أعلن بيان مجلس الوزراء اليوم عن فوز شركة “آكوا باور” السعودية بعقد إنشاء مشروع بناء محطة إنجاكو الغازية بقدرة 230 ميغاوات. و تبدو شركة آكوا باور السعودية، أو Acwa وفق هويتها التجارية الجديدة، واحدة من أكثر الشركات العربية صعودًا في قطاع البنية التحتية للطاقة والمياه. فهي ليست مجرد شركة مرافق تقليدية، بل ذراع استثمارية وتشغيلية كبرى في مشاريع الكهرباء، وتحلية المياه، والطاقة المتجددة، والهيدروجين الأخضر، وتتحرك في قلب التحول الاقتصادي السعودي المرتبط برؤية 2030.
غير أن الواجهة اللامعة للشركة، القائمة على مفردات “الطاقة النظيفة” و“الاستدامة” و“الأمن الطاقي”، تخفي خلفها أسئلة ثقيلة:
إلى أي حد تنسجم سرعة التوسع مع معايير السلامة المهنية؟
وهل تكفي مؤشرات الربحية وحجم المحفظة لإخفاء مخاطر المديونية، وضغط المشاريع العملاقة، والانتقادات المتعلقة بأوضاع العمالة الوافدة، والأثر البيئي لمحطات التحلية والمشاريع الضخمة؟
صعود سريع من الرياض إلى الأسواق الدولية
تأسست آكوا باور عام 2004 في الرياض، في سياق فتح قطاعي الكهرباء والمياه أمام الاستثمار الخاص. بدأت كشركة سعودية تستثمر في محطات الكهرباء والتحلية، قبل أن تتحول خلال عقدين إلى لاعب دولي يمتد نشاطه إلى الشرق الأوسط، أفريقيا، آسيا الوسطى، وجنوب شرق آسيا.
يعتمد نموذج أعمالها على تطوير وتمويل وبناء وتشغيل مشاريع طويلة الأجل، غالبًا عبر عقود شراء كهرباء أو مياه مع حكومات أو مرافق عامة. وهذا النموذج يمنحها تدفقات نقدية شبه مستقرة، لكنه في الوقت ذاته يربطها بعقود كبيرة ومعقدة، وبتمويلات طويلة الأمد، وبمخاطر سياسية وتنظيمية في أسواق ناشئة ومتقلبة.
تملك الشركة اليوم محفظة واسعة تتجاوز مئة مشروع، تشمل محطات حرارية، ومشاريع شمسية ورياح، ومحطات تحلية، ومشاريع هيدروجين أخضر. ومن أبرز مشاريعها: مشروع الهيدروجين الأخضر في نيوم، ومحطة الطويلة للتحلية في الإمارات، ومشاريع شمسية ورياح في السعودية وأوزبكستان ومصر والمغرب وجنوب أفريقيا.
نقاط قوة الشركة
نقطة القوة الأولى في آكوا باور هي الحجم. فالشركة تحولت إلى منصة إقليمية ودولية ضخمة في قطاع شديد الحساسية: الطاقة والمياه. وهذا القطاع لا هوادة فيه، فهو متصل بالأمن القومي، وبالنمو الصناعي، وبالتحول المناخي، وبأزمات العطش في البلدان الجافة.
نقطة القوة الثانية هي الدعم الاستراتيجي. فوجود صندوق الاستثمارات العامة السعودي ضمن كبار المساهمين يمنح الشركة ثقلًا مؤسسيًا وتمويليًا وسياسيًا، ويجعلها جزءًا من هندسة اقتصادية أوسع تسعى إلى تقليل الاعتماد على النفط، وبناء اقتصاد سعودي جديد يقوم على البنية التحتية، الطاقة المتجددة، السياحة، الصناعة، والتكنولوجيا.
أما نقطة القوة الثالثة فهي القدرة على اقتناص عقود ضخمة وبناء تحالفات عابرة للحدود. فقد دخلت آكوا باور في شراكات مع شركات عالمية، ومؤسسات تمويل دولية، وحكومات، ومرافق وطنية. وتكشف صفقاتها في الكويت والبحرين والمغرب وأوزبكستان والصين عن طموح واضح: الخروج من صورة الشركة الخليجية إلى صورة “منصة عالمية” للطاقة والمياه.
