مرحلة تسعى فيها نواكشوط وموسكو إلى تحويل التقارب الدبلوماسي إلى مشاريع واتفاقيات عملية.
وأعلنت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، الأربعاء 21 أكتوبر، أن التحضيرات للقمة دخلت مرحلتها النهائية، مشيرة إلى أن معظم الوفود الإفريقية أكدت مشاركتها، وأن موسكو تتوقع توقيع حزمة من الاتفاقيات الحكومية والعقود التجارية خلال الاجتماع.
وقالت وكالة «إنترفاكس» الروسية إن القمة ستشكل محطة لتعزيز التعاون بين روسيا والدول الإفريقية، فيما ذكرت وكالة «المبادرة الإفريقية» أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سيعقد لقاءات مع نظرائه الأفارقة وقادة التكتلات الإقليمية على هامش أعمالها.
ولم تتضمن المواد المنشورة في الصحف الروسية التي أمكن التحقق منها حتى 21 أكتوبر إعلاناً مفصلاً عن موعد وصول غزواني أو برنامج اجتماعاته الثنائية، غير أن وسائل إعلام موريتانية أفادت في أغسطس الماضي بأن مشاركة الرئيس تأكدت عبر السفارة الروسية في نواكشوط، وذلك خلال اتصالات تناولت تعزيز العلاقات الاقتصادية بين البلدين.
من الصيد والمعادن إلى الطاقة والزراعة
وتكتسب القمة أهمية بالنسبة لموريتانيا في ضوء مذكرة التفاهم الاقتصادية التي وقعتها نواكشوط وموسكو في 30 يوليو الماضي، بهدف تعزيز الاستثمار وتوسيع المبادلات التجارية وتشجيع الشراكات بين المؤسسات الاقتصادية في البلدين.
وحددت وزارة الاقتصاد والتنمية الموريتانية ووزارة التنمية الاقتصادية الروسية قطاعات الزراعة والاستكشاف الجيولوجي والتعدين والطاقة والصيد البحري مجالات واعدة للتعاون، فيما أكد الوزير الروسي ماكسيم ريشيتنيكوف أن بلاده تسعى إلى تعزيز التجارة مع موريتانيا وتنويعها.
وكان السفير الموريتاني في موسكو إسماعيل ولد عبد الفتاح قد بحث مع نائب وزير الخارجية الروسي غيورغي بوريسينكو في 25 من أغسطس تسريع التعاون الاقتصادي وتحديد مشاريع ذات أولوية، مع العمل على استكمال الإجراءات اللازمة لتوقيع اتفاقيات مرتبطة بها.
وتعكس هذه الاتصالات توجها نحو توسيع العلاقات من الإطار السياسي والدبلوماسي إلى مجالات الاستثمار والإنتاج، غير أن نجاح هذا المسار سيظل مرتبطا بمدى انتقال التفاهمات إلى مشاريع ممولة واتفاقيات قابلة للتنفيذ، وبقدرة الطرفين على تجاوز محدودية الاستثمارات والتبادل التجاري.
لقاء بوتين وغزواني السابق يرسم خلفية العلاقات
ولا تبدأ التحركات الحالية من نقطة الصفر، فقد التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نظيره الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في قازان يوم 24 أكتوبر 2024، على هامش قمة مجموعة بريكس، في لقاء تناول العلاقات الثنائية والتعاون مع القارة الإفريقية.
وذكرت وكالة «تاس» الروسية أن الجانبين ناقشا القضايا الثنائية والدولية، فيما أشار الكرملين إلى استمرار الحوار السياسي والتعاون الاقتصادي والثقافي والإنساني بين البلدين، وإلى العمل على إعداد وثائق مشتركة في عدد من المجالات.
وخلال اللقاء، أكد بوتين أهمية تطوير العلاقات مع الدول الإفريقية، فيما شدد غزواني على أهمية العلاقات التاريخية والاستراتيجية مع روسيا وحرص موريتانيا على تعزيزها، كما أشار الرئيس الموريتاني إلى محدودية الاستثمارات الروسية في بلاده، داعيا إلى العمل على تطوير التعاون بما يتناسب مع الإمكانات المتاحة.
القمة اختبار لجدوى التقارب الاقتصادي
وتأتي القمة الثالثة في وقت تضع فيه موسكو الاقتصاد والتجارة والاستثمار في صدارة أجندتها الإفريقية، وبحسب «إنترفاكس»، تتوقع روسيا توقيع حزمة من الاتفاقيات الحكومية والعقود التجارية خلال القمة، بينما تشمل الموضوعات المطروحة الطاقة والأمن الغذائي والتكنولوجيا وأنظمة الدفع والتعاون الصناعي.
وبالنسبة لموريتانيا، تتيح المشاركة فرصة لعرض احتياجاتها الاستثمارية في قطاعات الموارد الطبيعية والصيد والزراعة والطاقة، وبحث فرص الوصول إلى الأسواق الروسية، فضلا عن توسيع التعاون الفني والتجاري.
لكن الإعلان عن مجالات واعدة للتعاون لا يعني بالضرورة التوصل إلى اتفاقيات جديدة خلال القمة، إذ لم تتضمن المعلومات الروسية المتاحة حتى 21 أكتوبر تفاصيل مؤكدة عن اتفاقيات موريتانية محددة أو برنامج لقاءات غزواني في موسكو.
وبذلك، لا يقتصر الاهتمام بزيارة الرئيس الموريتاني على بعدها الدبلوماسي، بل يمتد إلى ما قد تسفر عنه من التزامات اقتصادية قابلة للقياس، في اختبار لمدى قدرة نواكشوط وموسكو على تحويل التقارب السياسي ومذكرات التفاهم إلى استثمارات ومشاريع وشراكات فعلية.