تخطَّ إلى المحتوى

القمة الروسية الإفريقية الثالثة.. ماذا ربحت إفريقيا من موسكو، وماذا بقي من وعود القمتين السابقتين؟

Elhoussein tourad
17 دقائق قراءة121

لم يعد السؤال الأهم في القمة الروسية الإفريقية الثالثة، المنعقدة في موسكو يومي 28 و29 أكتوبر، هو عدد القادة الذين حضروا أو الاتفاقات التي ستعلن في ختام الاجتماعات، بل ما إذا كانت الشراكة التي بنتها موسكو مع الدول الإفريقية منذ عام 2019 قد تحولت إلى استثمارات منتجة، وفرص عمل، وتكنولوجيا، وتحسن ملموس في الأمن الغذائي والاقتصادي.

تشارك وفود من 48 دولة إفريقية في القمة الحالية، بينها 22 دولة يمثلها رؤساء دول، مقابل 17 رئيسا في قمة سان بطرسبورغ عام 2023، و43 في قمة سوتشي الأولى عام 2019، وفق بيانات نقلتها وكالة إنترفاكس الروسية، ويعكس ارتفاع المشاركة الرئاسية هذه المرة استمرار اهتمام الحكومات الإفريقية بالعلاقة مع موسكو، لكنه لا يشكل في حد ذاته دليلا على نجاحها الاقتصادي.

في خطابه أمام القادة الأفارقة الأربعاء، قدم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بلاده باعتبارها شريكا لا يسعى إلى استغلال الموارد الإفريقية، واتهم قوى غربية باستخدام الديون وشروط التمويل لإبقاء القارة في دائرة التبعية، وقال إن روسيا مستعدة لتوسيع معالجة المواد الخام داخل إفريقيا، ونقل المعرفة الرقمية، وتطوير مشاريع النقل والزراعة، وتوسيع إمدادات الحبوب والأسمدة.

لكن هذه الوعود تعيد إلى الواجهة أسئلة لم تحسمها القمتان السابقتان، لماذا لم يتحقق هدف مضاعفة التجارة إلى 40 مليار دولار؟ وما الذي حدث للمشاريع الاستثمارية التي أعلن عنها في سوتشي وسان بطرسبورغ؟ وهل أدى اتساع التعاون العسكري الروسي في الساحل إلى تحسن مستدام في الأمن؟

تتيح مراجعة البيانات والتقارير المنشورة الإجابة عن جانب مهم من هذه الأسئلة، وتكشف أن العلاقة حققت نتائج ملموسة في بعض المجالات، أبرزها إمدادات الحبوب والتعاون العسكري ومشاريع الطاقة، لكنها لم تحقق بعد تحولا اقتصاديا يوازي حجم الخطاب السياسي، كما تظهر أن بعض المشاريع انتقل إلى التنفيذ، فيما تعثر بعضها الآخر أو لم تتوافر بيانات مستقلة كافية لإثبات دخوله مرحلة التشغيل.

سوتشي 2019.. وعد تجاري لم يتحقق في موعده

انعقدت القمة الروسية الإفريقية الأولى في مدينة سوتشي يومي 23 و24 أكتوبر 2019، في إطار مسعى روسي لإعادة توسيع العلاقات مع القارة بعد سنوات من تراجع الحضور الذي ورثته موسكو عن الاتحاد السوفياتي.

وخرجت القمة بإعلانات واتفاقات في مجالات التجارة والزراعة والطاقة والتعدين والبنية التحتية والتعليم والأمن، وذكرت تقارير لاحقة أن المنتدى شهد توقيع 92 اتفاقا، فيما أعلن بوتين هدفا اقتصاديا واضحا تمثل في مضاعفة التجارة الروسية الإفريقية من نحو 20 مليار دولار إلى 40 مليار دولار خلال خمس سنوات.

كان الهدف قابلا للقياس، ولذلك أصبح من أهم المؤشرات التي يمكن استخدامها لتقييم حصيلة القمة الأولى.

