أثبتت تجارب عديدة عبر العالم أن الرهان على القوة العسكرية وحدها في مواجهة الجماعات المتطرفة لا يكفي لإخماد جذوة العنف أو إنهاء دوائر التشدد. فالبندقية قادرة على تحييد الخطر المباشر، لكنها نادراً ما تنجح، بمفردها، في معالجة الأفكار التي تُنتجه. وعندما تُختزل المواجهة في بعدها الأمني فقط، من دون أفق سياسي أو اجتماعي أو فكري، فإنها قد تفضي أحياناً إلى نتائج معاكسة، فتطيل أمد النزاعات وتمنح الخطابات المتشددة أسباباً جديدة للاستمرار والتجنيد.
وفي المقابل، تكشف تجارب التاريخ أن أكثر الصراعات قسوة لم تكن مغلقة تماماً أمام الحوار. فالحروب الأهلية، والتمردات المسلحة، والنزاعات العقائدية، وحتى المواجهات الدولية الكبرى، شهدت في لحظة ما ظهور قنوات اتصال فتحت الطريق أمام تسويات كانت تبدو مستحيلة.
فلا حرب تدوم إلى الأبد، ولا خصومة محكوم عليها بالاستعصاء الأبدي. وحتى في أكثر اللحظات توتراً، تظهر نافذة صغيرة للحوار؛ قد تكون ضيقة وهشة ومؤقتة، لكنها تظل فرصة يمكن أن تتحول، إذا أُحسن استثمارها، إلى بداية مخرج من الأزمة.
ومن هنا تنبع أهمية الدبلوماسية وفنون إدارة النزاعات: القدرة على اكتشاف تلك النوافذ وتوسيعها قبل أن تغلق من جديد.
هذه الحقيقة أدركتها موريتانيا مبكراً نسبياً، فاختارت أن تجعل من مكافحة التطرّف مشروعاً متعدد الأبعاد، يجمع بين الصرامة الأمنية والعمل الفكري والديني وإعادة الإدماج الاجتماعي. ولذلك تُقدَّم اليوم بوصفها واحدة من التجارب القليلة في منطقة الساحل التي نجحت في بناء مقاربة متوازنة لمواجهة التطرّف العنيف.
ومن أبرز معالم هذه المقاربة إنشاء لجنة من العلماء تتولى الحوار مع السجناء المدانين في قضايا مرتبطة بالإرهاب والتشدد.
لم يكن الهدف عقد مساومات سياسية مع الجماعات المتطرفة، ولا التفاوض حول سلطة الدولة أو شرعيتها، بل كان الهدف أكثر عمقاً: تفكيك البنية الفكرية التي تمنح العنف غطاءه الشرعي، وإعادة مساءلة المسلمات التي استندت إليها خطابات الغلو.
وقد تناولت تلك الحوارات قضايا جوهرية، من بينها:
- التكفير وضوابطه الشرعية؛
- مفهوم الجهاد وشروطه؛
- الخروج على السلطة؛
- حدود الطاعة والمعصية؛
- حرمة استهداف المدنيين؛
- تحريم العنف العشوائي.
وقامت هذه المقاربة على فكرة بسيطة لكنها بالغة الأهمية: مواجهة الفكر بالفكر، والحجة بالحجة، عبر علماء يحظون بالمصداقية والاحترام لدى الفئات المستهدفة بالحوار.
وقد أثمرت هذه الجهود نتائج لافتة جذبت اهتمام الباحثين والمتخصصين في برامج المراجعات الفكرية. وتشير تقديرات متعددة إلى أن ما بين ثلثي المشاركين تقريباً ونحو تسعة أعشارهم تخلوا عن تبرير العنف ووقعوا على وثائق مراجعة فكرية وتوبة.
كما استفاد عدد منهم لاحقاً من تخفيف العقوبات أو من إجراءات عفو بعد دراسة أوضاعهم الفردية.
غير أن ما يميز التجربة الموريتانية هو أنها لم تتعامل مع إعلان التوبة باعتباره نهاية الطريق، بل مجرد بدايته.
فقد أُرفقت المراجعات الفكرية ببرامج لإعادة الإدماج شملت المواكبة الاجتماعية، والمساعدة على الاندماج الاقتصادي، والمتابعة الإدارية والأمنية، إضافة إلى التأطير بعد الإفراج.
فالتحول الفكري لا يترسخ بالتصريحات وحدها، بل يحتاج إلى بيئة تساعد صاحبه على بناء حياة جديدة خارج دوائر التشدد.
ولهذا كثيراً ما تُقدَّم التجربة الموريتانية كنموذج جدير بالدراسة، لعدة أسباب في مقدمتها:
- المكانة العلمية والدينية للمحاورين؛
- تجنب التشهير والإذلال العلني؛
- الجمع بين الحزم وإتاحة فرصة المراجعة؛
- اعتماد رؤية شاملة تربط الأمن بالوقاية وإعادة الإدماج.
