إن تسمية الشيء بما آل إليه لا تقطع صلته بما كان عليه، ولا تلغي ما حمله من دلالات ومعانٍ عبر سيرورته التاريخية. فالأسماء تتغير، والكيانات السياسية تتبدل، لكن ذلك لا يمحو تاريخها ولا ينفي استمرارية المجال الجغرافي والحضاري الذي نشأت فيه.
وموريتانيا، التي تحمل اليوم اسمها الحالي، عرفت المنطقة التي تشكل مجالها الجغرافي مراحل تاريخية متعددة، واحتضنت كيانات سياسية وحضارية ذات شأن في تاريخ غرب إفريقيا.
فقد كانت أودغست إحدى الحواضر التجارية والسياسية المهمة في المنطقة، وازدهرت خلال القرون الوسطى، حتى غدت مركزًا للتجارة العابرة للصحراء. وما تزال آثارها قائمة في ولاية الحوض الغربي، على بعد نحو 59 كيلومترًا من مقاطعة تامشكط، شاهدة على تاريخ مدينة احتلت مكانة بارزة في شبكات التجارة والعمران.
كما ارتبطت أجزاء واسعة من المنطقة بتاريخ إمبراطورية غانا، التي امتد نفوذها إلى مناطق تقع بين الصحراء الكبرى وغابات غرب إفريقيا، وشملت أجزاء من موريتانيا الحالية والسنغال ومالي. وكانت كومبي صالح من أهم حواضرها، وتقع آثارها على مسافة تقارب 60 كيلومترًا جنوب مدينة تمبدغة.
وهذه المعطيات ليست مجرد روايات متأخرة، بل تناولتها مصادر جغرافية وتاريخية قديمة. فقد زار ابن حوقل أودغست في القرن العاشر الميلادي، ووصف ثراءها وحجم تجارتها. وتناولت مصادر أخرى، مثل كتابات المهلبي، وأبي عبيد البكري في كتابه «المسالك والممالك»، والإدريسي في «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق»، وياقوت الحموي، وابن خلدون في «كتاب العبر»، تاريخ المنطقة ومدنها وطرق تجارتها وكياناتها السياسية.
إن هذه المصادر، على اختلاف عصور مؤلفيها ومناهجهم، تقدم مادة تاريخية أساسية لفهم تطور المجال الموريتاني وصلاته بمحيطه الصحراوي والإفريقي والمغاربي.
هل يُعقل أن أستاذًا جامعيًا مغربيًا درس سنوات في جامعة محمد الخامس، وتولى مسؤوليات علمية ودعوية بارزة، لم يطّلع على هذه المصادر، أو لم يسمع بحركة المرابطين التي نشأت في المجال الصحراوي، وأسهمت في تأسيس مراكش، المدينة التي اشتق منها اسم المغرب في عدد من اللغات الأوروبية، مثل Maroc بالفرنسية وMorroco بالإنجليزية؟
إن تاريخ نشأة مراكش وتوسع الدولة المرابطية، وصلات هذه الدولة بالمجال الصحراوي، تناولته مصادر تاريخية متعددة، من بينها البكري، والقاضي عياض، وابن عذاري، وابن خلدون، وابن أبي زرع، وابن الأثير، والمراكشي. وقد دوّنت هذه المصادر، بدرجات متفاوتة من التفصيل، أخبار الحركة المرابطية وأدوار قادتها ومجالات انتشارها.
والمفارقة أن الفاصل الزمني بين عصر المرابطين وبعض المؤرخين الذين نقلوا أخبارهم، وبين عصرنا الحاضر، يظل كبيرًا بما يكفي ليجعل الرجوع إلى تلك المصادر ضرورة علمية، لا ترفًا ثقافيًا أو اختيارًا انتقائيًا.
وقد لخّص الباحث والأستاذ الجامعي الدكتور الناني ولد الحسين جانبًا من هذه الإشكالية في كتابه «صحراء الملثمين»، وهو في الأصل أطروحة دكتوراه نوقشت في جامعة محمد الخامس، خلال الفترة التي كان الريسوني يدرّس فيها بالجامعة، قبل التحاقه برابطة العلماء في قطر.
ويقول الدكتور الناني ولد الحسين، في معرض حديثه عن تحديد موقع الرباط الذي انطلقت منه الحركة المرابطية:
«أما فيما يتعلق بتحديد موقع “الرباط” انطلاقًا من الأوصاف التي قدمها كل واحد من المؤلفين، فإن مكمن الخلاف عند الدارسين ينحصر في أن الأول يعني بالبحر: المحيط الأطلسي؛ وبالتالي انصرف تفكير بعض الباحثين إلى الجزر الأطلسية المحاذية لشواطئ صحراء الملثمين، وبصفة خاصة جزيرة تيدرة، في حين فسر آخرون مصطلح “بحر النيل” عند ابن خلدون بالنهر، فاتجه تفكيرهم إلى نهر السنغال».
