تخطَّ إلى المحتوى

العقل المجمّد في زمن السيولة: تأملات في غياب الوعي الحضاري ومسؤولية الإنسان الموريتاني في عصر العولمة

admin
4 دقائق قراءة787

“العقل المجمّد في زمن السيولة: تأملات في غياب الوعي الحضاري ومسؤولية الإنسان الموريتاني في عصر العولمة”

 محمد لغظف أبتي

إنّ ما نعيشه اليوم من جمود فكري وعقلي في بلادنا، وسط عالمٍ يتحرّك بسرعة الضوء في مجالات الفكر والعلم والحضارة، ليس مجرد صدفة تاريخية، بل هو نتيجة تراكم طويل من الانفصال بين الإنسان ووعيه، بين الفكرة وفاعليتها، بين العقل وجرأته في مواجهة الواقع. فبينما تتقدّم الحضارة العالمية نحو ما يسميه زيغمونت باومان بـ”الحداثة السائلة”، حيث كل شيء يتبدّل ويتحوّل، نجد أنفسنا غارقين في صلابة فكرية لا تعرف المرونة ولا الشك الخلّاق، بل تكتفي بالتكرار والاجترار. إنّنا نعيش في ما يمكن تسميته بـ”الغياب الواعي”، حيث الحضور الجسدي للإنسان يقابله غيابٌ ذهنيّ وروحيّ عن قضاياه الكبرى.

يعلّمنا علم النفس العصبي أنّ الدماغ الإنساني لا يتوقف عن التشكّل ما دام الإنسان يعيش ويتفاعل؛ فالعصبونات التي لا تُستخدم تموت، والمناطق التي لا تُحفَّز تذبل كما يذبل العضو المهمل. وهذا يفسّر لنا كيف يمكن لمجتمعٍ أن يفقد قدرته على الإبداع حين يتخلّى عن التفكير، وكيف يمكن لأمةٍ أن تذبل روحها الحضارية حين تُعطّل عقول أبنائها بالكسل الذهني والاتّباع الأعمى. نحن نعيش في لحظةٍ يتراجع فيها الحسّ النقدي كما يتراجع الانتماء الوطني، لأن كليهما يحتاج إلى وعي ومسؤولية، وهما غائبان عن معظم الأذهان.

من منظور علم الاجتماع، يمكن القول إنّ المجتمع الموريتاني يعيش أزمة بنيوية في مفهوم “المواطنة”، فالمواطنة ليست انتماءً جغرافياً بل عقداً أخلاقياً وفكرياً بين الفرد والجماعة. غير أنّ هذا العقد قد تمزّق تحت وطأة الولاءات الضيقة، والعادات الاجتماعية التي كبّلت العقل وألغت روح المبادرة. فبدل أن يكون الإنسان كائناً فاعلاً في التاريخ، صار مجرّد مفعولٍ به، يعيش في ظلّ منظوماتٍ ثقافية تعيد إنتاج التخلف باسم “الهوية”، بينما الهوية الحقيقية ـ كما يعبّر عنها بول ريكور ـ هي “هوية سردية” تتشكل في الحوار مع الذات والآخر، لا في تقديس الماضي ولا في إنكار الحاضر.

أمّا على المستوى الفلسفي، فإنّ الجمود الفكري ليس سوى صورةٍ من صور اغتراب الإنسان عن ذاته. فكما قال هيغل، “الروح لا تتقدم إلا حين تصطدم”، ونحن في بلادنا لا نصطدم إلا بأنفسنا، لا لأننا عميقون، بل لأننا نخاف من التغيير. الفكر عندنا لا يزال يعيش في دائرة “الامتثال”، حيث يُقاس الحقّ بما قاله السلف، لا بما يقتضيه العقل والزمان. لقد تحوّل العقل من أداةٍ للفهم إلى أداةٍ للتبرير، ومن مصدرٍ للابتكار إلى جدارٍ للممانعة، حتى صار النقد ـ الذي هو جوهر الوعي ـ يُعدّ خروجاً عن الجماعة، وكأنّ التفكير الحرّ تهمة لا فضيلة.

