صديقي العزيز بيرام،
يطرح نصّك أسئلة مشروعة، ويعبّر عن مطلب نتقاسمه جميعًا: أن يكون الحوار حقيقيًّا، لا مجرد ديكور سياسي، ولا واجهة خادعة يراد منها إضفاء صورة من الانفتاح على السلطة من دون أن يفضي ذلك إلى تحول فعلي.
لقد وجّهت، بكل ودّ، نداءً إلى الرئيس محمد ولد مولود وإليّ شخصيًّا، بشأن الموقف الواجب اتخاذه إزاء مسار ترى أنه بات يقتصر على توفير غطاء للسلطة. ودعوتنا، تبعًا لذلك، إلى مغادرته، كما تُهجَر سفينة آيلة للغرق.
وأودّ أن أجيب عن هذا النداء نقطةً نقطة، بالصراحة التي يتيحها التزامنا المشترك بالديمقراطية التعددية، وفي روح من الأخوّة، من دون أن نتحاشى مواضع اختلافنا، ولا التباينات الدقيقة التي تتخلل مساحات اتفاقنا.
1. من الحوار بوصفه ضرورة وطنية إلى المسار الجاري حاليًّا
أنت محقّ في التمييز بين الحوار بوصفه ضرورة وطنية، وبين المسار العملي الذي انطلق لترجمة هذه الضرورة إلى واقع. غير أنك تستخلص من هذا التمييز الصحيح نتيجة تبدو لي أقل إقناعًا، مفادها أن المسار قد شابه من الخلل ما يستوجب هجره، بدلًا من حشد طاقاتنا لتصحيحه وانتزاعه من القوى الساعية إلى إفراغه من مضمونه.
فالضرورات الوطنية نادرًا ما تتحقق في ظروف مثالية؛ وإنما تُبنى في خضم موازين القوى، من خلال التأثير في الآليات القائمة، على ما فيها من قصور، وتضافر جهود جميع القوى المستعدة لتغييرها.
إن الانسحاب اليوم يعني التخلي عن التأثير في المسار الوحيد القائم، في اللحظة نفسها التي نسعى فيها إلى تغيير الواقع السياسي الذي استدعى هذا المسار. والحال أن هذا المسار ثمرة تشاور طويل بين الفاعلين، هدفه تحديد موضوعات الحوار من دون محظورات، وتمكين جميع الأطراف المعنية من المشاركة فيه.
وليس مستغربًا أن تعترض الطريقَ عقباتٌ؛ فالمنطق السياسي يقتضي تحديدها وفضحها والنضال من أجل تذليلها، لا إهدار المسار برمته بسببها. ومن ثم، يتعين ممارسة كل الضغوط اللازمة على المسار الجاري، حتى يستجيب فعلًا للضرورة الوطنية للحوار.
صحيح أن هناك لحظة قد تصبح فيها المشاركة عديمة الجدوى، بل ربما ذات نتائج عكسية؛ غير أن هذه اللحظة لا يمكن تقريرها استباقًا، وإنما ينبغي تقديرها في ضوء وقائع محددة: رفض صريح لمناقشة القضايا الجوهرية، أو انعدام الحد الأدنى من الضمانات، أو ثبوت توظيف المسار لخدمة أغراض السلطة، أو بلوغ الكلفة السياسية حدًّا لا يتناسب بوضوح مع فرص تحقيق أي تقدم. ولسنا، حتى الآن، في هذه المرحلة.
2. الاعتقالات التعسفية وقضية الجنرال لبات ولد المعيوف
إن الاعتقالات التعسفية، وبالأخص ما تعرّض له الجنرال لبات ولد المعيوف، وقائع خطيرة. ولم نتوقف عن التنديد بها، منفردين أو إلى جانب قوى أخرى، ولا سيما في إطار منسقية المعارضة الديمقراطية. ولذلك، لا مجال للتقليل من شأنها أو التهوين من خطورتها.
