تخطَّ إلى المحتوى

مشاريع الطرق في موريتانيا..المعادلة المختلة !!/ المهندس / اعل سالم السالك

Lother King
9 دقائق قراءة1٬079

قراءة فنية تحليلية

المعادلة المختلّة في مشاريع الطرق الموريتانية

المهندس / اعل سالم السالك
خبير واستشاري في إدارة مشاريع البنى التحتية والطاقة

ما يبدو للرأي العام كتعثرٍ مزمن في مشاريع الطرق في موريتانيا لم يعد مجرد إشكال بنية تحتية، بل تحوّل إلى مؤشر على خلل أعمق في دورة المشروع العمومي.

تأخر الإنجاز وتدهور الجودة لم يعودا استثناءً، بل أصبحا القاعدة. ومع طول فترات انتظار ورداءة مخرجات، يدفع المواطن ثمنها من ماله وعمره وسلامته.

تسعى هذه الدراسة بإيجاز إلى تفكيك هذه المعادلة المختلّة، ووضع حجر الأساس لتحليلٍ أعمق وأكثر شمولاً.

في الحقيقة لا يمكن تفسير تعثر مشاريع البنية التحتية، وخاصة الطرق، بعامل واحد أو جهة بعينها؛ بل هو نتيجة تفاعل معقد بين عدة أطراف ضمن منظومة تعاقدية وتنفيذية متشابكة. ويقتضي الفهم الدقيق لهذه الإشكالية تعريف هذه الأطراف، وتحديد أدوارها، ثم تحليل مواطن الخلل في أدائها أو في البيئة التي تعمل ضمنها.

قبل الخوض في تحليل أسباب تعثر المشاريع وضعف الجودة، لا بد من التوقف عند نقطة منهجية أساسية: لا يمكن فهم الخلل دون فهم من يُنتج المشروع أصلًا. فالمشروع العمومي ليس كيانًا تقنيًا مجردًا، بل هو نتاج تفاعل بين مجموعة من الأطراف، لكل منها دور محدد ومسؤوليات واضحة ضمن دورة حياة المشروع (cycle de vie du projet / project life cycle).

ومن هنا، فإن أي تشخيص دقيق يقتضي أولًا تفكيك هذه المنظومة إلى مكوناتها الرئيسية (parties prenantes / stakeholders)، وفهم حدود تدخل كل طرف، قبل الانتقال إلى تحليل كيف ولماذا يحدث الخلل. فالأسباب لا تظهر بشكل منفصل، بل تتجسد غالبًا عند نقاط التماس بين هذه الأطراف، حيث تتقاطع القرارات التقنية مع القيود المالية، وتتداخل المسؤوليات مع الضغوط الواقعية.

وبناءً على ذلك، سنقوم أولا بعرض الأطراف الرئيسية في دورة المشروع وتعريف أدوارها:

1
الجهة المالكة (الدولة / صاحب المشروع)

Maître d’ouvrage / Client

وهي الجهة التي تحدد الحاجة إلى المشروع، وتؤمّن التمويل، وتضع الإطار العام (الأهداف، الميزانية، الأولويات). كما تشرف – بشكل مباشر أو غير مباشر – على مختلف مراحل المشروع.

2
مكاتب الدراسات والاستشارات

Bureaux d’études / Engineering & Consulting Firms

تتولى إعداد الدراسات الأولية والتفصيلية (التصاميم، الدراسات الجيوتقنية والهيدرولوجية، دفاتر الشروط)، وتفترض فيها الكفاءة التقنية والاستقلالية المهنية لضمان دقة المعطيات.

3
المقاول (شركة التنفيذ)

Entreprise / Contractor

هو المسؤول عن تنفيذ الأشغال وفق التصاميم والمواصفات التعاقدية، وإدارة الموارد (معدات، يد عاملة، مواد) لتحقيق الجودة والآجال المطلوبة.

4
هيئات الرقابة والإشراف

Bureau de contrôle / Control Bodies

تشمل مكاتب المراقبة أو المهندسين المشرفين، ومهمتهم التأكد من مطابقة الأشغال للمواصفات، وضبط الجودة، والتحقق من الكميات المنجزة.

5
الممولون (إن وجدوا)

Bailleurs de fonds / Funding Institutions

مثل المؤسسات الدولية أو البنوك، وقد يفرضون معايير وإجراءات خاصة تؤثر على طريقة إعداد وتنفيذ المشاريع.