لكن التجارة لم تصل إلى المستوى المعلن، ووفقا للأرقام التي أوردتها وسائل إعلام في تغطية القمة الثالثة، تجاوز حجم المبادلات الروسية الإفريقية 27 مليار دولار في عام 2025، مقارنة بنحو 16,8 مليار دولار في عام 2019، وهذا يعني أن التجارة توسعت، لكنها بقيت أقل من هدف الأربعين مليار دولار الذي وضعته موسكو.

الفارق ليس مجرد تأخر رقمي، فالقمة الأولى قدمت مضاعفة التجارة خلال خمس سنوات باعتبارها هدفا رئيسيا، لكن النتيجة المسجلة بعد سبع سنوات لم تبلغ ذلك المستوى، كما أن ارتفاع قيمة التجارة لا يكشف وحده عن طبيعة المكاسب التي تحققت للدول الإفريقية، لأن الرقم الإجمالي لا يوضح توزيع المبادلات بين البلدان أو حجم الصادرات الإفريقية المصنعة أو الاستثمارات التي نشأت عنها،

وفي تقييم نشره معهد الدراسات الأمنية الإفريقي ISS في سبتمبر 2023، أشار الباحثون إلى أن تعهد عام 2019 بتوسيع التجارة وتنويعها إلى 40 مليار دولار لم يتحقق، وأن المبادلات ظلت تميل لمصلحة روسيا، ودعا التقييم إلى آلية إفريقية لمراقبة تنفيذ نتائج قمم الشراكة، بدلا من الاكتفاء بإعلاناتها،

المغزى أن القمة الأولى نجحت في إعادة العلاقات السياسية إلى الواجهة، لكنها لم تضع، وفق النتائج المنشورة، مسارا كافيا لضمان تنفيذ جميع الوعود الاقتصادية أو لقياس أثرها على الاقتصادات الإفريقية،

مشروع أنغولا.. اتفاق بمليارات الدولارات انتهى قبل الإنتاج

يقدم مشروع الأسمدة الذي أُعلن عنه خلال قمة سوتشي مثالا واضحا على الفارق بين الاتفاق المعلن والاستثمار الذي يصل إلى مرحلة التشغيل،

ففي عام 2019، وقعت شركة «أورالكيم» الروسية مذكرة تفاهم مع مجموعة «أوبايا» الأنغولية لإنشاء مجمع لإنتاج الأمونيا واليوريا في أنغولا، باستثمارات مقدرة بنحو 1,2 إلى 1,3 مليار دولار، وبطاقة إنتاجية مخططة تبلغ 1,2 مليون طن من اليوريا سنويا، وكان مقررا أن يبدأ الإنتاج في عام 2023، بحسب ما نشرته الشركة الروسية بشأن المشروع،

لكن تقريرا نشرته الجزيرة في 28 أكتوبر 2026 أفاد بأن «أورالكيم» تخلت عن المشروع في عام 2023، وهو العام الذي كان مقررا أن يبدأ فيه الإنتاج،

لا يعني هذا المثال أن جميع الاتفاقات الروسية الإفريقية انتهت إلى النتيجة نفسها، لكنه يكشف مشكلة جوهرية في طريقة تقديم نتائج القمم، فالإعلان عن استثمار بمليار دولار لا يعني أن هذا المبلغ ضُخ فعليا، ولا أن المصنع بُني، ولا أن الوظائف المتوقعة نشأت،

وفي حالة المشروع الأنغولي، لا تتعلق المسألة بتأخر التنفيذ فحسب، بل بتخلي الشركة عن المشروع قبل بلوغ مرحلة الإنتاج، وهذا يجعل الاتفاق مثالا على ضرورة تتبع المشاريع بعد الإعلان عنها، ونشر أسباب التعثر، ومدى تأثيره على الدولة المضيفة وخططها الاقتصادية،

