فرصة ثانية للتعلم والاحتراف، واستثمار في طاقات الموريتانيين داخل الوطن وخارجه
تعتبر الجاليات الموريتانية في الخارج رافداً أساسياً من روافد التنمية الوطنية، ومصدر فخر واعتزاز لجميع الموريتانيين. إلا أن فئات واسعة من أبناء هذه الجاليات، وتحديداً الجالية المقيمة في بلاد الحرمين الشريفين، تعيش ظروفاً استثنائية صعبة خاصة؛ نتج عنها واقعاً مؤلماً: جيل كامل من أبناء الوطن ينمو بلا مؤهلات علمية أو مهارية، مما يهدد بتعطيل طاقاتهم وتحويلهم إلى ضحايا للبطالة، بعيداً عن سوق العمل الرقمي والمهني الذي يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم. ومن رحم الإحساس بهذه المعاناة ولدت فكرة هذه المبادة كحل لجزء من هذه التحديات التي تواجه أبناء هذه الجالية وتواجه كل من لديه ظروف مشابهة تحول بينه وبين الحصول على المؤهلات المناسبة لسوق العمل.
مقترح مبادرة وطنية للتأهيل الرقمي والمهني
في ظل التحولات المتسارعة في سوق العمل، واتساع فرص التعلم عن بُعد، تبرز الحاجة إلى مبادرة وطنية تتيح للموريتانيين اكتساب مهارات مهنية ورقمية قابلة للتطبيق والإثبات، دون أن تكون فرص التعلم محصورة فيمن أتيحت لهم ظروف استكمال المسارات التعليمية التقليدية.
المبررات والأهمية الاستراتيجية
مواكبة التحول العالمي نحو التوظيف القائم على المهارات والكفاءات
يشهد العالم تحولًا متناميًا في فلسفة التأهيل والتوظيف، يتجه نحو إعطاء المهارات العملية والكفاءات القابلة للقياس وزنًا أكبر في تقييم المرشحين للوظائف، بدلًا من الاعتماد الحصري على الشهادات الأكاديمية أو اشتراطها في وظائف لا تتطلب طبيعتها بالضرورة مسارًا جامعيًا تقليديًا. فلم يعد السؤال الأساسي في كثير من المجالات المهنية والتقنية هو: «ما الشهادة التي يحملها المتقدم؟» فحسب، بل أصبح أيضًا: «ما الذي يستطيع إنجازه فعليًا؟ وما المهارات التي يمكنه إثبات امتلاكها؟».
ومن الأمثلة البارزة على هذا التوجه ما قام به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال ولايته الرئاسية الأولى، عندما أصدر في 26 يونيو 2020 الأمر التنفيذي رقم 13932 بشأن تحديث وتطوير أساليب تقييم المرشحين للوظائف الفيدرالية وتوظيفهم. وقد دعا الأمر الوكالات الفيدرالية إلى تحديث معايير التأهيل والتقييم، والحد من الاعتماد غير الضروري على المؤهلات التعليمية، وتعزيز تقييم المهارات والكفاءات ذات الصلة بالوظائف. ولم يكن المقصود إلغاء الشهادات الجامعية في جميع الوظائف، بل إزالة اشتراطاتها غير الضرورية عندما لا تفرضها طبيعة الوظيفة أو المتطلبات القانونية، مع التحقق من كفاءة المرشحين بوسائل تقييم مناسبة.
ويُعرف هذا التوجه على نطاق واسع بالتوظيف القائم على المهارات أولًا (Skills-First Hiring)، وهو يتيح للأشخاص الذين اكتسبوا معارفهم ومهاراتهم من خلال التدريب المهني، والتعلم الذاتي، والخبرة العملية، والمسارات التعليمية البديلة، فرصة أكبر لإثبات جدارتهم، متى امتلكوا الكفاءات المطلوبة. ولا يعني ذلك الاستغناء عن التعليم العام أو الشهادات الأكاديمية، ولا تجاوز المتطلبات النظامية للمهن المنظمة، بل توسيع سبل اكتساب المهارات وإثباتها.
