حذر تقرير صادر عن مركز التحليل التاريخي وأبحاث الصراع التابع للجيش البريطاني (CHACR) اليوم الأربعاء، من اتساع فراغ السلطة في منطقة الساحل، معتبراً أن جماعات مسلحة، في مقدمتها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) المرتبطة بتنظيم القاعدة و«ولاية الساحل» التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية، تتحرك لملء هذا الفراغ مستفيدة من ضعف مؤسسات الدولة وتفاقم ندرة الموارد والتغير المناخي.
وقال التقرير إن مالي وبوركينا فاسو تحتلان، على التوالي، المرتبتين الأولى والثالثة عالمياً من حيث التأثر بالإرهاب، فيما يبلغ عدد سكان منطقة الساحل الأوسع نحو 400 مليون نسمة، مع توقع ارتفاعه إلى أكثر من 500 مليون بحلول 2050، وأضاف التقرير أن نحو 65 بالمئة من السكان تقل أعمارهم عن 25 عاماً، الأمر الذي يزيد الضغط على الموارد المحدودة، خصوصاً في مجتمعات تعتمد بدرجة كبيرة على الزراعة وتتأثر بارتفاع درجات الحرارة واضطراب الأمطار وتغير المواسم.
وبحسب التقرير، فإن طبيعة التهديد الذي تمثله الجماعات المسلحة تغيرت، إذ تجاوزت تكتيكات التمرد التقليدية إلى محاولة إنشاء هياكل حكم موازية في المناطق التي تراجعت فيها سلطة الحكومات المركزية.
ويقدر التقرير أن JNIM و«ولاية الساحل» تقفان وراء أكثر من 60 بالمئة من حوادث انعدام الأمن في وسط الساحل، وتنفذان ما بين 35 و40 هجوماً أسبوعياً، بينما تعملان، وفق التقرير، على استغلال ضعف الخدمات العامة وتسوية النزاعات المحلية وتوفير الغذاء والأمن لكسب نفوذ داخل المجتمعات.
وأشار المركز البريطاني إلى أن الوضع في مالي يعكس هذا التحول، مستشهداً بالهجمات المنسقة التي شهدتها مدن سيفاري وغاو وكيدال وكاتي والعاصمة باماكو في أبريل 2026، والتي شاركت فيها JNIM إلى جانب مقاتلين من جبهة تحرير أزواد. ووصف التقرير مستوى التنسيق في تلك الهجمات بأنه غير مسبوق، مضيفاً أن مقتل وزير الدفاع المالي الجنرال ساديو كامارا في تفجير انتحاري مثّل ضربة لحكومة باماكو وحلفائها الروس.
ويرى التقرير أن التدخل الروسي في الساحل يواجه بدوره قيوداً متزايدة، بعد انتقال شبكة «فاغنر» إلى «فيلق إفريقيا» الخاضع بدرجة أكبر لسيطرة الدولة الروسية، ووفق التحليل، أدى هذا التحول إلى تقليص المرونة العملياتية التي كانت تتمتع بها فاغنر، في وقت تستنزف فيه الحرب في أوكرانيا جزءاً من القوى والمعدات والتمويل الروسي التي كان يمكن توجيهها إلى العمليات الخارجية، ويؤكد التقرير أن موسكو لا تنسحب من الساحل، لكنها تواجه صعوبة متزايدة في احتواء التهديد المسلح.
وفي المقابل، أشار التقرير إلى تزايد الحضور الاقتصادي الصيني في المنطقة، مستشهداً باستثمارات كبيرة في النفط والبنية التحتية والتعدين، وذكر أن الاستثمارات الصينية في حقول النفط وخطوط الأنابيب في النيجر تقترب من 7 مليارات دولار، وأن شركات صينية تسيطر على منجمين كبيرين لليثيوم في مالي، إضافة إلى استثمارات في قطاعي الطاقة والإسمنت في بوركينا فاسو، غير أن التقرير حذر من أن توسع الحضور الصيني جعل العاملين والمنشآت الصينية أهدافاً متزايدة للجماعات المسلحة، مشيراً إلى ارتفاع عمليات خطف الرعايا الأجانب في الساحل خلال 2025.
ويحذر المركز من أن تزامن ضعف الحكومات، وتوسع نشاط الجماعات المسلحة، وضغوط التغير المناخي، والمنافسة على الموارد، وتزايد عدد السكان، قد يدفع منطقة الساحل نحو أزمة إنسانية وأمنية أوسع. ويربط التقرير هذه التطورات بمصالح أوروبا، خصوصاً في مجالات الهجرة غير النظامية والإرهاب والموارد الطبيعية، محذراً من أن توسع نفوذ الجماعات المسلحة في الساحل قد يمنحها عمقاً جغرافياً وقدرة أكبر على التحرك خارج المنطقة.
ويخلص التقرير إلى أن أزمة الساحل لم تعد مجرد صراع على السيطرة العسكرية، بل أصبحت، وفق تحليله، منافسة على الحكم والموارد والنفوذ داخل المجتمعات المحلية، في ظل فراغ مؤسساتي تتنافس على ملئه الجماعات المسلحة وروسيا والصين وحكومات المنطقة، بينما يظل خطر تداعيات الأزمة على دول الجوار وأوروبا قائماً.