سان بطرسبورغ 2023.. الحبوب وصلت، لكن المشكلة أوسع من الشحنات المجانية

انعقدت القمة الروسية الإفريقية الثانية في سان بطرسبورغ يومي 27 و28 يوليو 2023، بعد أشهر من تصاعد التداعيات الاقتصادية للحرب الروسية الأوكرانية، وفي وقت كانت فيه أسعار الغذاء وأمن الإمدادات من أبرز مخاوف عدد من الدول الإفريقية،

وكانت روسيا قد انسحبت قبل القمة بأيام من اتفاق تصدير الحبوب عبر البحر الأسود، الذي أتاح تصدير الحبوب الأوكرانية خلال الحرب، وفي هذا السياق، أعلن بوتين أن بلاده سترسل 200 ألف طن من الحبوب مجانا إلى ست دول إفريقية،

هذه المرة، أمكن تتبع نتيجة محددة، ففي 20 فبراير 2024، نقلت وكالة رويترز عن وزير الزراعة الروسي أن موسكو أكملت تنفيذ التعهد، وأن الشحنات وصلت إلى الدول المستفيدة وفق التوزيع الآتي،

• الصومال: 50 ألف طن،
• جمهورية إفريقيا الوسطى: 50 ألف طن،
• مالي: 25 ألف طن،
• بوركينا فاسو: 25 ألف طن،
• زيمبابوي: 25 ألف طن،
• إريتريا: 25 ألف طن،

وبذلك تحقق التعهد المعلن من حيث الكمية والدول المستفيدة، وهذه نتيجة فعلية ينبغي احتسابها لمصلحة الدول الست، خصوصا أن الشحنات المجانية يمكن أن تخفف جزءا من ضغوط الإمدادات الغذائية،

لكن تقييم النتيجة يحتاج إلى وضعها في سياقها الأوسع، فقد أشار معهد الدراسات الأمنية الإفريقي، في تحليله لقمة 2023، إلى أن كمية الحبوب الموعودة للدول الست كانت محدودة مقارنة بنحو 32,9 مليون طن من الحبوب التي شُحنت إلى وجهات مختلفة في إطار مبادرة البحر الأسود،

ولا تعني المقارنة أن الشحنات المجانية بلا قيمة، بل توضح اختلاف طبيعة الإجراءين، شحنات مساعدات محددة لست دول من جهة، وآلية تجارية أوسع أتاحت تصدير كميات كبيرة من الحبوب من جهة أخرى،

والأهم أن الأمن الغذائي لا يتحقق بالشحنات وحدها، فهو يرتبط كذلك بأسعار الحبوب في الأسواق الدولية، وتكاليف الشحن والتأمين، وتوافر العملات الأجنبية، وقدرة الدول على التخزين والتوزيع، والاستثمار في الزراعة المحلية،

لذلك يمكن القول إن موسكو نفذت وعدا غذائيا محددا أطلقته في قمة 2023، لكن هذا الإنجاز لا يثبت أن القمة أوجدت نظاما مستداما للأمن الغذائي الإفريقي،

161 اتفاقا في 2023.. كم منها تحول إلى مشاريع؟

أعلنت روسيا خلال قمة سان بطرسبورغ عن 161 اتفاقا ووثيقة، وفق ما أوردته الجزيرة في مراجعتها للقمة الثالثة، إلى جانب خطة عمل للتعاون الروسي الإفريقي للفترة 2023-2026،

وشملت الملفات المطروحة التجارة والاستثمار والطاقة والعلوم والتكنولوجيا والأمن والتعليم والتعاون الإنساني، غير أن عدد الاتفاقات لا يكفي وحده للحكم على نتائجها، فمذكرة التفاهم تختلف عن عقد ملزم، والعقد يختلف عن مشروع حصل على التمويل، والمشروع الممول يختلف عن منشأة دخلت التشغيل،

وفي تحليل نشرته مؤسسة تشاتام هاوس في أغسطس 2023 بعنوان «القمة الروسية الإفريقية لم تحقق نتائج ملموسة»، خلص الباحثان أليكس فاينز وتيغيستي أماري إلى أن القادة الأفارقة الذين انتظروا نتائج عملية من برنامج الدعم الذي تحدث عنه بوتين لم يحصلوا على ما كانوا يأملونه، وفق تقييمهما،

