إسحاق عبدالرحمن
صحفي تشادي مهتم بالشأن الافريقي
شهدت سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه دول كونفدرالية الساحل الجديد تحولاً ملحوظاً منذ تعيين نيك تشيكر على رأس مكتب الشؤون الأفريقية بوزارة الخارجية الامريكية في يناير الماضي والذي قام بجولة تفقدية لدول الساحل شملت مالي والنيجر وبوركينا فاسو.
وتعتبر هذه الخطوة الأولى من نوعها لمسؤول أمريكي بهذا المستوى منذ سلسلة الانقلابات العسكرية التي شهدتها المنطقة بين 2020 و2023.
ووفقًا لتقديرات وتحليلات نشرها موقع “ريسبونسبل ستيت كرافت” تشهد المرحلة الحالية نشاطًا دبلوماسيًا مكثفًا لوزارة الخارجية الأمريكية تجاه دول الساحل الثلاث.
وتعكس هذه السياسة الجديدة لواشنطن تطبيقا لمقاربتها المعروفة بالعصى والجزرة والتي تعتمد فيها على الضغط وتقديم الحوافز في آن واحد وقد لاحظنا كيف مارست الولايات المتحدة منذ موجة الانقلابات التي شهدتها منطقة الساحل سياسة ضغط حادة تمثلت في تجميد بعض برامج المساعدات بما في ذلك المعونات المخصصة للتعليم العسكري الدولي وبرامج مكافحة الإرهاب إضافة إلى فرض عقوبات على عدد من القادة العسكريين، وهو ما أسهم في توتر العلاقات وازدياد حدة العداء تجاهها من قبل السلطات العسكرية في هذه الدول لتتراجع مؤخراً في سياسة جديدة تمثلت في حوافز المساعدات الاقتصادية والتعاون الأمني أو دعم سياسي ودولي.
وقد برزت ملامح هذه السياسة واضحة في تصريحات نيك تشيكر لوسائل إعلام عالمية بعد جولته الأخيرة إلى هذه الدول حيث صرح بأن الولايات المتحدة بحاجة إلى “التعامل مع العالم كما هو” ويجب ألا يكون لديها أي أوهام بأنها تستطيع “فرض إرادتها” وخلق الديمقراطيات.
مالي بوابة واشنطن للعودة إلى المنطقة:
شهدت العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية ودول الساحل الجديد توترًا متفاوتًا بسبب الانقلابات العسكرية والتحولات السياسية في المنطقة.
وتُعد مالي الأكثر توترًا في علاقاتها مع واشنطن نتيجة توجه السلطات العسكرية في مالي بسرعة إلى تقليص التعاون مع واشنطن وشركائها الغربيين وتراجع التعاون الأمني والتقرب مع أطراف خصوصاً مع روسيا.
وفي إطار مراجعة سياستها تجاه المنطقة سعت واشنطن إلى إعادة فتح قنوات تواصل مع مالي بإعتبارها بوابة للعودة تدريجياً إلى هذه الدول الثلاث وقد لعبت دولة توغو دوراً محورياً في تقريب وجهات النظر بين البلدين وتخفيف التوتر بينهما.
وبناءً على ذلك فقد أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية في شهر مارس الماضي رفع العقوبات عن عدد من كبار المسؤولين في مالي بينهم وزير الدفاع ساديو كامارا وضباط بارزون بعد أن كانوا قد وضعوا على القائمة السوداء بسبب اتهامات بارتباطهم بشبكة فاغنر الروسية.
وجاء القرار وفق إشعار صادر عن وزارة الخزانة الأميركية دون تقديم مبررات تفصيلية لكنه بحسب مراقبين يُقرأ في سياق مراجعة واشنطن لسياساتها في القارة الأفريقية ولا سيما في منطقة الساحل التي تشهد تنافسا جيوسياسيا متصاعدا.
كما سبقت هذه الخطوة زيارة نيك تشيكر إلى العاصمة المالية باماكو حيث التقى بكبار المسؤولين في مالي نقل لهم استعداد واشطن لإعادة الانخراط في ملفات مثل مكافحة الإرهاب في المنطقة في إشارة واضحة إلى أن واشنطن تريد العودة للحوار المباشر مع باماكو بدل الاكتفاء بالمواقف من الخارج.
وقد ذكرت تقارير إعلامية في وقت سابق بأن الولايات المتحدة الأمريكية تقترب من الاتفاق مع مالي للسماح للطائرات الأمريكية باستئناف طلعات جوية لجمع المعلومات الاستخباراتية فوق البلاد.
