هذا عنوانٌ جميلٌ لنصِ جميلٍ، تعرفنا عليه في السنة السادسة من الابتدائية، بمدرسة “ابير التورس”، صحبة معلمنا آنذاك : الوالد “إبيهْ بن إكَّاهْ”، حفظه الله ورعاهْ …
وقد كان لهذا النص طعمٌ خاص لدى تلاميذ ذلك الجيل، بسبب طابعه السردي المُشوِق، وأسلوبِه الأدبي الرصين، ومُعجمه الثري، علاوة على ما كان يمثله مِن كسرٍ لِرتابة نصوص كتاب “الشامل”، الذي كان هو المقرر الرسمي للقراءة المدرسية في تلك الحقبة …
قضيتُ سنوات وأنا أبحث عن هذا النص في الإنترت، دون جدوى، فلم أستطع العثور عليه إلا قبلَ أيام، بمساعدة أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي، حيث دلّنِي عليه مُختبِئاً بين مجموعة مقالات لصاحب النص، الأديب اللبناني : “عمر الفاخوري”، مجموعةٌ سمّاها “أديب في السوق”.
يتناول النص بكل عفوية احتفالاً صاخباً أقامته أسرة ريفيةٌ أمِيةٌ بمناسبة حصول أحد أبنائها على شهادة الدروس الابتدائية!
” … لقد استيقظ الحي بأسره، وهو يتثاءب متسائلًا: ما الخبر؟ وطفِق هذا السؤال يطير حول منازل الجيران، بين طبقة وطبقة، وصنف وصنف، ونافذة ونافذة، يمينًا ويسارًا، صعودًا وانحدارًا، كأسراب السنونو الحائرة لا تنفأ تبحث عن شيء تتوهمه، عن شيء لا تجده.. ثم تضخم السؤال وتعاظم: كان همهمة، فصار دمدمة. وإذا به أخيرًا ينازع الموسيقى الصاخبة سلطان الأثير. وبغتة تعطل سطوح الدور بنساء ورجال، وازدحم الزقاق الضيق ببنات وصبيان وهم يتطلعون جميعًا إلى حنجرة أي مصطفى، كي يروا الموسيقى ويسمعوا الخبر! … “
ويتمحور النص حول شخصية الخادمة “أميلي”، التي قادها الفضول إلى أن خرجت خفيةً لمعرفة ما يحصل، لترجع بالخبر اليقين، خبرٌ لم يكن يعني أي شيء لتلك الخادمة القروية المسكينة “.
“كذلك في بيتنا، لم تستطع الخادم الصغيرة صبرًا، فلما آنست منا غفلة، انسلت كالشعرة من العجين، مُلبية داعيَ الحي الذي أخذت تتجاوب فيه، هذه المرة، ويا للعجب! أصداء العيد، دون أن يرتدي حلته البهيجة الزَّي الألوان.
وعادت أميلي وفي عينيها الخادمتين بارقة ظفر لم نعهدها فيها من قبل: لقد جاءتنا بالخبر اليقين. وهتفت قائلة: «ابن الجيران أخذ الشهادة!»
ثم ما لبثت أن أعادت هذه الكلمة السحرية: «الشهادة» وقد انطفأ في عينيها بريق الظفر، ولم يبقَ فيهما إلا الرماد من تلك الدهشة الأصيلة في نفسها، المتسائلة عن ذلك الشيء الذي لا تعرفه …”.
يرتبط هذا النص في ذهني بأشياء مختلفة ومبعثرة، منها الحجرة الشرقية من الجناح الجنوبي من مدرسة ابير التورس القديمة، بسقفها العالي، وطاولاتها الخشبية الهزازة، وسبورتها الفسيحة، ومكتب المعلم، ومجسم الكرة الأرضية، والصور الملصقة على الجدران، و”الحَل والناتج والعمليات” …
كما يُذكرني بتلك السنة الفاصلة من نهاية الثمانينات وما ارتبط بها مِن شيخوخة الحرب الباردة، وبدايات المسلسل الانتخابي، والأحداث مع السنغال وما صاحبها من تسفير جماعي في الاتجاهين، والظلال الثقيلة التي كانت يلقي بها برنامج الإصلاح الهيكلي على الحياة الاقتصادية والاجتماعية في البلاد …
كما يُثير في الذاكرة نصوصاً مدرسية أخرى من ذوات الوزن والقافية، في مقدمتها أبيات وجدانية جميلة، تحكي قصة امرأة نجدية تزوجها أحد الأمراء فلم ترق لها حياة القصور، ولم يزل بها الحنين إلى أن رجعت لمضارب قومها وخيام أهلها :
وما ذنبُ أَعرابيَّةٍ قَذَفَت بِها
صُروفُ النَوى مِن حَيثُ لَم تَكُ ظَنَّتِ
تَمَنَّت أَحديثَ الرُّعاةِ وخَيمَةً
بِبَجدٍ فَلَم يُقدَر لَها ما تَمَنَّتِ
إِذا ذَكَرَت ماءَ العُذَيبِ وَطيبَهُ
وَبَردَ حَصاهُ آخِرَ اللَيلِ أَنَّتِ
لَها أَنةٌ عِندَ العِشاءِ وَأَنَّةٌ
سَحيرًا وَلَولا أَنَتاها لَجُنَّتِ
وفي الجانب غير الفصيح، بقيت محفورةً في الذاكرة “محفوظة” فرنسية، كنا نكتبها بالخط العربي، استعانة على حفظها، ونحن أبناء الجيل السابع ممن هبّت عليهم رياح التعريب بما تحمله من نسيم وغبار :
Je voudrais faire des voyages,
Aller très vite, aller très loin.
Je voudrais voir tous les rivages,
Des mers que je ne connais point.
Si j’avais une automobile,
Je roulerais au clair matin
Je roulerais de ville en ville
Jusqu’aux murailles de Pékin.
Je voudrais une paire d’ailes,
Pour m’envoler au ciel profond
Parmi les vives hirondelles,
Qu’on me donne un petit avion!
إنها ذكرياتٌ مدرسية جميلة ،،،
عز الدين بن گراي بن أحمد يور