وفي المقابل، رأى تحليل معهد الدراسات الأمنية الإفريقي أن القمة أكدت أهمية روسيا في الشؤون الإفريقية، لكنه أشار إلى أن الوعود المعلنة أثارت شكوكا حول ما إذا كانت النوايا ستتحول إلى نتائج تخدم مصالح القارة،

هذه التقييمات لا تثبت أن الاتفاقات الـ161 بقيت كلها دون تنفيذ، ولا تتيح الجزم بأن جميعها فشل، لكنها تظهر أن البيانات المنشورة لا تقدم حصيلة موحدة ومفصلة تسمح بربط عدد الاتفاقات بحجم الاستثمارات المنفذة، أو الوظائف المنشأة، أو العائدات التي دخلت الميزانيات الإفريقية،

وهنا تكمن إحدى الثغرات الأساسية في متابعة قمم الشراكة، لا توجد في المعلومات التي أمكن التحقق منها حصيلة عامة تجمع المشاريع المعلنة، وما حصل منها على تمويل، وما بدأ تنفيذه، وما دخل الإنتاج، وما ألغي أو تعثر،

إن غياب هذه الحصيلة لا يساوي إثبات الفشل، لكنه يمنع اعتبار كثرة الاتفاقات دليلا على النجاح،

التجارة تنمو.. لكن الميزان يميل إلى روسيا

تبدو التجارة أكثر المجالات وضوحا عند مقارنة الأرقام الفعلية بالأهداف السياسية،

ففي عام 2025، بلغ حجم التجارة الروسية الإفريقية نحو 27,1 مليار دولار، وفق بيانات نقلتها الجزيرة عن الأرقام الروسية، وهو مستوى أعلى من عام 2019، لكنه أقل من هدف الأربعين مليار دولار،

وتقدم بيانات عام 2026 صورة أكثر تفصيلا عن اتجاه المبادلات، فبحسب مقال تحليلي نشرته الجزيرة في 28 أكتوبر، بلغت صادرات روسيا إلى إفريقيا 14 مليار دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام، في حين بلغت وارداتها من القارة 3,2 مليار دولار،

وتشير هذه الأرقام إلى فجوة كبيرة بين قيمة ما تبيعه روسيا للدول الإفريقية وما تشتريه منها، وهي لا تعني أن جميع الدول الإفريقية تسجل العجز نفسه، لأن التوزيع يختلف من بلد إلى آخر، لكنها تكشف اختلالا في اتجاه التجارة الإجمالي،

وتساعد صادرات القمح والأسمدة على تفسير جانب من هذه الفجوة، فقد ذكر تقرير الجزيرة أن روسيا شحنت 10,2 مليون طن من القمح إلى إفريقيا خلال النصف الأول من 2026، وكانت مصر أكبر مشترٍ إفريقي للقمح الروسي،

هذه الإمدادات مهمة للدول المستوردة، ولا سيما في ظل حاجتها إلى تأمين الغذاء، لكنها لا تؤدي تلقائيا إلى تطوير الصناعة الإفريقية أو زيادة الصادرات المصنعة،

فإذا توسعت التجارة لأن الدول الإفريقية تستورد مزيدا من الحبوب والأسمدة والمنتجات الروسية، من دون زيادة مقابلة في صادراتها إلى السوق الروسية، فإن قيمة المبادلات الإجمالية قد ترتفع بينما يستمر الاختلال التجاري،

ولهذا فإن التقييم الحقيقي للشراكة لا ينبغي أن يقتصر على السؤال عن حجم التجارة، بل يجب أن يشمل طبيعة السلع المتبادلة، ونسبة المنتجات المصنعة، وفرص دخول الشركات الإفريقية إلى السوق الروسية، وحجم الاستثمارات التي تنشئ طاقة إنتاجية داخل القارة،