لكن هذه القوة ذاتها قد تتحول إلى عبء. فالشركات التي تكبر بسرعة شديدة تصبح أكثر عرضة للفجوات: فجوة بين الخطاب والواقع، بين المركز والمقاولين، بين المعايير المعلنة وسلاسل التوريد، وبين الاستدامة بوصفها شعارًا والاستدامة بوصفها ممارسة يومية صعبة ومكلفة.
أرقام براقة… ومديونية باهظة
ماليًا، تبدو آكوا باور في موقع مريح نسبيًا من حيث النمو. فقد سجلت خلال السنوات الأخيرة ارتفاعًا في الإيرادات والأرباح، ووسعت قاعدة أصولها، ودخلت مشاريع جديدة في الطاقة المتجددة والتحلية. غير أن قراءة الأرقام لا تكتمل دون النظر إلى جانب الديون.
طبيعة مشاريع الشركة رأسمالية كثيفة؛ أي أنها تحتاج إلى تمويلات ضخمة قبل أن تبدأ في توليد عوائد طويلة الأمد. لذلك ترتفع المديونية كلما توسعت الشركة. وهذا ليس عيبًا في حد ذاته، لكنه يتحول إلى نقطة ضعف حين ترتفع أسعار الفائدة، أو تتأخر المشاريع، أو تتغير شروط التمويل، أو تتعرض الأسواق التي تعمل فيها الشركة لصدمات سياسية أو نقدية.
ومن ثم فإن آكوا باور تقف أمام معادلة دقيقة: كل مشروع جديد يضيف إلى صورتها وحجمها، لكنه يضيف أيضًا إلى التزاماتها ومخاطر التنفيذ. وكل عقد طويل الأجل يمنحها استقرارًا، لكنه يربطها كذلك بشروط سعرية وتنظيمية قد لا تبقى مريحة إلى الأبد.
الطاقة النظيفة… خطاب أخضر ولكن..
تقدم آكوا باور نفسها باعتبارها فاعلًا رئيسيًا في التحول نحو الطاقة النظيفة. وهذا صحيح من حيث الحجم والتوجه؛ فالشركة موجودة في مشاريع شمسية ورياح وهيدروجين أخضر وتخزين طاقة. غير أن الطاقة النظيفة لا تصبح “نظيفة” فقط لأن مصدرها شمسي أو ريحي. السؤال الأعمق هو: كيف تُبنى هذه المشاريع؟ ومن يعمل فيها؟ وتحت
أي شروط؟ وما أثرها على الأرض والماء والعمال والمجتمعات المحلية.
هنا تظهر أكثر مناطق الموضوع حساسية: ظروف العمل والسلامة والبيئة. فالمشاريع العملاقة في الخليج عمومًا، وفي السعودية خصوصًا، تعتمد بكثافة على العمالة الوافدة، وعلى شبكات مقاولين ومقاولين فرعيين. هذه السلسلة الطويلة تجعل المسؤولية سهلة التبخر: الشركة المطورة تقول إنها تضع المعايير، والمقاول يقول إنه يطبقها، والمقاول الفرعي يبحث عن الكلفة الأقل، والعامل في أسفل الهرم يدفع الثمن إن اختل النظام.
وقد أشارت تقارير حقوقية وصحفية في السنوات الأخيرة إلى مخاطر جدية تواجه العمال المهاجرين في مشاريع البناء والطاقة والبنية التحتية في الخليج والسعودية، بينها التعرض لحرارة قاتلة، ساعات عمل طويلة، ضعف الرقابة، نقص الشفافية في التحقيق بحوادث العمل، وتأخر أو غياب تعويضات أسر الضحايا في بعض الحالات.
لا يعني ذلك إدانة آكوا باور في كل ما يثار حول بيئة المشاريع الكبرى، ولا يجوز تحويل الاتهامات العامة إلى أحكام نهائية. لكن وجود اسم الشركة في مشاريع ضخمة مثل نيوم ومشاريع الطاقة الخضراء يجعلها مطالبة بمعايير أعلى لا أدنى. فالقول بالالتزام بالقوانين المحلية والدولية لا يكفي إذا بقيت سلاسل المقاولة بعيدة عن التدقيق العام، وإذا لم تُنشر بيانات مفصلة عن الحوادث، والإصابات، والوفيات، وساعات العمل، والسكن، ودرجات الحرارة، وآليات الشكاوى، ونتائج التحقيقات.