مخطط الأطراف الرئيسية

في ما يلي سنتناول الأسباب بشكل تحليلي ومنهجي، ليس فقط من زاوية كل طرف على حدة، بل أيضًا من خلال فهم كيفية تفاعل هذه الأطراف فيما بينها، وأين تتشكل فعليًا بؤر الخلل، فالهدف ليس سرد الأسباب، بل تفكيكها وربطها بسياقها الحقيقي داخل دورة المشروع:

بؤر الخلل في دورة المشروع

1
تقدير زمني وإنتاجية على الورق

تُبنى البرامج الزمنية على إنتاجيات قديمة للمعدات والسائقين واليد العاملة المؤهلة، لا تعكس واقع الشركات ضعيفة الخبرة ولا ظروف العمل المحلية. ويُفترض إنجاز كميات كبيرة في وقت قياسي بأسطول معدات غير موجود على الأرض، ويدٍ عاملةٍ عالية الكفاءة غير متوفرة فعليًا. فتبدأ الفجوة منذ اليوم الأول: تأخيرٌ متراكم ومطالباتٌ مستمرة.

التقدير الزمني والإنتاجية
2
مواد ومقالع… افتراضات لا تصمد ميدانيًا

الدراسات الجيوتقنية كثيرًا ما تُخطئ في تحديد مواقع وكميات المقالع (تربة أو حجارة). وعند التنفيذ:

– لا تكفي الكميات أو لا تطابق الجودة،
– يُبحث عن مقالع أبعد، فتقفز كلفة النقل،
– ولا تغطي بنود العقد الكلفة الحقيقية للمسافات الجديدة.

ويُضاف إلى ذلك ندرة المواد الصالحة في بعض المناطق، وهو عامل لا يُعطى وزنه في الدراسة الأولية، فتُحلّ المشكلة على حساب الزمن والجودة.

افتراضات المواد والمقالع
3
فجوة زمنية تغيّر المعطيات

الفاصل بين الدراسة الأولية والدراسة التنفيذية يسمح لعوامل الطبيعة أن تعيد تشكيل الموقع:

– زحف الرمال يغيّر المناسيب،
– الأمطار تعيد توزيع التربة ومسارات الجريان.

تبدأ الأشغال على واقع مختلف، فتتوالى أوامر التغيير.

الفجوة الزمنية وتغيّر المعطيات
4
هيدرولوجيا غائبة… ومفاجآت السيول

غياب أو ضعف الدراسة الهيدروليكية يعني جهلًا بمسارات السيول، وحجم تدفقها، ومناطق تجمعها. وأحيانًا تُؤجَّل القرارات إلى موسم الأمطار (فصل لخريف)، الذي قد يكون غير ممثل أو غير معبّر عن المعدل الاعتيادي، فتُصمَّم العبارات والحمايات على أساسٍ مضلّل، فيبدأ تآكل وتهالك الطريق مبكرًا.

الهيدرولوجيا والسيول
5
تغييرات المسار تحت الضغط

تعديلات متكررة على المسار بدوافع سياسية/اجتماعية/اقتصادية تعني إدخال تعديلات على التصميم النهائي أثناء التنفيذ، وهو ما يُسمّى في إدارة المشاريع (Scope Creep). وحدوثه في حد ذاته ليس هو المشكلة، فاستدراك الأخطاء ضرورة، لكن الخطر يكمن في التعديل غير المنضبط وغير المبرر وغير المدروس فنيًا، بل القائم على قرار سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي، وهو ما يسبب غالبًا تأخيرًا وكلفة إضافية، وفقدانًا للاتساق الهندسي.

تغييرات المسار
6
حماية الطريق: بند مُهمَل

غالبًا ما تُقلَّل كلفة وأهمية حماية الطريق ضمن الدراسات والتصاميم، رغم أنها خط الدفاع الأول عن استدامة المشروع. تشمل هذه الحماية مخططات تثبيت الرمال، وحماية المنشآت المائية، وتأمين جسم الطريق نفسه، لكنها تُقدَّر بأقل من اللازم أو تُعالج بشكل سطحي.

النتيجة: طريق يبدو سليمًا عند التسليم، لكنه يدخل سريعًا في حلقة استنزاف مبكرة، تتطلب صيانة متكررة وتكاليف إضافية كان يمكن تفاديها بدراسة وحماية أفضل منذ البداية.

حماية الطريق
7
حلقة التدهور السريع

في مدن مثل نواكشوط، تتفاقم هذه العوامل بفعل خصوصية البيئة المناخية والساحلية.