الضبعة المصرية.. مشروع فعلي، لكنه ليس محطة دخلت التشغيل

لا تقتصر حصيلة التعاون الروسي الإفريقي على المشاريع المتعثرة أو الوعود غير المكتملة، فهناك مشاريع كبيرة انتقلت إلى مراحل تنفيذ ملموسة، وأبرزها محطة الضبعة النووية في مصر،

وتبني شركة «روساتوم» الروسية أربعة مفاعلات نووية في الموقع المصري، وفي يوليو 2026، أفادت «وورلد نيوكلير نيوز» بتركيب وعاء المفاعل في الوحدة الثانية، بعد تركيب وعاء المفاعل في الوحدة الأولى في وقت سابق، كما نقلت عن الشركة الروسية أن الموقع يشهد أعمال بناء متزامنة في الوحدات الأربع،

وفي سبتمبر 2026، قالت وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة المصرية إن المسؤولين المصريين والروس ناقشوا الاستعدادات لاستقبال الوقود النووي في عام 2027، وتطور أعمال الإنشاء، وتجهيزات ربط الكهرباء المنتجة بالشبكة الوطنية،

وتشير هذه التطورات إلى مشروع دخل مرحلة البناء الفعلي، بخلاف اتفاقات لم تتجاوز الإعلان أو التفاهم الأولي، كما أن المشروع يوفر فرص عمل، إذ ذكرت تقارير مرتبطة بالمشروع أن أكثر من 18 ألف مصري يعملون في موقع الإنشاء.

لكن المحطة لم تكن قد دخلت التشغيل التجاري حتى تاريخ إعداد هذا التقرير، كما أن التمويل جزء أساسي من تقييم المكسب الاقتصادي، إذ تعتمد مصر بدرجة كبيرة على قرض روسي بقيمة 25 مليار دولار لتمويل المشروع، وفق ما أوردته الجزيرة.

ولا يقلل ذلك من أهمية المشروع أو فرصه المستقبلية، لكنه يوضح ضرورة احتساب جانبي المعادلة، الطاقة التي يمكن أن يوفرها المشروع في المستقبل، والالتزامات المالية التي تتحملها الدولة خلال سنوات الإنشاء والسداد.

والنتيجة هنا أكثر تحديدا من الوعود العامة، مشروع قائم، وأعمال بناء موثقة، وعمالة محلية، وجدول زمني معلن، لكنه لم يتحول بعد إلى محطة منتجة للكهرباء، وهذه هي المعايير التي ينبغي تطبيقها على بقية المشاريع التي ستعلن عنها القمة الثالثة.

الطاقة النووية والتعدين.. الاتفاق لا يساوي العائد

تسعى روسيا إلى توسيع حضورها في قطاعات الطاقة والتعدين، مستفيدة من حاجة الدول الإفريقية إلى الكهرباء ومن موارد القارة المعدنية، وتقدم موسكو هذه القطاعات باعتبارها مجالا للتعاون طويل الأجل ونقل التكنولوجيا.

لكن أثر هذه الشراكات يتوقف على الشروط التي تحكمها، ففي الطاقة النووية، تحتاج الدولة المضيفة إلى معرفة تكلفة المشروع الكاملة، وشروط التمويل والسداد، وكلفة الوقود والصيانة، وحجم التدريب ونقل المعرفة، والجدول الزمني للربط بالشبكة.

أما في التعدين، فإن وجود شركة أجنبية في منجم لا يعني بالضرورة أن الدولة المضيفة ستحصل على حصة كبيرة من القيمة الاقتصادية، فذلك يتوقف على نظام الضرائب والإتاوات، ونسبة العمالة المحلية، وحجم المشتريات من الشركات الوطنية، ومدى معالجة الخام داخل البلد قبل تصديره.

وهذا هو جوهر وعد بوتين في قمة موسكو الحالية بتوسيع التصنيع المحلي بدلا من الاكتفاء بشراء المواد الخام، فإذا تحول الوعد إلى مصانع محددة بتمويل واضح ومواعيد تنفيذ، فسيكون تطورا مهما، أما إذا بقي في صورة تصريحات عامة، فلن يكون من الممكن قياس أثره.

