تخطَّ إلى المحتوى

موريتانيا كنموذج في مكافحة الإرهاب: هل يمكن استنساخ التجربة؟

Lother King
6 دقائق قراءة613

 إسحاق عبدالرحمن

صحفي تشادي مهتم بالشأن الافريقي

المقدمة:

لطالما ارتبط اسم منطقة الساحل بالإرهاب خلال السنوات الأخيرة لتتحول من مجرد أحداث عابرة إلى تهديد حقيقي يهدد حاضر المنطقة ومستقبلها بأكمله، وفي أحدث تقرير عن مؤشر الإرهاب العالمي لعام 2026 والصادر عن معهد الاقتصاد والسلام

 صُنِّفت منطقة الساحل للعام الثالث على التوالي باعتبارها أكثر مناطق العالم تضرراً من الإرهاب، كما أشار التقرير إلى أن أكثر من نصف ضحايا العمليات الإرهابية في العالم ينتمون إلى هذه المنطقة ما يوضح انتقال مركز الثقل الإرهابي من آسيا الوسطى والمشرق العربي إلى قلب إفريقيا.

ويرجع التقرير تحوّل المنطقة إلى بؤرة للإرهاب إلى نشاط جماعتين رئيسيتين تتصدران المشهد المسلح في المنطقة.

الأولى وهي ما تُعرف بجماعة نصرة الإسلام والمسلمين الموالية لتنظيم القاعدة والتي تتخذ من مالي مركزاً رئيسياً لها مع تمدد نفوذها إلى أجزاء واسعة من النيجر وبوركينا فاسو فضلاً عن محاولاتها الأخيرة التوسع نحو دول غرب أفريقيا.

أما الجماعة الثانية فهي تنظيم داعش في الصحراء الكبرى والذي ينشط أساساً في المناطق الحدودية بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو غير أنه يسعى بدوره إلى توسيع نطاق عملياته نحو دول جديدة مثل بنين وتوغو وحتى خليج غينيا مستفيداً من ارتباطاته مع تنظيم داعش في غرب أفريقيا المنشق عن بوكو حرام.

كما لا يمكن الحديث عن الإرهاب في الساحل الأفريقي دون التطرق إلى خطر بوكو حرام والتي تنشط في منطقة حوض بحيرة تشاد خصوصاً في تشاد ونيجيريا والنيجر والكاميرون، وقد شكلت عملياتها الأخيرة تهديداً مباشراً للأمن في هذه المنطقة خاصة الهجمات التي شنتها الجماعة خلال الأسابيع الأخيرة ضد قواعد عسكرية للجيش التشادي ومناطق مدنية في نيجيريا.

التجربة الموريتانية:

تعتبر موريتانيا الدولة الوحيدة في منطقة الساحل والتي تمكنت خلال سنوات قليلة من احتواء خطر الإرهاب والقضاء عليه تماماً وذلك باتخاذ خطوات صارمة وفعّالة إثر موجة الهجمات التي وقعت في البلاد خلال الفترة من عام 2005 وحتى عام 2011 ولم تتعرَّض لأي هجمات إرهابية كبيرة منذ ذلك الحين، وقد أعاد هذا النجاح للبلاد استقرارها المعهود الذي كانت تعرف بها سابقاً حين كان يٌقال في الداخل “الإرهاب هو أمر يحدث للآخرين” لتكون مثالاً يحتذى به في كيفية مواجهة التطرف العنيف في أفريقيا والعالم.

وسنحاول في هذه المقالة دراسة الإستراتيجية والمقاربة الأمنية والفكرية التي طبقتها للقضاء على هذه الآفة وتحليل عناصر نجاها لنرى ما إذا كان بإمكان بقية دول المنطقة الاستفادة منها وتطبيقها في سياقاتها الخاصة.