السلامة المهنية: الحلقة الأضعف
المأخذ الأكبر على نمط التوسع في مشاريع الطاقة والبنية التحتية هو أن السلامة كثيرًا ما تأتي بعد الإنجاز، لا قبله. ففي المشاريع الضخمة، يصبح الوقت جزءًا من السياسة، وتصبح مواعيد التسليم مادة دعائية، وتتحول السرعة إلى قيمة اقتصادية ورمزية. عندها قد يتراجع العامل من كونه إنسانًا إلى كونه رقمًا في جدول الإنجاز.
تحتاج آكوا باور، إذا أرادت الدفاع عن صورتها كقائد عالمي في البنية التحتية المستدامة، إلى ما هو أكثر من لغة الاستدامة. تحتاج إلى نشر مؤشرات سلامة واضحة ومقارنة: عدد الإصابات لكل مليون ساعة عمل، الوفيات، الحوادث الجسيمة، حالات الإجهاد الحراري، إجراءات وقف العمل في الحرارة القصوى، نتائج التفتيش على مساكن العمال، ونسبة العمالة التابعة لمقاولين فرعيين.
كما تحتاج إلى آلية مستقلة للشكاوى، يستطيع العامل استخدامها دون خوف من الطرد أو الترحيل أو فقدان الأجر. فالاستدامة التي لا يسمع فيها صوت العامل ليست استدامة؛ إنها تسويق أخضر بلغة ناعمة.
البيئة: تحلية المياه ليست حلًا بلا كلفة
في مجال المياه، تقدم آكوا باور نفسها كأحد أكبر منتجي المياه المحلاة في العالم. وهذا إنجاز تقني واقتصادي مهم في منطقة شحيحة المياه. غير أن التحلية ليست معجزة بيئية مجانية.
فمحطات التحلية، حتى عندما تعتمد على تقنيات أكثر كفاءة مثل التناضح العكسي، تنتج محلولًا ملحيًا مركزًا “رجيعًا ملحيًا” يُصرف غالبًا في البحر. وإذا لم تتم إدارة هذا التصريف وفق معايير صارمة، فقد يؤدي إلى رفع ملوحة مناطق بحرية محددة، والتأثير على الكائنات القاعية، وإرباك النظم البيئية الساحلية، خصوصًا في البحار شبه المغلقة أو المناطق ذات التيارات الضعيفة.
كما أن التحلية تستهلك الطاقة، وتحتاج إلى مواد كيميائية للمعالجة والتنظيف ومنع الترسبات، وتنتج آثارًا تراكمية يصعب قياسها بمجرد افتتاح محطة أو إعلان رقم قياسي في كلفة إنتاج المتر المكعب.
لذلك فإن السؤال البيئي الحقيقي ليس: كم تنتج آكوا باور من المياه؟ بل: كيف تصرف الرجيع الملحي؟ ما نتائج الرصد البحري قبل التشغيل وبعده؟
هل تنشر الشركة بيانات شفافة عن الملوحة، والحرارة، والمواد الكيميائية، والتنوع الحيوي قرب مخارج التصريف؟ وهل تكتفي بالامتثال القانوني أم تتبنى معيارًا أعلى يتناسب مع حجمها العالمي؟
الهيدروجين الأخضر: وعد المستقبل
يعد مشروع نيوم للهيدروجين الأخضر أحد أعمدة الصورة المستقبلية لآكوا باور. إنه مشروع رمزي بامتياز: طاقة متجددة، أمونيا خضراء، تصدير، وتقنيات جديدة. لكنه أيضًا مشروع عالي المخاطر؛ فاقتصاد الهيدروجين الأخضر لا يزال في طور التشكل، وكلفته، وأسواقه، وسلاسل نقله، ومعايير شهاداته، لا تزال عرضة للتغير.
النجاح في هذا المجال قد يضع آكوا باور في موقع ريادي عالمي. أما التعثر فقد يكشف هشاشة بعض الرهانات الكبرى التي تعتمد على افتراضات مستقبلية أكثر مما تعتمد على أسواق ناضجة. لذلك يجب التعامل مع الهيدروجين الأخضر لا كإنجاز مكتمل، بل كورشة مفتوحة على احتمالات كبيرة ومخاطر كبيرة أيضًا.