يبدأ التدهور المبكر للطرق منذ لحظة اتخاذ قرارات غير دقيقة في التصميم واختيار المواد، حيث يؤدي استخدام ركام أو بيتومين غير ملائمين للظروف المحلية إلى تشققات وتموجات وفقدان سريع للتماسك السطحي. وتتفاقم المشكلة عندما لا يُراعى في التصميم تحمل الطريق للأحمال الفعلية أو تأثير المياه والحرارة، فتكون البنية منذ البداية غير مهيأة للصمود.

خلال مرحلة التنفيذ، يؤدي عدم الالتزام بالسماكات المطلوبة وضعف الدمك إلى إضعاف الطبقات، بينما تسهم الرقابة غير الفعالة أو غير المستقلة في تمرير هذه العيوب دون تصحيح. ومع أول تعرض جدي للمياه، نتيجة ضعف أنظمة التصريف أو سوء تقدير المجاري المائية، تبدأ الطبقات في فقدان تماسكها، فتتسارع التشققات والانهيارات.

وتزداد حدة هذا المسار في بيئة ساحلية مثل نواكشوط بسبب عوامل إضافية حاسمة:

– تباين درجات الحرارة بين الليل والنهار، مما يسبب تمددًا وانكماشًا متكررًا يسرّع تشقق الطبقات،
– تربة ذات ملوحة عالية تهاجم طبقات الأساس والمواد الرابطة، وتؤثر على تماسكها واستقرارها،
– رطوبة جوية مرتفعة وهواء بحري محمّل بالأملاح يسرّع من تدهور المواد،
– مستوى مياه جوفية قريب من السطح في بعض المناطق، ما يضعف قدرة التربة على التحمل،
– زحف الرمال والرياح الساحلية التي تغطي سطح الطريق وتؤثر على السلامة وتزيد من تآكل الطبقة السطحية.

ومع غياب الصيانة الوقائية أو تأخرها، تتحول العيوب الصغيرة إلى أضرار هيكلية كبيرة، لتدخل الطريق في حلقة متسارعة من التدهور يصعب إيقافها إلا بتكاليف مرتفعة. وهكذا، تتكامل هذه العوامل لتجعل من الطريق مشروعًا قصير العمر، بدل أن يكون استثمارًا مستدامًا.

حلقة التدهور السريع
8
عامل حاسم غالبًا ما يُتجاهل: “سعر مرجعي” مفروض من تعاقدات مباشرة

اللافت للنظر أن التدخل السنوي عبر تعاقدات مباشرة لتنفيذ طرق حضرية/حسّاسة يُقدَّم حلًّا يهدف إلى تنفيذ مشاريع بكلفة منخفضة، ما يخلق سعرًا مرجعيًا منخفضًا في السوق.

وهذه الأسعار، الناتجة عن ضغط الدولة على شركات عمومية أو شبه عمومية (وأحيانًا خاصة ذات طابع شبه حكومي) لتنفيذ الأعمال بهوامش ربح بالكاد تغطي التكلفة، لا تعكس التكلفة الحقيقية للإنتاج. يترتب على هذا التدخل غير المحسوب العواقب:

– إجبار المقاولين على التسعير ضمن هذا السقف، ولو كان غير واقعي.
– تراجع الجودة لتصبح أول ضحية: عبر تقليص السماكات، أو جودة المواد، أو مستوى الرقابة لتعويض الخسارة.
– عزوف الشركات العالمية التي لا تقبل بمخاطر عالية مقابل هامش ربح ضعيف.

في السابق، كانت الشركات الأجنبية عنصرًا مهمًا في نقل الخبرة ورفع كفاءة الكوادر المحلية وإنتاج طرق بعمر أطول. أما اليوم، فإن وُجدت شركة أجنبية، فغالبًا ما تكون: شركة غير معروفة قليلة الخبرة، أو واجهة لتحالف يكون المنفذ الفعلي فيه محليًا، بينما يُستخدم الشريك الخارجي كغطاء لشهادات الخبرة.

السعر المرجعي
9
طول المقاطع: “مشروع واحد كبير” بدل عدة حزم تنافسية

غالبًا ما تُطرح مشاريع الطرق في موريتانيا على شكل مقاطع طويلة تتجاوز في كثير من الحالات 100 كيلومتر، بدل تجزئتها إلى حزم أصغر.