والفارق بين المشروعين المصري والأنغولي يوضح المسألة، الأول تقدم إلى مرحلة بناء منشأة كبيرة، بينما انتهى الثاني إلى التخلي عن الاستثمار قبل الإنتاج، ولا يصح جمع الحالتين في حكم واحد على جميع الشراكات، لكنهما تؤكدان أن النتيجة لا تُقاس بقيمة الإعلان الأول.

الأمن في الساحل.. توسع النفوذ لا يساوي نهاية العنف

إذا كان التقدم الاقتصادي الروسي في إفريقيا متفاوتا، فإن الحضور الأمني والعسكري أصبح أحد أكثر أوجه العلاقة وضوحا، خاصة في منطقة الساحل.

فقد عمقت مالي وبوركينا فاسو والنيجر علاقاتها الأمنية مع موسكو بعد تراجع علاقاتها مع شركاء غربيين سابقين، واتسع الحضور الروسي عبر التدريب والتجهيز والدعم العسكري، ثم عبر «فيلق إفريقيا» الذي برز بعد إعادة تنظيم الوجود المرتبط بمجموعة فاغنر.

وتستطيع الحكومات التي تبحث عن شركاء أمنيين أن ترى في موسكو مصدرا إضافيا للسلاح والتدريب والدعم، وأن تعتبر تنويع الشراكات وسيلة لتقليل الاعتماد على طرف واحد.

لكن قياس نتائج التعاون الأمني يحتاج إلى مؤشرات تختلف عن عدد الاتفاقات أو القوات الموجودة، فالسؤال الأساسي هو، هل تراجعت الهجمات المسلحة؟ هل استعاد الجيش السيطرة على المناطق المتضررة؟ هل أصبح السكان أكثر أمنا؟ وهل اكتسبت القوات المحلية قدرة مستدامة على حماية أراضيها؟

لم تقدم القمتان السابقتان دليلا عاما يكفي للقول إن التعاون الروسي أنهى أزمة الأمن في الساحل، ولا يعني ذلك أن كل تعاون أمني لم يحقق أي فائدة، بل يعني أن توسيع الحضور العسكري لا يمكن اعتباره في حد ذاته نتيجة نهائية.

وتزداد أهمية هذا التمييز لأن التعاون الأمني قد يخدم مصالح الحكومات في البقاء ومواجهة خصومها، لكنه لا يضمن وحده بناء مؤسسات أمنية مستقرة أو معالجة الأسباب السياسية والاجتماعية للعنف.

كما أثارت الحرب في أوكرانيا خلافات داخل العلاقات الروسية الإفريقية نفسها، فقد أشار معهد الدراسات الأمنية الإفريقي إلى أن انسحاب روسيا من اتفاق الحبوب كان من العوامل التي أثارت القلق لدى بعض القادة الأفارقة، وأن تداعيات الحرب على أسعار الغذاء والطاقة كانت من القضايا التي حاول القادة طرحها مع بوتين.

ومن ثم فإن مصلحة الدول الإفريقية لا تتمثل في الحصول على السلاح وحده، بل في معرفة ما إذا كان التعاون يؤدي إلى أمن أكثر استدامة، وبأي تكلفة، وتحت أي شروط، وما إذا كان يعزز قدرة المؤسسات الوطنية على العمل بعد انتهاء الاتفاقات أو انسحاب القوات الأجنبية.

ماذا يريد بوتين من إفريقيا؟

لا يمكن فهم القمة باعتبارها مبادرة روسية لمساعدة إفريقيا فقط، فموسكو تسعى إلى تحقيق مصالح اقتصادية وسياسية واستراتيجية واضحة، في وقت تواجه فيه ضغوطا غربية مرتبطة بالحرب في أوكرانيا.

وفي تقرير رويترز عن خطاب بوتين في 28 أكتوبر، ربطت الوكالة القمة بمحاولة موسكو توسيع نفوذها الدولي وموازنة الضغط الغربي، كما تناولت محاولات روسيا توسيع حضور شركاتها في التعدين والطاقة، وتعزيز الروابط السياسية والعسكرية، وتوسيع أسواق منتجاتها الزراعية.