فالنموذج الموريتاني لم يقم على معادلة القوة أو الحوار، بل على الجمع بينهما معاً. فهو يستند إلى خمسة أعمدة متكاملة:
- المواجهة الأمنية للجماعات المسلحة؛
- الوقاية الفكرية؛
- الحوار الديني؛
- متابعة السجناء السابقين؛
- إعادة الإدماج الاجتماعي.
وقد برهنت التطورات الأخيرة على استمرار هذا النهج.
ففي 18 يونيو 2026 أعلن أربعة عشر سجيناً سلفياً، بعد سلسلة من الحوارات مع لجنة العلماء، مراجعة أفكارهم السابقة والتخلي عن المواقف التي كانوا يتبنونها.
وأكد الموقعون على البيان الصادر في ختام تلك الحوارات تمسكهم بتوجيهات العلماء، ورفضهم للأفكار التي قادتهم إلى مسارات العنف، والتزامهم بالمساهمة في حفظ أمن البلاد والتعاون مع المؤسسات المكلفة بحماية المواطنين وصون النظام العام.
ومن بين هؤلاء الخديم ولد السمان، الذي يُنظر إليه باعتباره أحد أبرز وأكثر رموز التيار السلفي الجهادي تشدداً وتأثيراً في موريتانيا.
وفي امتداد لهذا المسار، أصدر الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني عفواً رئاسياً شمل تسعة من السجناء الذين خضعوا للمراجعات الفكرية.
وبموجب القرار، استفاد ثلاثة سجناء من إسقاط ما تبقى من عقوباتهم والإعفاء من الغرامات والرسوم القضائية، بينما حُولت عقوبات ستة آخرين إلى مدد اعتُبرت مستوفاة بحكم الفترة التي قضوها في السجن، ما أتاح الإفراج عنهم.
دروس من تجارب العالم
ليست موريتانيا وحدها من سلك هذا الطريق. فالتاريخ الحديث يقدم نماذج عديدة تؤكد أن التطرف ليس قدراً نهائياً، وأن بعض المسارات العنيفة يمكن احتواؤها وإعادة توجيهها.
فالجزائر، بعد سنوات الدم خلال تسعينيات القرن الماضي، أطلقت مساراً للمصالحة الوطنية جمع بين العمل الأمني والعفو المشروط والحوار الديني وبرامج الإدماج، ما ساهم في تقليص مستويات العنف بصورة كبيرة.
وفي أيرلندا الشمالية، لم يكن إنهاء نزاع دام عقوداً وأودى بحياة الآلاف نتيجة تفوق عسكري حاسم، بل ثمرة مفاوضات طويلة فتحت الباب أمام انتقال كثير من الفاعلين من العمل المسلح إلى النشاط السياسي.
أما السعودية فطورت برامج لإعادة تأهيل المتطرفين تقوم على الإرشاد الديني والدعم النفسي وإشراك الأسرة وتسهيل الاندماج المهني، بينما اعتمدت إندونيسيا على إشراك متطرفين سابقين وعلماء دين وفاعلين مجتمعيين في جهود إعادة التأهيل.
وتكشف هذه التجارب عن حقيقة مشتركة: أن الإنسان المتطرف قد يكون أكثر استعداداً للإصغاء إلى عالم يثق به أو إلى شخص عاش التجربة نفسها وتراجع عنها، أكثر من استعداده للاستماع إلى خطاب رسمي مجرد.
كما تُظهر أن الإذلال لا يصنع مراجعات فكرية، وأن الحوار والإقناع وإعادة بناء الروابط الاجتماعية أكثر فعالية من الوصم الدائم.
وفوق ذلك كله، فإن إعادة الإدماج تظل حجر الزاوية في أي استراتيجية ناجحة؛ لأن من يتخلى عن العنف لكنه يبقى معزولاً أو مهمشاً يظل أكثر عرضة للعودة إلى الدوائر التي غادرها.
ولهذا بات كثير من الخبراء يرون أن مكافحة التطرّف العنيف لا يمكن أن تعتمد على المقاربة العسكرية وحدها، بل تتطلب مزيجاً من الأدوات الأمنية والفكرية والاجتماعية والنفسية والتربوية، وفق خصوصية كل مجتمع.
وتجسد التجربة الموريتانية هذه الرؤية بوضوح. فهي تقوم على قناعة مفادها أن الأمن المستدام لا يتحقق فقط بإحباط التهديدات، بل أيضاً بإنقاذ بعض الأفراد من السقوط النهائي في دوائر التطرّف.
وربما تكمن أهم رسالة يحملها هذا النموذج في أن الطريق بين الاستسلام والحرب المفتوحة ليس طريقاً واحداً. فهناك أحياناً مسار ثالث، أكثر تعقيداً وأقل صخباً، لكنه أكثر قدرة على صناعة السلام الدائم: مسار يجمع بين الحزم والحوار، وبين الردع والإقناع، وبين حماية المجتمع وفتح باب العودة لمن اختار أن يراجع نفسه.