هذا الحجم، رغم بساطته على الورق، يضع عبئًا تنفيذيًا وتمويليًا كبيرًا على المقاول، ويحدّ من عدد الشركات القادرة على المنافسة، ما يقلل من ديناميكية السوق ويضعف جودة العروض.

عمليًا، أظهرت التجربة أن تدني الجودة وتعثر المشاريع يرتبطان طرديًا بطول المقطع؛ فكلما زاد طول المشروع، تعقّدت إدارة الموارد، وتشتتت فرق العمل، وازدادت صعوبة ضبط الجودة والالتزام بالآجال. كما يدفع هذا الضغط المقاول الرئيسي غالبًا إلى اللجوء للتعاقد من الباطن لتغطية العجز التنفيذي أو المالي.

غير أن التوسع في التعاقد من الباطن يُفرغ منظومة التأهيل من مضمونها، إذ ينتقل التنفيذ إلى أطراف قد لا تمتلك الكفاءة الفنية أو القدرة التنظيمية المطلوبة، فتظهر فجوة واضحة بين من يوقّع العقد ومن ينفّذ فعليًا، ما يضعف الرقابة ويؤثر على الالتزام بالمواصفات.

في المقابل، تُظهر تجارب دول أخرى أن التجزئة الذكية للمشاريع إلى حزم أصغر تخلق منافسة حقيقية، وتُحسن توزيع المخاطر، وتُسرّع وتيرة الإنجاز، كما تتيح إشراك عدد أكبر من الشركات المؤهلة. وغالبًا ما يتم تسقيف الحد الأعلى للمقطع لكل شركة في حدود 30 إلى 40 كيلومترًا، بما يضمن قابلية التنفيذ، ويُحسن التحكم في الجودة والآجال.

وعندما يُفرض سعر غير واقعي، وتُبنى الجداول الزمنية على افتراضات إنتاجية قديمة، دون الاستفادة من دروس المشاريع السابقة، ومع إهمال دراسات المياه والمواد، تصبح النتيجة متوقعة: تأخر في الإنجاز، كلفة نهائية أعلى، وطريق أقصر عمرًا.

طول المقاطع

الحلقة المفرغة والمعادلة المتوازنة

المشكلة ليست في طرف واحد، بل في منظومة إنتاج المشروع ككل.

فالدولة قد تفرض شروطًا غير واقعية، ومكتب الدراسات قد يضع افتراضات غير دقيقة، والمقاول قد يضحي بالجودة تحت ضغط الكلفة، والرقابة قد لا تكون صارمة بما يكفي.

وهنا تتشكل “الحلقة المفرغة”:

الحلقة المفرغة

من الضروري التمييز بين:

– ما هو تقصير فعلي (مسؤولية مباشرة)
– وما هو سلوك مفروض نتيجة بيئة غير متوازنة

فالمقاول الذي يشتغل بسعر غير واقعي، أو مكتب الدراسات الذي يعمل تحت ضغط زمني ومالي، لا يمكن تحميله كامل المسؤولية دون النظر إلى الإطار الذي يعمل داخله.

إن علاج المعادلة المختلّة لا يبدأ من طرف واحد، بل من إعادة ضبط مدخلات المنظومة نفسها. فاعتماد سعر واقعي لا يضمن فقط تغطية الكلفة، بل يعيد جاذبية السوق ويفتح الباب لعودة الشركات العالمية، بما تحمله من معايير جودة وخبرة تنفيذية. هذا الحضور يخلق بيئة تعلم حقيقية، حيث تستفيد الشركات المحلية عبر عقود الباطن، فتتراكم الخبرات وترتفع الكفاءة تدريجيًا.

ومع تحسين جودة الدراسات، تصبح القرارات مبنية على معطيات واقعية (مواد، هيدرولوجيا، إنتاجية)، ما يقلل التعديلات أثناء التنفيذ ويحد من الهدر. أما تجزئة المشاريع إلى حزم أصغر، فتعزز المنافسة وتوزّع المخاطر، وتسمح بدخول عدد أكبر من الشركات المؤهلة، مما يرفع مستوى الالتزام بالجودة والآجال.

وبالتوازي، فإن تعزيز استقلالية وصرامة الرقابة يحول دون تمرير العيوب، ويضمن أن الجودة ليست خيارًا بل شرطًا.

بهذا الترابط، تتحول الحلقة المفرغة إلى “المعادلة المتوازنة”.

المعادلة المتوازنة

Lother King

محرّر في تقدمي

اقرأ أيضاً