وتحتاج روسيا إلى الأسواق الإفريقية لبيع الحبوب والأسمدة والمنتجات الأخرى، وإلى فرص جديدة في الطاقة والتعدين والبنية التحتية، كما تمثل الدول الإفريقية كتلة مهمة في الأمم المتحدة، وتتيح العلاقات معها لموسكو توسيع اتصالاتها السياسية في وقت تواجه فيه عزلة غربية في ملفات دولية.

وفي المقابل، تحتاج الدول الإفريقية إلى شركاء في الغذاء والطاقة والتكنولوجيا والتدريب والتمويل، ويمكن أن تمنحها العلاقة مع روسيا خيارات إضافية، خصوصا في القطاعات التي تمتلك فيها موسكو خبرة أو قدرة على التوريد.

لكن وجود مصلحة مشتركة لا يعني بالضرورة تساوي المكاسب، فالعلاقة تصبح أكثر فائدة للدول الإفريقية عندما تملك قدرة تفاوضية، وتستند إلى عقود واضحة، وتقارن شروط موسكو بشروط الشركاء الآخرين، وتضمن ألا يؤدي تنويع الشراكات إلى استبدال تبعية بأخرى.

وفي هذا السياق، لا تكفي تصريحات بوتين عن رفض الاستغلال الاستعماري لإثبات طبيعة العلاقة، المعيار العملي هو ما يحصل عليه البلد الإفريقي من المشروع، وما يتحمله من التزامات، وحجم القيمة التي تبقى داخل اقتصاده.

ماذا تحقق حتى الآن، وماذا لم يتحقق؟

تسمح مراجعة ما نشرته وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث بترتيب الحصيلة في ثلاث فئات.

أولا، نتائج موثقة، أُنجز تعهد الحبوب المجانية البالغ 200 ألف طن لست دول إفريقية في 2024، وارتفع حجم التجارة الروسية الإفريقية مقارنة بعام 2019، كما دخلت محطة الضبعة المصرية مرحلة الإنشاء الفعلي، مع تقدم موثق في تركيب مكونات المفاعلات وتدريب الكوادر والاستعدادات للتشغيل مستقبلا.

ثانيا، نتائج جزئية أو غير مكتملة، توسعت العلاقات التجارية والعسكرية والتعليمية والدبلوماسية، لكن أثرها يختلف بين بلد وآخر، ولا تكفي المعلومات المنشورة لإثبات أن هذا التوسع أنتج تحولا اقتصاديا شاملا أو تحسنا أمنيا مستداما في الدول المعنية.

ثالثا، وعود لم تحقق الهدف المعلن أو تعثرت، لم تصل التجارة إلى هدف الأربعين مليار دولار الذي أعلن عام 2019، وتخلى المستثمر الروسي عن مشروع الأسمدة في أنغولا قبل الإنتاج، كما لا تتوافر حصيلة عامة موحدة تثبت القيمة الإجمالية للاستثمارات التي تحولت إلى منشآت عاملة نتيجة القمتين.

ولا يجوز أن تتحول الفئة الثالثة إلى حكم بأن جميع المشاريع الروسية فشلت، كما لا يجوز أن تتحول الفئة الأولى إلى دليل على أن الشراكة نجحت في جميع ملفاتها، المطلوب هو تقييم كل مشروع بحسب مرحلته ونتيجته وشروطه المالية.

قمة موسكو الثالثة.. ما الذي ينبغي مراقبته؟

في القمة الحالية، قال بوتين إن روسيا زودت إفريقيا بنحو 13 مليون طن من المنتجات الزراعية خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، وإنها تزود أكثر من 40 دولة إفريقية بالحبوب والأسمدة، وأبدى استعداد موسكو لتوسيع هذه الإمدادات، كما تحدث عن نحو 40 ألف طالب إفريقي في الجامعات الروسية، وعن توسيع التصنيع المحلي ونقل المعرفة الرقمية.