فالحرب حينما يقال عنها إنها خٌدعة يعني ذلك أنها تحمل العديد من الترتيبات من جميع النواحي وهذا بالضبط ما طبقته موريتانيا، إذ انطلقت استراتيجيتها منذ البداية في التعامل مع هذه الظاهرة من اتجاهاتها المختلفة و ذلك لإدراكها المبكر بأن هذه المعضلة لا يمكن أن يتم حصرها في اتجاه واحد لذلك عملت موريتانيا على تبني مقاربة مختلفة أدت في النهاية إلى القضاء بشكل كامل على الإرهاب وهو ما أسفر عن إشادات واسعة إقليمية ودولية وتوصف بنموذج دولي ناجح، كما أصبحنا نرى العديد من المسؤولين الموريتانيين بما فيهم الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني وهم يحاضرون في العديد من المؤتمرات الدولية عن هذه التجربة، ليس لهدف الاستعراض بقدر ما هي محاولة لإستفادة الآخرين منها.

وقد أبدت عدة دول اهتمامًا بالاستفادة من هذه التجربة ومن بينها دول كبيرة مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ودول الساحل مثل مالي والنيجر وتشاد وبوركينا فاسو إضافة إلى دول ضمن التحالف الإسلامي العسكري لمكافحة الإرهاب مثل السعودية.

وقد اعتمدت موريتانيا في مقاربتها لمحاربة الإرهاب على المحاور التالية:

المحور القضائي: تميزت الإصلاحات التي تم إدخالها في هذا السياق بتوخي الحرص على المواءمة بين الصرامة التشريعية والحسم القضائي من جهة، ومرونة السياسة الجزائية من جهة أخرى مع مراعاة المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وذلك ما مكن من تحقيق نتائج باهرة مثلت نجاحا استثنائيا مقارنة بما عليه الأمر في بلدان عديدة واجهت مستويات مماثلة من تحدي التطرف خلال السنوات الأخيرة.

المحور العسكري والأمني: عملت موريتانيا في هذا المحور أيضاً على مختلف المستويات الأمنية حيث قامت بإنشاء العديد من الوحدات داخل الجيش مثل سرايا الدعم والتدخل الخاصة ومشاة البحرية والجوية بالإضافة إلى إعادة تنظيم وحدات أخرى داخل الجيش وتسليحها بشكل حديث يتوافق مع متطلبات المرحلة والمنطقة.

كما أعطت السلطات الموريتانية الأولوية للعمل الاستعلامي سواء بواسطة الوسائل البشرية أو التقنية في إطار الشرعية وذلك بهدف تمكين السلطات العمومية من استباق الأخطار ووأدها من خلال منع هذه الحركات من التخطيط والاقتراب من الحدود الوطنية للبلاد، بالإضافة إلى ملاحقة الضالعين في الأعمال الإرهابية وتقديمهم للعدالة وفق الإجراءات القضائية.

كما اهتمت الحكومة بشكل خاص في تلك الفترة بالاتفاقيات الاقليمية والدولية في مجال محاربة التطرف والإرهاب.

المحور السياسي والاجتماعي:أدركت السلطات الموريتانية منذ اللحظة الأولى أن واحدة من أهم اسباب هذه الظاهرة هو الشعور بالإقصاء والظلم إذ يلتحق العديد من الشباب بالحركات الجهادية بسبب ذلك فعملت الحكومة على استراتيجية وطنية تعتمد في مجملها على إرساء دعائم الحكم الرشيد وذلك بتقريب خدمات الدولة للمواطنيين الأكثر احتياجاً وتسهيل الوصول إليها في كافة المناطق، بالإضافة إلى وضع إطار إستراتيجي لمكافحة الفقر والبطالة وتمويل المشاريع التنموية للشباب.

المحور الفكري والديني: لم تقتصر الدولة على القوة العسكرية فحسب بل لجأت إلى ما يزخر به المجتمعُ الموريتاني من قوة ناعمة فاستدعت العلماء والفقهاء والمثقفين والوجهاء الاجتماعيين للاصطفاف معها في خندق واحد تجاه هذه الظاهرة التي انتشرت في صفوف الشباب في العَشرية الأولى من القرن الجاري وقادت الكثير منهم إلى الالتحاق بالجماعات الإرهابية التابعة لتنظيم القاعدة.

