🖋️ محمد لغظف محمدالأمين أبتي
الغريب – بل المقلق – في النقاشات الدائرة هذه الأيام حول تأجيل قمة شباب نواكشوط، ليس اختلاف الآراء، فالاختلاف علامة صحة فكرية، وإنما تلك السهولة اللافتة التي يُستدعى بها مفهوم «الآيديولوجيا» وكأنه مفتاحٌ سحريّ يفسّر كل شيء، ويُغني عن كل تفكير، ويُعفي من كل مساءلة.
لقد صار المصطلح يُستخدم بلا تعريف، وبلا تمييز، وبلا حدٍّ فاصل بين التحليل والتخوين، وبين النقد والتجريم، حتى غدا أشبه بتعويذةٍ لغوية تُلقى في وجه الواقع بدل فهمه.
في هذا السياق، جرى الزجّ بالإسلاميين عمومًا، وبالإخوان المسلمين خصوصًا، في قلب الجدل، لا بوصفهم تيارًا فكريًا وتاريخيًا معقّدًا، له تحوّلاته الداخلية، وتناقضاته، وإخفاقاته، بل بوصفهم «كيانًا آيديولوجيًا غامضًا»، حاضرًا في كل فشل، ومسؤولًا عن كل تعطيل، ومتهمًا جاهزًا لكل تأجيل. وهنا تحديدًا تبدأ المشكلة الفكرية، لا السياسية.
إن الآيديولوجيا، كما بيّن كارل مانهايم، ليست مجرد مجموعة أفكار، بل وعيٌ مشروط بموقع اجتماعي وسياسي، بينما يراها بول ريكور بنيةً رمزيةً تُعيد إنتاج السلطة والمعنى معًا. غير أن ما يحدث في خطابنا العام هو إفراغ المفهوم من عمقه، وتحويله إلى أداة تبسيط مخلّ، تُستخدم لا لفهم الواقع، بل للهروب من تعقيده. وهكذا تتحول الآيديولوجيا من أداة تحليل إلى شماعة تفسير، ومن مفهوم نقدي إلى سلاح لغوي.
ومن أكبر الأخطاء الشائعة، لدى العامة وبعض المثقفين على السواء، التعامل مع الإخوان المسلمين ككتلة صمّاء، بلا تاريخ ولا تحوّل، وكأنهم عقل واحد وإرادة واحدة ومشروع واحد ثابت. والحقيقة أن هذا التيار – منذ نشأته – عرف انقسامات حادة بين الدعوي والسياسي، وبين الإصلاحي والحركي، وبين البراغماتي والراديكالي، بل إن أشدّ الانتقادات التي وُجّهت إليه صدرت من داخله لا من خصومه.
فيوسف القرضاوي، في مراجعاته المتأخرة، أقرّ بوضوح أن التنظيم طغى أحيانًا على المقاصد، وأن فقه الدولة الحديثة ظل هشًّا في أدبيات الجماعة. وعبد المنعم أبو الفتوح صرّح بأن أزمة الإخوان ليست في محاصرتهم، بل في عجزهم عن التحول من جماعة أيديولوجية إلى مشروع وطني جامع. حتى سيد قطب – من حيث لا يريد – كشف مأزق الخطاب حين أشار إلى الفجوة بين الشعارات والوعي الاجتماعي الحقيقي.
وجوهر المأخذ على الفكر الإخواني لا يكمن في نياته ولا في خلفيته الدينية، بل في ثلاث إشكالات مركزية: أولها الخلط المزمن بين الدعوي والسياسي، دون حسم العلاقة مع الدولة الحديثة ومؤسساتها. وثانيها تغليب منطق التنظيم والصف على منطق المجتمع والتعدد، وهو ما عبّر عنه مالك بن نبي بدقة حين قال: «حين تتحول الفكرة إلى جهاز، تموت روحها». أما ثالثها فهو فقر الخيال السياسي، إذ نادرًا ما قدّم الإخوان نظرية متكاملة في الحكم أو تصورًا فلسفيًا للدولة، مكتفين بخطاب أخلاقي عام لا يصمد أمام تعقيد الواقع.
غير أن النقد الفكري يفرض علينا قول الحقيقة كاملة: ليس الإخوان سبب كل فشل، ولا الإسلاميون أصل كل أزمة، ولا الآيديولوجيا مفتاح كل تأجيل. تحميل جماعة بعينها مسؤولية الإخفاقات البنيوية هو في حقيقته هروب جماعي من النقد الذاتي، وإعفاء مريح لبقية الفاعلين: الدولة، الإدارة، النخب الثقافية، والثقافة السياسية العامة. وكما نبّه عبد الله العروي، فإن الآيديولوجيا حين تُستخدم لتفسير كل شيء، تتحول إلى عائق عن الفهم لا أداة له.
وانطلاقًا من هذا الفهم، فإن تأجيل قمة شباب نواكشوط – أيًّا كانت خلفياته – ينبغي أن يُقرأ في ضوء ضعف التخطيط، وهشاشة التنسيق، وغياب رؤية شبابية وطنية مستقلة، وارتباك العلاقة بين المبادرات الشبابية والمؤسسات الرسمية، لا عبر اختزاله في سردية آيديولوجية مريحة تُغني عن السؤال الحقيقي: لماذا نفشل في تحويل المبادرات إلى مشاريع مستدامة؟
من رأي الشخصي و موقعي الفكري، أرى أن أخطر ما نواجهه اليوم ليس نفوذ الإخوان، ولا حضور الإسلاميين، بل عجز العقل العام عن التفكير المركّب. نحن نعيش أزمة فهم قبل أن نعيش أزمة تيارات. نُكثر من استعمال المفاهيم، ونُقلّ من مساءلتها. نهاجم الآيديولوجيا، لكننا نفكّر بطريقة آيديولوجية. نرفض الوصاية، ونمارسها لغويًا وأخلاقيًا.
إن المعركة الحقيقية ليست مع الإخوان، ولا مع غيرهم، بل مع نمط تفكير يُحبّ الاتهام أكثر من التحليل، ويأنس بالاختزال أكثر من الفهم، ويستبدل الفكر بالضجيج. وما لم نُنجز هذا التحول في الوعي، فسنظل نُؤجّل القمم، ونُكرّر الأعذار، ونُغيّر الأسماء، بينما الأزمة – في جوهرها – باقية.
فالمشكلة، كما قال محمد عابد الجابري، ليست في التراث ولا في الحداثة، بل في العقل الذي لا يحسن التعامل معهما. وكذلك الشأن هنا: ليست المشكلة في الإخوان وحدهم، بل في عقلٍ سياسيٍّ وثقافيٍّ لم يتعلم بعد كيف يفكّر خارج شماعة الآيديولوجيا.