أكد الأستاذ بقسم التاريخ والفلسفة بجامعة لويزيانا في الولايات المتحدة، أبو العباس ابراهام، أن الدعوات المتصاعدة للمطالبة بمأمورية رئاسية ثالثة في موريتانيا، حراك سياسي مؤطر ومنسق من أعلى هرم السلطة، مشيرا أن صدورها عن منتخبين وأطر خلال جولات الحزب الحاكم يؤكد أنها أمر “دُبّر بليل”، على حد تعبيره.
وأوضح أبراهام، في مقابلته في النشرة التحليلية مساء TTV، أمس الخميس، أن توقيت تصاعد هذه الدعوات يأتي رغم تذمر الرئيس محمد ولد الغزواني منها منتصف يوليو الماضي، ورفضه التشويش على ولايته الحالية، لافتا أن انطلاق الحملات التعبوية للمسؤولين والأطر بعد تلك التصريحات يظهر تناقضا ومحاولة لخلق حراك سياسي مبكر.
وأشار، إلى أن المنهج المتبع في طرح هذه الدعوات جاء تدريجيا، بدءا بشخصيات فردية وإعلامية ووجهاء، قبل أن ينتقل إلى المنتخبين والأطر وأجهزة حزب الإنصاف؛ الذي تحول – بحسب تعبيره – من قالب الأحزاب التقليدية إلى جهاز تنفيذي ميداني يعمل على تعبئة القواعد الشعبية لتجاوز النظام الدستوري قائم الأركان.
وحول أهداف هذا التحرك، اعتبر أبو العباس أن السلطة تسعى من خلال هذه التعبئة الميدانية إلى استخدام الدستور والمواد المحصنة كأداة للمقايضة السياسية أو رفعه كسقف للمفاوضات، في سلوك يعيد إلى الأذهان ما شهدته البلاد في تعديلات 2017 و2018 و2019 عندما سمح النظام السابق بتصاعد حراك مماثل ثم قدم نفسه كحامٍ للدستور والمؤسسات.
ويرى إبراهام أن الدعوة للتمديد تعكس عدم احترام فكري وأخلاقي للدستور من قبل الأطر والمنتَخبِين الداعين له، كونهم لا يطرحون إصلاحات أو حلولا لمشكلات هيكلية تستدعي تعديلا دستوريا عبر استفتاء شعبيّ، وإنما ينطلقون من مطلب نفعي يتلخص في حماية وتأمين مصالحهم الخاصة مع السلطة.
وعن انعكاسات هذا السجال على الحوار الوطني المرتقب، جزم الأكاديمي بأنه سيؤدي إلى فشل الحوار، مستشهدا بفشل حوار 2017-2018 بسبب محاولات العبث بالمواد الدستورية المحصنة، ومساومة المعارضة على مكاسب سياسية وشخصية مقابل التخلي عن التناوب السلمي على السلطة.
وأضاف أستاذ الفلسفة، أن الرهان الحقيقي للسلطة من الاهتمام المفاجئ بالحوار الوطني، قد يتلخص في محاولة إبرام صفقة، أو مقايضة محتملة، بين فتح المأموريات الرئاسية وتقديم تنازلات سياسية معينة للمعارضة، وهو ما اعتبره مستحيلا من الناحية القانونية والشعبية والدستورية، وسيصطدم بالرفض.
وفيما يتعلق بالحدود الفاصلة بين حرية التعبير واحترام القانون الأساسي، أكد أبو العباس أن النظام الديمقراطي يجب أن يظل نظاما إجرائيا قانونيا يقدس روح القانون وشكلياته مشددا على أن الشرعية السياسية والجماهيرية لا يمكن أن تلغي الشرعية الانتخابية أو تحل محلها، وإلا تحولت الدولة إلى نظام أعيان ووجهاء وجولات تعبوية خارج القالب الديمقراطي.
وقال أبو العباس أبراهام، إن تتالي الدعوات يكشف هشاشة النظام الديمقراطي في موريتانيا، وربط استمرارية المؤسسات والمشاريع بأشخاص ورؤساء بعينهم بدل تعزيز القوة الذاتية للدستور، مؤكدا أن احترام التناوب السلمي والدستور يجب أن يكون فوق الأشخاص والكتل الاقتصادية والأنظمة الحاكمة.