 وقد أصدر علماء موريتانيا فتاوى تحذِّر من هذه الموجة الغريبة على المجتمع الموريتاني والتقى بعض العلماء بالسجناء المتشددون وبيَّنوا لهم وسطيةَ الإسلام ومخاطر تكفير المسلمين واستباحة دمائهم وأموالهم، كما نظمت أجهزة الدولة المختلفة كوزارة الشؤون الإسلامية ووزارة الثقافة ووزارة الداخلية مئات المؤتمرات والندَوات العلمية التي تناولت ظاهرةَ الإرهاب بالنقد والتحليل، إضافة إلى إنشاء مؤسسات دينية وثقافية تدعوا إلى الإسلام الوسطي بإشراف القطاع الديني مثل إنشاء إذاعة القران الكريم، وقناة المحظرة، وجامعة العيون الإسلامية، وعدد من المعاهد الدينية في البلاد.

كما أن عملت الحكومة على إجراء حوارات مفتوحة مع بعض المتشددين وكان من نتائج ذلك الحوارات والندوات توبة الكثير من الشباب من فكر التطرف العنيف ورجوعهم إلى جادة الصواب، حيث تراجعت أغلبية هؤلاء الشباب المتطرفين عن قناعاتهم الفكرية وعبروا عن رغبتهم في إصلاح أوضاعهم والعودة إلى الاندماج في المجتمع.

الخاتمة: ختامًا وبينما تعيش دول الساحل الأفريقي واحدة من أخطر المراحل الأمنية في تاريخها الحديث نتيجة تصاعد الإرهاب وتفاقم الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المرتبطة به تبرز التجربة الموريتانية بوصفها نموذجًا إفريقيًا ناجحًا استطاع أن يحول التحدي إلى فرصة لبناء مقاربة متكاملة لمكافحة التطرف والعنف المسلح.

وقد أثبتت هذه التجربة أن مواجهة الإرهاب لا يمكن أن تتحقق بالحلول العسكرية وحدها، بل تحتاج إلى رؤية شاملة تجمع بين الأمن والتنمية والفكر والعدالة الاجتماعية.

ورغم قيام عدد من حكومات المنطقة بزيارات متكررة إلى موريتانيا ومحاولات الاستفادة من تجربتها فإن نقل هذا النموذج إلى دول أخرى لم يكن بالأمر السهل، وذلك بسبب اختلاف الظروف السياسية والاجتماعية والأمنية بين بلدان الساحل.

كما أن البيئة الاجتماعية والثقافية في موريتانيا لعبت دورًا مهمًا في نجاح هذه المقاربة، إذ يتميز المجتمع الموريتاني بانتشار التعليم الديني التقليدي وحضور العلماء والفقهاء وتأثيرهم الكبير داخل المجتمع، وهو ما سهّل عملية الحوار الفكري مع المتشددين وإقناع عدد كبير منهم بالتخلي عن أفكار العنف والتطرف.

إضافة إلى ذلك فإن بعض دول الساحل تعاني من هشاشة مؤسسات الدولة وضعف السيطرة على الحدود واتساع رقعة الفقر والصراعات العرقية والانقسامات الداخلية، وهي عوامل تجعل من تطبيق التجربة الموريتانية بصورة كاملة أمرًا معقدًا. ومع ذلك، فإن هذا لا ينفي إمكانية استفادة تلك الدول من جوهر النموذج الموريتاني القائم على التكامل بين المقاربة الأمنية والمصالحة الفكرية والتنمية الاجتماعية، لأن نجاح أي سياسة لمكافحة الإرهاب يظل مرتبطًا بقدرة الدولة على معالجة الأسباب العميقة التي تدفع الشباب نحو التطرف.

 

 

 

 

 

Lother King

محرّر في تقدمي

اقرأ أيضاً