تخطَّ إلى المحتوى

الأنصاري: أزمة مالي مرشحة لتسويات سياسة

Lother King
4 دقائق قراءة93

قال الخبير في الشؤون المغاربية والساحل، أبو بكر الأنصاري، إن مالي تمر بإحدى أكثر المراحل تعقيدًا في تاريخها الحديث، معتبرًا أنها انتقلت من دائرة النفوذ الفرنسي إلى النفوذ الروسي، وهو تحول يرى أنه أوجد تحديات سياسية وأمنية جديدة بدلًا من معالجة الأزمة القائمة.

وأوضح الأنصاري، خلال مقابلة مع قناة TTV مساء الاثنين، أن الوجود الروسي في مالي أصبح، بحسب تقديره، عاملًا إضافيًا في تعقيد المشهد الداخلي، مشيرًا إلى أن موسكو لم تقدم حلولًا فعلية للأزمة المالية، وأن حضورها ارتبط بتداعيات أمنية وسياسية جديدة.

وأضاف أن الأشهر الأخيرة شهدت تصاعدًا في الهجمات المتزامنة بمناطق مختلفة من البلاد، وذلك بعد الهزيمة التي تعرض لها الفيلق الإفريقي، المعروف سابقًا باسم قوات فاغنر، في منطقة تنزاواتين عام 2024، معتبرًا أن تلك الهزيمة شكلت نقطة تحول في المشهد الأمني وأثرت في صورة الوجود الروسي بمنطقة الساحل.

وأشار إلى أن طبيعة التحديات الأمنية في مالي تغيرت مقارنة بالسنوات الماضية، موضحًا أن البلاد كانت تواجه سابقًا الحركات الأزوادية والجماعات الجهادية، إلا أن دخول القوات الروسية إلى المشهد، وفق رأيه، نقل الصراع إلى مرحلة أكثر تعقيدًا.

وقال الأنصاري إن ممارسات القوات الروسية على الأرض ساهمت، بحسب تقديره، في زيادة التعاطف مع بعض الجماعات المسلحة، كما أدت إلى تقارب ميداني بين عدد من الحركات الأزوادية والجهادية، بعد سنوات من التوتر والعداء بين هذه الأطراف.

وأوضح أن الجماعات الجهادية كانت في مواجهة مباشرة مع الحركات الأزوادية منذ أحداث عام 2012، إلا أن التطورات الأخيرة دفعت الطرفين إلى الالتقاء ميدانيًا في مواجهة خصم مشترك، مؤكدًا أن هذا التقارب لا يعكس بالضرورة توافقًا فكريًا أو تحالفًا استراتيجيًا دائمًا.

وفي ما يتعلق بالسياسة الخارجية لمالي، قال الأنصاري إن البلاد كانت جزءًا من المنظومة الغربية، ولا سيما فرنسا والمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، قبل أن تعيد توجيه علاقاتها نحو روسيا، وهو ما أدى، بحسب رأيه، إلى فقدانها جانبًا من الدعم والتحالفات التي كانت تتمتع بها.

وأضاف أن مالي دخلت في توازنات دولية تتجاوز قدراتها، معتبرًا أن خيار الارتهان لروسيا جاء في إطار السعي إلى التخلص من النفوذ الفرنسي، لكنه أفضى، وفق تعبيره، إلى نتائج معاكسة لما كان مأمولًا.

وأشار إلى أن العلاقة مع موسكو لم تحقق المكاسب التي كانت تتطلع إليها السلطات المالية، مضيفًا أن القوات الروسية لا تتعامل، بحسب تقديره، مع الجيش المالي كشريك متكافئ، وأن الجنود الماليين يتحملون العبء الأكبر في العمليات العسكرية والمواجهات الميدانية.

وعلى الصعيد الإقليمي، رأى الأنصاري أن مالي كانت تحافظ سابقًا على توازن في علاقاتها مع الجزائر والمغرب، إلا أنها اتجهت لاحقًا إلى اصطفافات جديدة انعكست على علاقاتها مع محيطها الإقليمي.

وأضاف أن استمرار الوجود الروسي في منطقة الساحل قد يحولها إلى ساحة تنافس بين روسيا والدول الغربية، محذرًا من أن شعوب المنطقة لا ترغب في أن تصبح أراضيها مسرحًا لصراعات القوى الدولية.

وأكد أن الأوضاع الأمنية في دول الساحل مترابطة، وأن أي تطور تشهده إحدى دول المنطقة ينعكس بصورة مباشرة على بقية الدول، بفعل الامتداد الجغرافي والروابط القبلية والاجتماعية بين شعوبها.

ودعا الأنصاري السلطات المالية إلى العودة إلى خيار الحوار والتفاوض واعتماد الحلول السياسية، معتبرًا أن التسويات السلمية تمثل المسار الأكثر واقعية لتجنب مزيد من التصعيد.

وفي حديثه عن مستقبل الجماعات المسلحة، أوضح أن حركة تحرير أزواد انطلقت في الأساس بمشروع ذي طابع وطني، في حين تبنت الجماعات الجهادية مشروعًا مختلفًا يقوم على إقامة نظام ديني، وهو ما شكل نقطة اختلاف جوهرية بين الطرفين.

وأضاف أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وسعت نفوذها في مناطق متعددة من مالي، بينما ظل حضور الحركة الوطنية الأزوادية متركزًا بصورة رئيسية في شمال البلاد، مشيرًا إلى أن المجتمع المالي يضع استعادة الاستقرار في مقدمة أولوياته قبل أي مشاريع ذات طابع أيديولوجي.

وفي ما يتعلق بإمكانية تحول الأزمة المالية إلى نموذج مشابه للأزمة السورية، استبعد الأنصاري هذا السيناريو في الوقت الراهن، موضحًا أن الظروف السياسية والإقليمية والدولية المحيطة بالبلدين تختلف بصورة كبيرة، وأن الأزمة السورية ارتبطت بتوازنات وتحالفات لا تنطبق على الحالة المالية.

لكنه أشار إلى أن أي تغير في مواقف القوى الخارجية، ولا سيما روسيا وتركيا، قد يقود إلى تحولات سياسية في مالي ويفتح الباب أمام تسويات جديدة خلال المرحلة المقبلة.

ورجح الأنصاري أن يكون من بين السيناريوهات المطروحة مستقبلًا إعادة هيكلة الدولة المالية وفق نموذج فيدرالي يضم ثلاثة أقاليم هي: إقليم أزواد، وإقليم ماسينا، ومنطقة مالي الجنوبية، معتبرًا أن هذا الطرح قد يشكل أحد الخيارات التي يمكن أن تندرج ضمن أي تسوية سياسية مستقبلية للأزمة.

Lother King

محرّر في تقدمي

اقرأ أيضاً