وحسب ما نقلت بعض وسائل الإعلام عن مسؤولين أمريكيين فإن الاتفاق إذا ما تم التوصل إليه فسيُعد خطوة كبيرة في جهود واشنطن لإعادة بناء التعاون الأمني مع باماكو بعد سنوات من التوتر في العلاقات.
النيجر الحليف الأبرز لواشنطن في المنطقة:
شهدت السنوات الأخيرة تطورات سريعة في العلاقات بين النيجر والايات المتحدة الأمريكية خاصة في المجال الأمني فقد وٌقعت اتفاقية عسكرية بين البلدين في العام 2012 لإنشاء قاعدة جوية أمريكية في البلاد بتكلفة بلغت نحو 100 مليون دولار وتم إفتتاحه في العام 2016 إلى جانب ذلك توجد القاعدة الجوية 101 بالقرب من العاصمة نيامي وهي قاعدة مُشتركة تٌدار عمليًا بين النيجر والولايات المتحدة لدعم العمليات الأمنية والإستخباراتية في المنطقة.
وتكمن أهمية النيجر بالنسبة للولايات المتحدة في أنها أصبحت مركزاً لعملياتها الإقليمية لمواجهة الجماعات المسلحة في المنطقة بعد موجة الانقلابات العسكرية التي شهدتها كل من مالي وبوركينا فاسو في عامي 2021 و2022.
وكانت الولايات المتحدة قد اعتمدت بشكل رئيسي في عملياتها الأمنية في منطقة الساحل وغرب أفريقيا على قاعدتين للطائرات بدون طيار في وسط وجنوب النيجر حيث شكلتا هذه القواعد جزءاً أساسيا من الجهود الأمريكية لمواجهة الجماعات المسلحة في المنطقة.
وبفضل هذا التعاون كانت النيجر تُعد من أبرز شركاء واشنطن في غرب أفريقيا خلال تلك الفترة قبل أن تتوتر العلاقات لاحقاً بسبب الانقلاب العسكري الذي وقع في النيجر في يوليو 2023 والذي أطاح بالرئيس السابق محمد بازوم وصعود الجنرال عبدالرحمن تياني ضمن مجلس عسكري انتقالي تحت مسمى المجلس الوطني لحماية الوطن.
أدانت الولايات المتحدة الإنقلاب الذي حدث بشدة في بدايته وطالبت بالعودة إلى المسار الديمقراطي وإطلاق سراح الرئيس المنتخب، مما أدى إلى تصاعد الخلاف بينها وبين السلطات الانتقالية.
وفي مارس 2024 ألغت النيجر الاتفاقات العسكرية مع واشنطن بسبب ما اعتبرته ضغوطاً وتهديدات من مسؤولين أمريكيين مستغلة الوجود الروسي في البلاد لطرد القوات الأمريكية من البلاد والتي كان يبلغ عددها نحو ألف جندي.
أدركت واشنطن بعد ذلك لجدية الموقف فعلمت على تخفيف التوتر بينهما وذلك بزيارة مساعدة وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الإفريقية مولي فيي في ديسمبر من العام نفسه حيث التقت بكبار المسؤولين هناك وقدمت مقترحات للتعاون والتنسيق مقابل إنهاء المرحلة الانتقالية في وقت محدد والإفراج عن الرئيس بازوم.
كما زار قائد القيادة الخاصة للقوات الأمريكية في أفريقيا الفريق كلود تيودورو العاصمة نيامي في سبتمبر 2025 لبحث سبل تعزيز التعاون الأمني بين البلدين بعد انسحاب القوات الأمريكية منها.
كما حافظت واشنطن على جزء من حضورها رغم هذه التوترات لا سيما على الصعيد الاقتصادي في البلاد إذ لا تزال بعض الشركات والمصالح المرتبطة بها تعمل داخل النيجر مثل شركة “غلوبال أتوميك” الكندية لتعدين اليورانيوم بتمويل أمريكي إلى جانب شركة “ستارلينك” أو “إيه تي سي نيجر” التي تدير أبراج الاتصالات الفضائية.
وفي الوقت الراهن تحاول واشنطن استعادة نفوذها السابق عبر مبادرات وبرامج جديدة من بينها برنامج نيك تشيكر حيث كانت النيجر المحطة الثالثة للمسؤول الأمريكي ضمن جولته الأخيرة في إطار هذا التوجه.
بوركينا فاسو: تعاون محدود ومسار عودة أسهل:
لم تكن علاقات التعاون الأمني بين الولايات المتحدة الأمريكية وبوركينا فاسو بنفس قوة وعمق علاقاتها مع النيجر أو مالي إذ ظل هذا التعاون محدودًا بين البلدين ولم يصل إلى مستوى إنشاء قواعد عسكرية أو وجود عسكري واسع مقتصرا في معظمه على الدعم اللوجستي والتدريب في إطار مكافحة الجماعات المسلحة في منطقة الساحل.