فهل يُعقل أن أستاذًا بحجم الريسوني لم يطّلع على بعض هذه المصادر أو كلها؟ وهل يُعقل، وهو أستاذ في أصول الفقه، أن يغيب عنه تاريخ عبد الله بن ياسين، الفقيه الذي ارتبط اسمه بتأسيس الحركة المرابطية، وانطلاق دعوتها من المجال الصحراوي، سواء أُخذ بالروايات التي تربط بدايتها بجزيرة تيدرة، أم بالتفسيرات التي تربطها بنهر السنغال؟
وتزداد المفارقة حين نتذكر أن عبد الله بن ياسين استشهد في صراعه مع البرغواطيين، وأن الأخبار التاريخية تربط نهاية حياته بالمجال الذي قامت فيه لاحقًا مدينة الرباط وما جاورها. وتظل تفاصيل المواقع والمسافات موضع بحث وتدقيق، لكنها لا تبرر تجاهل الصلات التاريخية الوثيقة بين المجال الصحراوي والحركة المرابطية.
ومن أغرب ما يُنسب إلى الريسوني حديثه عن أن اسم موريتانيا لم يصل إلى أسماع أهل المنطقة إلا مع الاستعمار الفرنسي وقيام الدولة الحديثة في عهد المختار ولد داداه.
فاسم موريتانيا ليس غائبًا عن كتب التاريخ والجغرافيا، قديمها وحديثها. وهو اسم ذو أصل لاتيني ارتبط في العصور القديمة بموريتانيا التاريخية في شمال إفريقيا، وإن كان إطلاقه في العصر الحديث على الدولة الموريتانية الحالية قد جاء في سياق تاريخي وجغرافي مختلف.
ولا يصح الخلط بين الاسم القديم، الذي ارتبط بمناطق من شمال إفريقيا، وبين الحدود السياسية للدولة الحديثة. كما لا يصح، في المقابل، الادعاء بأن الاسم لا صلة له بالتاريخ السابق للاستعمار، أو أنه لم يكن معروفًا في الكتابات الجغرافية والتاريخية.
أما العلاقات بين سكان هذه البلاد والأوروبيين، فقد اتسمت، في مراحل عديدة، بالتوتر والصراع، ولا سيما مع تصاعد التنافس الأوروبي على التجارة والموانئ الساحلية، وما ارتبط بذلك من أطماع اقتصادية وممارسات استرقاقية.
ومن بين القوى الأوروبية التي تعاقبت على احتلال بعض سواحل البلاد وموانئها: البرتغاليون والهولنديون والإنجليز والفرنسيون والألمان. وقد اختلفت ممارسات هذه القوى باختلاف الأزمنة والمصالح، لكن التنافس على التجارة، وخاصة تجارة الصمغ العربي، شكّل أحد أبرز دوافع حضورها في المنطقة.
وتشير الروايات التاريخية إلى أن بعض أوائل الأفارقة الذين أسرهم الأوروبيون على السواحل الإفريقية كانوا من المور. فقد اختطف البرتغاليون، في عهد هنري الملاح خلال منتصف القرن الخامس عشر، أكثر من مائتي شخص بين كاب جوبي، قرب طرفاية الحالية، وأرغين، ونقلوهم إلى البرتغال. وتذكر المصادر أن عددًا منهم رفضوا اعتناق المسيحية، فتعرضوا للقتل حرقًا، فيما استُعبد آخرون في ممتلكات النبلاء ورجال الدين.
وبعد اكتشاف الأمريكتين، ازدادت قيمة تجارة الرقيق واتسع الطلب على العبيد في المستعمرات الأوروبية، حيث استُخدمت أعداد كبيرة منهم في الأعمال الزراعية وغيرها من الأنشطة الاقتصادية. وتورد المصادر كذلك عمليات أسر متأخرة، من بينها عملية جلب الفرنسيين سنة 1678 مجموعة من المور من أرغين إلى أمريكا بغرض استعبادهم.
ويقول الباحث تيودور مونو:
«إن عددًا من هؤلاء التعساء، رجالًا ونساءً، كانوا يقذفون بأنفسهم في عرض البحر من فوق السفن ويموتون غرقًا، مفضلين الموت على العبودية».
وتكشف هذه الوقائع عن جانب من تاريخ العنف الذي رافق التوسع الأوروبي في السواحل الإفريقية، وعن حجم المآسي التي تعرض لها سكان المنطقة في سياق تجارة الرقيق والتنافس الاستعماري.
وحين استولى الهولنديون البروتستانت على حصن أرغين في القرن السادس عشر، عثروا فيه على تمثال برتغالي للقديس أنطونيوس، فنقلوه إلى البرازيل ونصبوه على أحد شواطئها. وتفيد الرواية بأن البرازيليين لم يكونوا يعرفون موقع أرغين، وظن بعضهم أنها تقع في فلسطين أو قرب بني سويف في مصر، المرتبطة في الذاكرة المسيحية بموطن القديس أنطونيوس.
وخلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، دارت معارك بحرية عديدة بين القوى الأوروبية للسيطرة على موانئ تصدير الصمغ العربي، وفي مقدمتها بورتنديك وأرغين. وطرد الهولنديون البرتغاليين، ثم استولى الإنجليز على أرغين، قبل أن ينتزعها الفرنسيون منهم ويدمروا حصنها. وأعاد الألمان بناءه لاحقًا، لكن الفرنسيين استعادوه منهم سنة 1721، وقتلوا، وفقًا للروايات الواردة في المصادر، عددًا كبيرًا من المور الذين تحالفوا مع الألمان، ثم دمروا الحصن نهائيًا.