منصة للتأهيل لا مجرد مكتبة للدورات
تُقترح المنصة الوطنية للتأهيل الرقمي بوصفها منظومة متكاملة للتعلم الذاتي والتدريب المهني عن بُعد، تنتقل بالمتعلم من الأساسيات إلى الكفاءة التطبيقية، عبر مسارات منظمة، ودروس مسجلة، وفصول افتراضية، وتمارين ومشروعات عملية، واختبارات تقيس التقدم، وإرشاد مهني، ومسارات للاستعداد للشهادات المهنية المناسبة.
ويمكن الاستفادة من نماذج عالمية مثل Khan Academy في التعلم الذاتي المتدرج وإتقان المهارات، ومن المسارات المهنية التي تقدمها Coursera وGoogle Career Certificates في تنظيم التعلم حول مهارات وظيفية ومشروعات تطبيقية. ويُراعى أن الشهادات تختلف في قيمتها وشروطها والجهة المانحة لها، وقد تتطلب بعض الاختبارات رسومًا، كما أن إتمام التدريب لا يشكل ضمانًا للحصول على وظيفة.
تتلخص الفكرة في إطلاق نموذج “المنصة الوطنية للتأهيل الرقمي”؛ وهي فكرة لمشروع تعليمي وتدريبي متكامل لا يعتمد على مسار واحد، بل يجمع بين عدة أدوات تقنية وتربوية:
يهدف هذا النموذج الشامل إلى بناء قدرات المستفيد من الصفر وحتى الاحتراف في مجالات حيوية يشتد عليها الطلب عالمياً ـ مثل: اللغات الحية، مهارات البرمجة والتقنية، والعلوم الإدارية ـ وإعدادهم لاجتياز الاختبارات للحصول على شهادات دولية معتمدة تفتح لهم أبواب التوظيف والعمل الحر عن بُعد دون اشتراط شهادات ثانوية تقليدية.
نماذج عالمية ناجحة تثبت إمكانية الحل:
إن فكرة دمج هذه الأدوات التقنية للوصول إلى الفئات المحرومة من التعليم أثبتت نجاحها الباهر في العديد من المبادرات الدولية، مثل:
الفئات التي تستهدفها المبادرة
محور خاص بالجاليات الموريتانية في الخارج
تتيح طبيعة المنصة الوطنية للتأهيل الرقمي الوصول إلى المتعلمين خارج البلاد دون اشتراط الحضور اليومي، بما يساعد أفراد الجاليات في الخارج على مواصلة التعلم بالتوازي مع العمل والالتزامات الأسرية. ويمكن أن يتضمن البرنامج مسارات مرنة تراعي اختلاف التوقيت والاتصال بالإنترنت، مع مواد منخفضة استهلاك البيانات وإتاحة تنزيل بعض الموارد عند الإمكان. ولا تمثل المنصة بديلًا عن التعليم النظامي أو حلًا لمسائل الإقامة والعمل القانونية، وإنما فرصة إضافية للتعلم وبناء المهارات.
صلة المبادرة بمنتدى الجاليات الموريتانية 2026
تأتي هذه الفكرة في توقيت مناسب لطرحها ضمن مخرجات منتدى الجاليات الموريتانية المزمع عقده في نواكشوط خلال الفترة 29–31 أكتوبر 2026، إذ تتقاطع مع قضايا التعليم والتشغيل والشباب والتحول الرقمي والاستفادة من كفاءات الموريتانيين في الخارج. ويُقترح إدراج توصية بدراسة إنشاء المنصة ضمن توصيات المنتدى، وتكليف الجهات المختصة بإعداد دراسة جدوى وخطة تنفيذية قابلة للقياس.