ويعلّمنا علم الأعصاب أنّ الدماغ البشري حين يواجه بيئة فقيرة بالمحفزات الفكرية والاجتماعية، يدخل في ما يُعرف بـ”حالة الاقتصاد المعرفي”، فيقلّ فيه الإبداع، وتضعف فيه قدرات التحليل، ويصبح أكثر ميلاً إلى التبعية والتكرار. وهذا ما نراه في سلوكنا اليومي، من التعليم إلى السياسة إلى الإعلام؛ كلها آليات تعيد إنتاج النمط نفسه، كآلةٍ مبرمجة على إعادة الماضي بدل اختراع المستقبل. فبدلاً من أن تكون العولمة جسراً للتفاعل الحضاري والتنوير، تحوّلت في واقعنا إلى مرآة نرى فيها ضعفنا، لا لنغيره، بل لنخفيه وراء خطابٍ متكبّر عن الأصالة والخصوصية.

إنّ التراجع الحضاري الذي نعيشه ليس مادياً فقط، بل هو تراجع في معنى الإنسان نفسه. لقد فقدنا “الإنسان المواطن” الذي يعي مسؤوليته الأخلاقية تجاه مجتمعه، وحلّ مكانه “الإنسان المتفرّج”، الذي يرى الانهيار وكأنه فيلم لا يعنيه. وكما قال الفيلسوف الفرنسي إدغار موران، “الأزمة الكبرى في عصرنا ليست أزمة اقتصاد أو سياسة، بل أزمة فكرٍ يعجز عن التفكير في ذاته”. وهذه الأزمة تتجلى عندنا في انعدام القدرة على ربط الأسباب بالنتائج، وعلى إدراك أن الحاضر ما هو إلا نتيجة لتاريخٍ من الخيارات الفردية والجماعية الخاطئة.

ولعلّ أخطر ما في هذا الجمود هو أنّه لا يُشعَر به، إذ يعيش الناس فيه كما يعيش السمك في الماء، دون أن يدرك أنّه محاط بعالمٍ من الركود. إنّنا نحتاج إلى ما يسميه ميشيل فوكو “حفريات الفكر”، أي أن نحفر في أعماق وعينا الجمعي لنكشف الطبقات التي رسّخت الاستسلام والتبرير والرضا بالقليل. نحن بحاجة إلى ثورةٍ عقلية، لا ضدّ الدين، بل ضدّ جهلنا باسم الدين، ضدّ تقديس العادة، وضدّ ثقافة التكرار التي جعلت من العقول سجوناً تحرس ذاتها.

إنّ الحضارة لا تُقاس بما نستهلك من منتجاتها، بل بما نُنتج من فكرٍ يعبّر عنها. وإنّ ارتباطنا الشكلي بالعولمة لا يجعلنا جزءاً من الحضارة، تماماً كما أن حمل الهاتف الذكي لا يجعل المرء مفكّراً. الحضارة فعلُ وعي، والعقل هو نَفَسُها. وإذا كان الغرب قد بلغ ما بلغ لأنه جعل من العقل مرجعيته العليا، فإنّنا تراجعنا لأننا جعلنا من الجمود فضيلةً، ومن السؤال جريمةً.

إنني، وأنا أكتب هذه التأملات، لا أحمّل أحداً ذنب التاريخ، بل أحمّلنا جميعاً مسؤولية الحاضر. فكلّ مواطن يرضى بالركود، يشارك في بناء جدارٍ جديد حول العقل الجمعي، وكلّ مثقفٍ يصمت عن الخرافة، يزرع في الأمة بذرة موتها البطيء. ولعلّ خلاصنا يبدأ من استعادة تلك الشرارة الأولى التي جعلت الإنسان إنساناً: جرأة السؤال، وشجاعة الاعتراف، وصدق المواجهة مع الذات.

ذلك أن الفكر حين يجمد، تتوقف الحضارة عن التنفّس، وحين يغيب الوعي، تموت الأمم واقفة. وما لم نوقظ فينا روح المسؤولية العقلية والمواطنة الفاعلة، سنظلّ نتأرجح بين التبعية والإنكار، نعيش على أطلال حضارةٍ لا نفهمها، ونتباهى بانتماءٍ لا نحقّقه. إنّ الحرية الكبرى ليست حرية الجسد، بل حرية الفكر من الخوف، وحرية العقل من العادة.

فليكن هذا الوعي بداية نهضةٍ جديدة، تبدأ من الذات وتنتشر في الجماعة، لعلّنا نعيد للعقل العربي والموريتاني مكانته في سجلّ الإبداع الإنساني، ونستعيد تلك الحقيقة التي نسيها الجميع: أن الحضارة لا تُستورد، بل تُفكَّر.

محمد لغظف أبتي

admin

محرّر في تقدمي

اقرأ أيضاً