تخطَّ إلى المحتوى

الساحل الإفريقي يتحول إلى ساحة صراع روسي أوكراني وتنافس فرنسي على النفوذ

Lother King
3 دقائق قراءة286

تشهد منطقة الساحل الإفريقي في السنوات الأخيرة تحولاً متسارعاً في موازين القوى الدولية، حيث أصبحت ساحة مفتوحة للتنافس بين روسيا وفرنسا، بينما دخلت أوكرانيا على خط الصراع بصورة غير مباشرة في ظل الحرب المستمرة مع موسكو.

وجاء البيان المشترك الصادر في نيامي عقب لقاء وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف مع مسؤولين من مالي والنيجر وبوركينا فاسو، ليكشف حجم هذا التنافس، بعدما اتهم أوكرانيا وفرنسا بالضلوع في هجمات مسلحة استهدفت دول التحالف، وهي اتهامات سارعت باريس وكييف إلى نفيها.

على مدى عقود، ظلت منطقة الساحل مجالاً تقليدياً للنفوذ الفرنسي، خاصة في مستعمراتها السابقة مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو. وقد بررت باريس وجودها العسكري بمحاربة الجماعات المسلحة المرتبطة بتنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية، غير أن تزايد الانتقادات الشعبية لفشل العمليات العسكرية الفرنسية في تحقيق الاستقرار أدى إلى تراجع مكانتها تدريجياً.

في المقابل، استغلت موسكو هذا التراجع لتعزيز حضورها السياسي والعسكري، مقدمة نفسها شريكاً بديلاً لا يربط مساعداته بشروط سياسية أو حقوقية. ومن خلال “فيلق إفريقيا”، الذي حل محل مجموعة فاغنر في عدد من الدول الإفريقية، تمكنت روسيا من ترسيخ نفوذها داخل الأنظمة العسكرية الحاكمة في دول الساحل الثلاث.

ومنذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، سعت كييف إلى توسيع نطاق المواجهة مع موسكو خارج الأراضي الأوروبية. وتتهم روسيا أوكرانيا بمحاولة استهداف مصالحها وشركائها في إفريقيا، خصوصاً بعد تقارير إعلامية تحدثت عن اتصالات بين مسؤولين أوكرانيين وبعض الحركات المسلحة المناهضة للوجود الروسي في مالي.

وبالنسبة لموسكو، فإن أي هجوم تتعرض له قواتها أو حلفاؤها في الساحل يُنظر إليه باعتباره امتداداً للصراع مع أوكرانيا والغرب. لذلك تحرص الدبلوماسية الروسية على ربط التهديدات الأمنية في الساحل بما تسميه “التدخلات الخارجية”، في محاولة لتبرير توسيع حضورها العسكري وتعزيز تحالفاتها الإفريقية.

وتجد فرنسا نفسها اليوم في موقف دفاعي داخل الساحل الإفريقي، بعدما اضطرت قواتها إلى الانسحاب من مالي ثم بوركينا فاسو والنيجر، وسط تصاعد الخطاب المعادي لها واتهامها بالمسؤولية عن استمرار الأزمات الأمنية والاقتصادية.

ورغم تراجع وجودها العسكري المباشر، لا تزال باريس تحتفظ بمصالح استراتيجية كبيرة في المنطقة، سواء على مستوى الموارد الطبيعية أو الأمن والهجرة. وترى الأنظمة الحاكمة في دول الساحل أن فرنسا ما تزال تسعى للحفاظ على نفوذها عبر أدوات سياسية ودبلوماسية وإعلامية، بينما تنفي باريس تلك الاتهامات وتؤكد دعمها لاستقرار المنطقة.

وتُطرح الاتهامات الموجهة إلى فرنسا وأوكرانيا غالباً في سياق التوترات السياسية والعسكرية، دون تقديم أدلة علنية قاطعة، ويعود ذلك إلى عدة أسباب، من بينها رغبة دول الساحل وروسيا في توحيد الجبهة الداخلية ضد “عدو خارجي” مشترك، واستخدام الاتهامات كأداة في الحرب الإعلامية والدبلوماسية بين موسكو والغرب، إضافة إلى صعوبة التحقق من طبيعة العلاقات بين القوى الخارجية والجماعات المسلحة الناشطة في المناطق الصحراوية النائية.

وفي المقابل، تستفيد فرنسا وأوكرانيا من غياب الأدلة المعلنة لنفي هذه الاتهامات، واعتبارها جزءاً من الدعاية السياسية الروسية.

ومن المرجح أن تستمر منطقة الساحل في لعب دور متزايد ضمن الصراع الجيوسياسي العالمي. فروسيا تنظر إليها باعتبارها بوابة لتعزيز نفوذها في إفريقيا ومواجهة الغرب، بينما تسعى فرنسا إلى منع خسارة نفوذها التاريخي بشكل كامل.

أما أوكرانيا، فترى أن أي إضعاف للوجود الروسي خارج أوروبا يمثل مكسباً استراتيجياً في معركتها مع موسكو.

وفي ظل استمرار نشاط الجماعات المسلحة وتفاقم الأزمات الاقتصادية والأمنية، تبدو دول الساحل أمام تحدٍ معقد؛ فبينما تستفيد من التنافس الدولي للحصول على الدعم العسكري والسياسي، فإنها تخاطر في المقابل بالتحول إلى ساحة مواجهة غير مباشرة بين قوى دولية متنافسة، ما قد يطيل أمد عدم الاستقرار في واحدة من أكثر مناطق العالم هشاشة.

Lother King

محرّر في تقدمي

اقرأ أيضاً