الحوكمة والشفافية: أين تنتهي الدولة وأين تبدأ الشركة؟
وجود صندوق الاستثمارات العامة ضمن كبار المساهمين يمنح آكوا باور قوة، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤال الحوكمة. فحين تكون الشركة جزءًا من مشروع وطني كبير، وتعمل في قطاعات استراتيجية، وتحظى بدعم مؤسسي ضخم، يصبح الفصل بين القرار التجاري والقرار السياسي أكثر تعقيدًا.
هذا لا يعني بالضرورة وجود خلل، لكنه يفرض مستوى أعلى من الشفافية: كيف تُمنح المشاريع؟ كيف تُدار المخاطر؟ كيف تُقيّم العقود مع الجهات الحكومية؟ كيف تُعلن تضارب المصالح المحتمل؟ وكيف يجري ضمان حقوق المساهمين الأقلية في شركة مدرجة تعمل في ظل مساهم سيادي قوي؟
الأسواق لا تقلق من قوة الدولة وحدها؛ تقلق من غموض العلاقة بين الدولة والسوق. وآكوا باور، كلما كبرت، احتاجت إلى إفصاح أكبر، لا إلى اكتفاء بالثقة العامة في المشروع السعودي الكبير.
نقاط القوة أخرى
رغم هذه المآخذ، لا يمكن إنكار نقاط القوة الجوهرية في الشركة. فهي تمتلك خبرة تشغيلية معتبرة في مشاريع معقدة، وتعرف كيف تدخل المناقصات الكبيرة، وتجمع التمويل، وتدير التحالفات، وتربط المشاريع بعقود شراء طويلة الأجل. كما أن حضورها في الطاقة المتجددة يمنحها موقعًا مهمًا في عالم يتجه إلى خفض الانبعاثات.
تمتلك الشركة كذلك أفضلية جغرافية؛ فهي تنطلق من منطقة تحتاج الكهرباء والمياه، وتملك موارد شمسية وريحية، وتبحث عن تنويع اقتصادي. كما أن مشاريعها في التحلية تمنحها دورًا حيويًا في الأمن المائي، وهو ملف سيصبح أكثر حساسية مع تغير المناخ وارتفاع الطلب الحضري والصناعي.
المآخذ الجوهرية
لكن المآخذ لا تقل وزنًا. أولها المديونية المرتفعة الملازمة لنموذج المشاريع العملاقة. ثانيها مخاطر التنفيذ في أسواق متعددة، بعضها هش سياسيًا وتنظيميًا. ثالثها محدودية الشفافية التفصيلية بشأن العمالة وسلاسل التوريد والمقاولين الفرعيين. رابعها الأثر البيئي لمشاريع التحلية والطاقة الكبرى. وخامسها خطر “التجميل الأخضر” حين تتحول مفردات الاستدامة إلى غلاف دعائي لا تكفيه الأرقام المنشورة.
إن أكبر اختبار أمام آكوا باور ليس قدرتها على بناء محطة جديدة، بل قدرتها على إثبات أن هذه المحطة لا تُبنى على حساب العامل، ولا البحر، ولا المجتمعات المحلية، ولا الحق العام في المعرفة.
الخلاصة
آكوا باور شركة كبيرة، مؤثرة، وواعدة. وهي من النماذج العربية القليلة التي خرجت من السوق المحلي إلى منافسة دولية في قطاع بالغ الأهمية. لكنها، بحجمها وطموحها واتصالها برؤية السعودية 2030، لا تستطيع أن تطلب تصفيقًا بلا مساءلة.
الطاقة النظيفة لا تقاس فقط بكمية الكربون التي لا تنبعث من التوربين أو اللوح الشمسي؛ تقاس أيضًا بعدد العمال الذين يعودون سالمين إلى مساكنهم، وبمدى شفافية التحقيق في الحوادث، وبنظافة البحر الذي يستقبل رجيع التحلية، وبحق الناس في معرفة الكلفة الكاملة للمشاريع التي تُعرض عليهم بوصفها مستقبلًا أخضر.
آكوا باور تقف اليوم بين صورتين: صورة البطل الإقليمي الصاعد في الطاقة والمياه، وصورة الشركة العملاقة التي يجب أن تثبت أن نموها لا يسابق ضميرها. وفي هذه المسافة بالذات سيتحدد مستقبلها الحقيقي.