لكن التحول الأبرز جاء بعد الانقلابات العسكرية التي شهدتها البلاد خلال عام 2022 وصعود الكابتن إبراهيم تراوري إلى السلطة وهو ما أدى إلى توتر العلاقات مع واشنطن التي سارعت إلى إدانة هذه التطورات والدعوة إلى العودة إلى المسار الدستوري.
في أعقاب ذلك تراجع مستوى التعاون بين الطرفين حيث قلّصت الولايات المتحدة من انخراطها الأمني في وقت اتجهت فيه السلطات الانتقالية نحو تنويع شراكاتها الدولية وخاصة مع روسيا وإيران الأمر الذي زاد من حدة الفجوة بين الجانبين.
ورغم هذه التوترات لم تنقطع التحركات الدبلوماسية الأمريكية إذ سعت واشنطن إلى الحفاظ على حد أدنى من التواصل ففي العام الماضي 2025 زار وفد من الكونغرس الأمريكي العاصمة واغادوغو في أول دخول لهم إلى البلاد منذ الانقلابات العسكرية التي شهدتها البلاد داعين إلى تبني سياسة اقتصادية وأمنية براغماتية تجاه بوركينا فاسو وكذلك تجاه منطقة الساحل بشكل عام.
كما قام عدد من كبار المسؤولين الأمريكيين بزيارات
ضمن جولات إقليمية شملت البلاد حيث ناقشوا مع المسؤولين في واغادوغو سبل إعادة تنشيط التعاون والتنسيق بين الجانبين في محاولة لاحتواء التوتر القائم ومنع تدهور العلاقات بشكل أكبر.
كما كان لبوركينا فاسو النصيب من محولات واشنطن الأخيرة إلى إعادة بناء قنواتها في الساحل تدريجيًا عبر مبادرات وبرامج إقليمية إلا أن مستوى التعاون لا يزال محدودًا في ظل تمسك السلطة الانتقالية بخياراتها السياسية والأمنية الجديدة واستمرار حالة الحذر في العلاقة بين الطرفين.
تأتي السياسة الأمريكية الجديدة تجاه دول الساحل في وقت تنشغل فيه الولايات المتحدة الأمريكية بتحديات متصاعدة في الشرق الأوسط خاصة في ظل حربها مع إيران وهو ما يفرض عليها إعادة ترتيب أولوياتها الخارجية دون التخلي عن مناطق النفوذ الحيوية.
ويرى محللون أن واشنطن أضاعت في وقت سابق فرصة مهمة لملء الفراغ الذي خلّفه تراجع النفوذ الفرنسي في الساحل ما أتاح المجال أمام روسيا وإيران للتقدم وتقديم خدمات أمنية مقابل الموارد خاصة في ظل تصاعد التهديدات الإرهابية والسباق على المعادن الحيوية في المنطقة.
ومع ذلك يبدو أن الولايات المتحدة تحاول اليوم العودة بشكل تدريجي رغم العقبات المرتبطة بتراجع التعاون الأمني إذ لا تزال دول مثل مالي والنيجر بحاجة إلى تنسيق استخباراتي وأمني خاصة في مواجهة الجماعات المسلحة والتنظيمات الجهادية المنتشرة داخل حدودها والتي فاقمت الأوضاع منذ موجة الانقلابات الأخيرة.
كما تعكس تحركات الولايات المتحدة الأمريكية الأخيرة تطبيقًا لمقاربتها الاستراتيجية القائمة على الضغط ثم تقديم الحوافز، فبعد أن أدركت واشنطن أن سياسة الضغط وحدها لم تعد كافية لتحقيق أهدافها في هذه الدول، اتجهت إلى تبني نهج أكثر مرونة هذه المرة ما سمح لها بالعودة نسبيًا إلى المشهد وهو ما يمكن استنتاجه من ردود فعل هذه الدول تجاه التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط وما لوٌحظ من صمت لافت حيال الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران وهو ما يمكن باعتباره براغماتية حذرة تتقاطع مع تنشيط واشنطن لحراكها الدبلوماسي ومحاولتها لفتح صفحة جديدة في علاقاتها مع الحكومات القائمة.
في المحصلة يمكن إعتبار العودة الأمريكية إلى الساحل عن تحول أعمق في مقاربتها إذ لم يعد تعزيز “الديمقراطية” هو الدافع الوحيد كما ترفعه دائماً بل أصبحت الواقعية الجيوسياسية واحتواء المنافسين وتأمين المصالح الاقتصادية وعلى رأسها المعادن عناصر أساسية في صياغة هذا التوجه الجديد.