التكامل مع الجهود الوطنية
يمكن أن تتكامل المبادرة مع جهود التحول الرقمي وتطوير الخدمات العمومية، ومع برامج الحماية الاجتماعية الموجهة للفئات الهشة، دون أن تحل محلها أو تكرر وظائفها. فبوابات الخدمات الحكومية تيسر الوصول إلى الخدمات، وبرامج الحماية الاجتماعية تستهدف جوانب الدعم والرعاية، بينما تركز المنصة المقترحة على بناء القدرات والمهارات المهنية الرقمية وربطها بفرص التطور الاقتصادي.
وتنسجم المبادرة من حيث الغاية مع الاهتمام المعلن على المستوى البرنامج الانتخابي السابق لرئيس الجمهورية في مجال تحسين أوضاع الفئات الهشة وتعزيز التواصل مع الجاليات الموريتانية في الخارج.
مسارات أولية مقترحة
تُعد هذه المسارات أمثلة أولية وليست قرارًا نهائيًا؛ ويجب اختيارها بناءً على دراسة احتياجات سوق العمل الموريتاني، واستشارة أصحاب العمل، والتحقق من تكلفة التدريب والاختبارات وإمكانات الاعتراف بالشهادات.
التنفيذ والحوكمة
يقترح البدء بدراسة جدوى تتناول الفئات المستهدفة، والطلب المهني، والحوكمة، والشراكات، والتكاليف، والبنية التقنية، وحماية البيانات، وإتاحة الوصول للأشخاص ذوي الإعاقة. ويمكن استخدام نظام إدارة تعلم مفتوح المصدر مثل Moodle لتقليل رسوم التراخيص، مع التأكيد أن البرمجيات المفتوحة لا تعني انعدام تكاليف الاستضافة والصيانة وإنتاج المحتوى والمدربين والدعم الفني وأدوات الذكاء الاصطناعي والاختبارات.
ويُقترح تنفيذ مرحلة تجريبية لمدة 12 شهرًا بعد اعتماد دراسة الجدوى، تشمل عددًا محدودًا من المسارات والفئات، مع قياس التسجيل، والاستمرار، وإتمام المسارات، ونتائج التقييم العملي، والحصول على الشهادات، ورضا المتعلمين، ومدى استفادة الخريجين من المهارات في العمل أو التدريب أو المشاريع.
الخلاصة
إن المنصة الوطنية للتأهيل الرقمي فرصة لبناء مسار وطني أكثر مرونة للارتقاء بالمهارات، وتوسيع الوصول إلى التعلم، وتحويل المعرفة إلى كفاءة قابلة للإثبات. وهي مبادرة تستحق الدراسة والشراكة بين القطاعات الحكومية والتدريبية وأصحاب العمل والجالية، بما يضمن واقعية التنفيذ واستدامته وقياس أثره.
إن هذا المشروع يأتي امتداداً طبيعياً للتطور الملموس الذي شهدته موريتانيا خلال العهد الحالي في مجال تحديث الإدارة وتقريب الخدمات الحكومية الرقمية من المواطن، وتتويجاً للجهود الكبيرة التي تبذلها الدولة عبر المندوبية العامة للتضامن الوطني ومكافحة الإقصاء (تآزر) في دعم المواطنين وتخفيف أعباء الحاجة المادية عنهم.
فإذا كان برنامج «تآزر» قد أسهم في تخفيف الأعباء المعيشية، وكانت الخدمات الحكومية الرقمية قد قربت الإدارة من المواطن، فإن منصة وطنية للتعلم والتأهيل تأتي لتستكمل هذا المسار الرائد بتقريب المعرفة، والمهارة، والفرصة المهنية من المواطن أينما كان. إن الاستثمار الحقيقي في الإنسان لا يقتصر على المعونات العينية، بل يشمل أيضاً تمكينه من الأدوات الذكية التي تساعده على بناء مستقبله والمشاركة الفاعلة في تنمية وطنه.
مراجع أولية للتحقق والتوسع: