تخطَّ إلى المحتوى

سياسة المحروقات والتوازن الماكرو اقتصادي: قراءة متقاطعة بين المالية والطاقة والتسيير العمومي

Lother King
3 دقائق قراءة624

مع كامل الاحترام الذي أكنّه لمعالي وزير المالية السابق، السيد سيد أحمد ولد أبوه، أرى أن هذا النقاش يكتسي أهمية خاصة، لأنه يلامس ثلاثة أبعاد أساسية: توازن المالية العمومية، والتحكم في التضخم، وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.

وعلى المستوى الشخصي، تستند قراءتي لهذا الموضوع إلى أكثر من عشرين سنة من الخبرة كمستشار مالي داخل مؤسسة مالية في كندا، حيث أتيحت لي فرصة مواكبة الأفراد ورواد الأعمال والمستثمرين في بيئات اقتصادية اتسمت بدورات تضخمية، وارتفاع أسعار الفائدة، وتقلبات أسواق الطاقة، وفترات من عدم اليقين الاقتصادي. وقد علمتني هذه التجربة أن فعالية أي سياسة اقتصادية لا يمكن تقييمها فقط من خلال آثارها الفورية، بل يجب أن تُقاس كذلك على ضوء انعكاساتها المتوسطة والطويلة الأجل على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

كما أن مساري الأكاديمي يدفعني إلى تناول هذه المسألة من زاوية متعددة التخصصات. فأنا حاصل على تكوين في مرحلة الدراسات العليا في مجال الحراريات وأنظمة الطاقة من جامعة إيفري بفرنسا، وهو ما مكنني من اكتساب فهم معمق لآليات إنتاج الطاقة وتخزينها ونقلها واستهلاكها. كما تابعت تكوينًا في مراقبة التسيير بالمدرسة العليا للتجارة في بريست، مما منحني الأدوات اللازمة لتحليل كفاءة تخصيص الموارد، والتحكم في التكاليف، وتقييم أداء السياسات العمومية والاستثمارات.

وفي ضوء هذه الخبرة المزدوجة في المالية والطاقة، لا جدال في أن رفع أسعار المحروقات يخلّف أثرًا تضخميًا على المدى القصير. ففي اقتصاد مثل الاقتصاد الموريتاني، حيث تؤثر تكاليف النقل مباشرة على أسعار المواد الغذائية ومواد البناء والعديد من السلع الاستهلاكية، فإن أي زيادة في سعر الوقود تنتقل بسرعة إلى مجمل السلسلة الاقتصادية.

غير أنه سيكون من الاختزال حصر النقاش في مسألة ارتفاع الأسعار وحدها. فالسؤال الحقيقي يتعلق بالكلفة الإجمالية لمختلف الخيارات المتاحة أمام الدولة. إن الإبقاء على دعم عام وشامل للمحروقات قد يحمي المستهلكين مؤقتًا، لكنه قد يترتب عليه أيضًا أعباء مالية كبيرة على الميزانية، ويقلص هوامش المناورة المالية للدولة، ويؤخر بعض الاستثمارات الهيكلية الضرورية للتنمية الاقتصادية.

كما أرى أن الملاحظة المتعلقة بضرورة الانسجام بين السياسة المالية والسياسة النقدية تستحق اهتمامًا خاصًا. ففي جميع الاقتصادات الحديثة، تتطلب مكافحة التضخم تنسيقًا وثيقًا بين السلطات المالية والبنك المركزي. فعندما يقوم البنك المركزي برفع أسعار الفائدة لاحتواء الضغوط التضخمية، ينبغي أن تُصمم القرارات الحكومية بطريقة لا تؤدي إلى إبطال الآثار المرجوة من هذه السياسة.

ومن الناحية الطاقوية، فإن مسألة القدرة الوطنية على تخزين المنتجات النفطية تُعد قضية استراتيجية. وانطلاقًا من تجربتي في مجال أنظمة الطاقة، أرى أن الأمن الطاقوي لأي بلد لا يعتمد فقط على السعر الدولي للنفط، بل يعتمد كذلك على قدرته على استباق تقلبات السوق، وإدارة احتياطاته، وتحسين لوجستيته الطاقوية. فالبنى التحتية للتخزين تمثل أداة من أدوات السيادة الاقتصادية، بقدر ما هي وسيلة لتحقيق استقرار الأسعار.

وفي تقديري، فإن المسار الأكثر ملاءمة يتمثل في البحث عن توازن بين الصرامة المالية والحماية الاجتماعية. ويمكن أن يتحقق ذلك من خلال:

توجيه آليات الدعم بصورة أدق نحو الأسر الأكثر هشاشة؛

إجراء مراجعة معمقة للنفقات العمومية لتحديد هوامش الترشيد والتحسين؛

تعزيز البنى التحتية الطاقوية وقدرات التخزين الاستراتيجي؛

دعم القطاعات الإنتاجية للحد من انتقال ارتفاع التكاليف إلى مجمل الاقتصاد؛

تحسين التنسيق بين السياسة المالية والسياسة النقدية والاستراتيجية الوطنية للطاقة.

وبعد أكثر من عشرين سنة قضيتها في تقديم الاستشارات للعملاء داخل القطاع المالي الكندي، وبالنظر إلى تكويني في أنظمة الطاقة ومراقبة التسيير، فإنني مقتنع بأن السياسة الاقتصادية المستدامة لا تختزل في خفض النفقات، ولا في التوسع في الدعم. بل تقوم قبل كل شيء على رؤية منسجمة، وتسيير صارم للموارد العمومية، وقدرة على التوفيق بين الاستقرار الماكرو اقتصادي، والتنافسية الاقتصادية، والحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين.

وتتوفر موريتانيا اليوم على مؤهلات معتبرة، لا سيما في ظل الآفاق التي تتيحها مواردها الطاقوية والمعدنية. ويتمثل التحدي الحقيقي في تحويل هذه المؤهلات إلى نمو مستدام وشامل وقادر على الصمود أمام الصدمات الخارجية. ومن هذه الزاوية الاستراتيجية ينبغي مقاربة النقاش الدائر اليوم.

محمد ولد كازا 

خبير في المالية والطاقة

Lother King

محرّر في تقدمي

اقرأ أيضاً