وتؤكد هذه الوقائع أن المنطقة لم تكن هامشًا مجهولًا في التاريخ الأوروبي، بل كانت جزءًا من مجال تجاري واستراتيجي تنافست عليه القوى الأوروبية، وأقامت بسببه تحالفات وصراعات مع القوى المحلية.
وفي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، واصلت فرنسا توسيع حضورها على السواحل الموريتانية، وأبرمت اتفاقيات تجارية موثقة مع أمراء بني حسان الذين بسطوا نفوذهم على أجزاء واسعة من البلاد بعد استقرار الهجرات العربية في المنطقة.
وظلت العلاقات بين الطرفين تتأرجح بين التبادل التجاري والتفاوض والصراع، إلى أن انتقلت فرنسا تدريجيًا إلى فرض سيطرتها المباشرة على البلاد في مطلع القرن العشرين، ضمن سياق التوسع الاستعماري في غرب إفريقيا.
وهذا التاريخ، بما يتضمنه من اتفاقيات وتنافس تجاري وصراعات عسكرية، يبرهن على أن المجال الموريتاني كان قائمًا بخصوصيته السياسية والاجتماعية، وأن علاقاته بمحيطه المغاربي والصحراوي والإفريقي لا يمكن اختزالها في سردية أحادية أو استخدامها لتبرير ادعاءات سياسية معاصرة.
إن تكرار خطاب جارح، يفتقر إلى التوثيق الكافي، ويتضمن في منطوقه وإيحاءاته تحاملًا على بلد شقيق وإساءة إليه، أمر يصعب التوفيق بينه وبين مقتضيات المسؤولية الأكاديمية والأخلاقية، خصوصًا عندما يصدر عن شخصية علمية تولت رئاسة رابطة للعلماء المسلمين.
فمثل هذا الخطاب لا يخدم أي مشروع وحدوي أو تصور تكاملي للفضاء المغاربي، الذي يظل اندماجه وتعاونه حلمًا مشروعًا لدى كثير من أبنائه. كما أنه لا يساعد على بناء علاقات متوازنة بين شعوبه، بل قد يفتح الباب أمام نزاعات تاريخية وسياسية لا مصلحة لأحد فيها.
ولا شك أن موريتانيا والمغرب تجمعهما روابط عميقة، تشمل الدين والثقافة واللغة والتاريخ والتجارة والتداخل الاجتماعي. غير أن هذه الروابط، مهما بلغت قوتها، لا تتحول تلقائيًا إلى سند قانوني يثبت أن المغرب جزء من موريتانيا، أو أن موريتانيا جزء من المغرب.
فالتمييز الحاسم هنا هو بين وحدة المجال الحضاري والتاريخي، ووحدة الدولة والسيادة القانونية. قد تتداخل المجالات الحضارية، وتتقاطع المصالح والولاءات التاريخية، وتتجاوز الروابط الاجتماعية الحدود السياسية، من دون أن يعني ذلك أن جميع المناطق التي يشملها هذا المجال أجزاء من دولة واحدة.
ومن حق الباحثين والمؤرخين مناقشة نشأة الدول المغاربية، وتطور حدودها، وتاريخ تشكلها السياسي، كما يحق لهم نقد سياسات الاستعمار وآثارها، ومساءلة حكام المنطقة عن خياراتهم السياسية وأخطائهم. لكن ذلك كله ينبغي أن يتم في إطار من الدقة العلمية واللباقة والكياسة، وبما يليق بمكانة الشخصيات التي تتصدر النقاش العام.
أما الانتقال من مناقشة التاريخ إلى الادعاء بوجود حق قانوني معاصر في إلحاق دولة مستقلة بدولة أخرى، فذلك أمر مختلف تمامًا؛ إذ لا يكفي لإثباته التشابه الثقافي أو وحدة المذهب أو التداخل التاريخي، بل يحتاج إلى أساس قانوني معتبر، منسجم مع قواعد القانون الدولي ومبدأ احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها.
إن استحضار التاريخ ينبغي أن يكون وسيلة لتعزيز التعاون بين الأخوة ، لا أداة لإعادة إنتاج نزاعات الماضي أو التشكيك في شرعية الدول القائمة. فالوحدة المغاربية المنشودة لا تُبنى بإنكار استقلال أي من بلدانها، ولا بإثارة ادعاءات تمس سيادتها، وإنما بالتكامل والاحترام المتبادل والتعاون على أساس المساواة.
وكل خطاب يخلط بين وحدة التاريخ ووحدة السيادة، أو يجعل من الروابط الحضارية ذريعة للطعن في استقلال دولة شقيقة، يحمل في طياته بذور الشحناء والتباعد والتفتيت، وربما أضر بالعلاقات بين الأشقاء أكثر مما تضر بها الأعمال العدائية المباشرة.