هذه الأرقام والتصريحات، التي نقلتها رويترز، تقدم مؤشرات على اتساع بعض مجالات التعاون، لكنها لا تكفي وحدها لتقييم أثره، فكمية المنتجات الزراعية لا تعني أن جميعها مساعدات مجانية، وعدد الطلاب لا يبين وحده عدد المنح الممولة أو التخصصات أو نتائج التدريب بعد العودة إلى بلدانهم.

وتشير التغطية المنشورة يوم 28 أكتوبر إلى أن موسكو تتوقع توقيع 33 وثيقة واتفاقا خلال القمة، إلى جانب اعتماد خطة تعاون للفترة 2027-2029 وإعلان بشأن الاستخدام المدني للذكاء الاصطناعي، لكن هذه أرقام ووثائق متوقعة في أثناء انعقاد القمة، ولا ينبغي إدراجها في حصيلة التنفيذ قبل نشر النتائج النهائية وتفاصيل الاتفاقات.

والاختبار الحقيقي لهذه القمة يبدأ بعد انتهاء الاجتماعات، حين تظهر تفاصيل الاتفاقات، أسماء المشاريع والشركات، وقيم التمويل، ومصادر الأموال، والجداول الزمنية، وحصة العمالة المحلية، وشروط السداد، وآليات متابعة التنفيذ.

وإذا أرادت الحكومات الإفريقية تحويل العلاقة إلى مكاسب اقتصادية، فعليها أن تجعل التصنيع المحلي وتوسيع الصادرات الإفريقية ونقل التكنولوجيا أهدافا قابلة للقياس، وأن تطلب نشر بيانات التنفيذ بصورة دورية، كما تحتاج إلى ربط الاتفاقات الجديدة بمؤشرات واضحة، حتى لا تتكرر الفجوة بين عدد الوثائق الموقعة والنتائج الاقتصادية المتحققة.

الخلاصة.. إفريقيا لا تحتاج إلى وعود أكبر، بل إلى نتائج قابلة للقياس

تكشف حصيلة القمتين السابقتين أن روسيا بقيت شريكا مهما لعدد من الدول الإفريقية في الحبوب والأسمدة والطاقة والتعاون العسكري، وأن بعض التعهدات تحولت بالفعل إلى نتائج، كما حدث في شحنات الحبوب المجانية ومشروع الضبعة النووية، لكنها تكشف أيضا أن هدف التجارة البالغ 40 مليار دولار لم يتحقق، وأن مشروعا استثماريا كبيرا في أنغولا انتهى قبل الإنتاج، وأن التوسع في العلاقات السياسية والأمنية لم يقدم وحده دليلا على تحول اقتصادي أو أمني شامل.

ولهذا فإن نجاح القمة الثالثة لن يقاس بعدد الرؤساء الذين حضروا موسكو، ولا بعدد الاتفاقات التي ستعلن في ختامها، بل بما ستضيفه إلى سجل التنفيذ، مصانع تبدأ الإنتاج، ومشاريع تمويلها مضمون، وصادرات إفريقية ذات قيمة مضافة، وفرص عمل، وتكنولوجيا تنتقل إلى المؤسسات المحلية، وشروط تعاقدية تحقق عائدا واضحا للدول المضيفة.

أما إذا انتهت القمة إلى إعلان مجموعة جديدة من الاتفاقات من دون نشر بيانات تنفيذها، فستظل الأسئلة التي رافقت قمتي سوتشي وسان بطرسبورغ قائمة.

فإفريقيا لا ينقصها شركاء دوليون، ولا تحتاج إلى استبدال شريك بآخر بقدر ما تحتاج إلى تحسين شروط التفاوض مع الجميع، والاختبار الحقيقي لموسكو هو أن تثبت أن حديثها عن شراكة متكافئة يمكن أن يظهر في الحسابات الاقتصادية والمشاريع المنجزة، لا في الخطابات وحدها.

Elhoussein tourad

محرّر في تقدمي

اقرأ أيضاً