غير أنه ينبغي، في تقديري، قلبُ زاوية النظر التي تُقرأ منها هذه الوقائع أحيانًا. فلا يجوز التخلي عن الحوار بسبب هذه الممارسات، كما لو أن الشروع فيه يفترض أن تكون السلطة قد غيّرت طبيعتها سلفًا وتخلّت من تلقاء نفسها عن جميع تجاوزاتها. ولو كان الأمر كذلك، لفقد الحوار موضوعه؛ إذ لن يبدأ إلا بعد أن تكون المشكلات قد حُلّت أصلًا.
بل ينبغي أن يتيح المسار فرصة لطرح هذه الانتهاكات بكل ما تنطوي عليه من خطورة، وتسميتها باسمها الحقيقي — انتهاكات لدولة القانون — والمطالبة بوقفها بوصف ذلك شرطًا لمصداقية الحوار وهدوئه.
إن الحوار لا يعني التنازل عن حقوقنا، ولا عن حقوق مواطنينا الذين اعتُقلوا أو لوحقوا ظلمًا أو حُرموا حرياتهم. بل يعني السعي إلى تعزيز الضمانات التي يفتقرون إليها اليوم، وطيّ صفحة نظام ظل فيه التعسف، في أحيان كثيرة، إنكارًا دائمًا للقانون.
ويقدم التاريخ أمثلة عديدة على مفاوضات انطلقت بينما كان أحد الأطراف لا يزال يتعرض لظلم الطرف الآخر. فقد بدأ نيلسون مانديلا نفسه، من داخل سجنه، محادثات مع نظام الفصل العنصري، في وقت ظل رفاقه معتقلين، واستمر القمع يستهدف مناضلي المؤتمر الوطني الإفريقي والسكان السود في جنوب إفريقيا. لم ينتظر زوال الظلم كي يتفاوض، بل تفاوض تحديدًا ليسهم في وضع حدّ له.
ولكل مقارنة تاريخية حدودها بطبيعة الحال، لكن المبدأ يظل قائمًا: استمرار الظلم لا يفقد الحوار شرعيته بالضرورة، بل قد يجعله أكثر إلحاحًا وأولوية. ومن ثم، فإن وجود سجناء سياسيين أو معتقلين تعسفيًّا عند انطلاق الحوار ليس سببًا للفرار من طاولته، وإنما هو سبب إضافي لحمل مطلب الإفراج عنهم واستعادة دولة القانون إليها بكل قوة.
3. الحملة الداعية إلى مأمورية ثالثة
نتفق في هذه النقطة على الجوهر. فالحملة الداعية إلى مأمورية ثالثة تمثل استفزازًا خطيرًا للنظام الدستوري، ويتعين على رئيس الجمهورية أن يتبرأ منها علنًا، وبوضوح لا لبس فيه. وهذا ما كتبته، وما لا يكف الرئيس محمد ولد مولود، بدوره، عن المطالبة به.
فهذه الحملة ليست عابرة ولا بريئة؛ إذ تسعى إلى تطبيع فكرة إمكان الالتفاف على قاعدة دستورية جوهرية أو إسقاطها تبعًا لمصالح اللحظة. كما أنها تتعمد إبقاء الشك قائمًا، واختبار مدى مقاومة الرأي العام، وتهيئة الأذهان لتقبّل ما لا يجوز قبوله. ولذلك ينبغي التصدي لها بأقصى درجات الحزم.
غير أنني لا أوافق على القول إنها غيّرت، بمفردها ومنذ الآن، طبيعة الحوار. فهي سمٌّ يتعين علينا التحصن منه، ولا سيما بجعل التبرؤ منها مطلبًا سياسيًّا وشرطًا لهدوء المسار ومصداقيته. لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لانسحابنا، بما قد يحقق تحديدًا غاية الساعين إلى إفشال الحوار قبل أن تناقَش القضايا الجوهرية أصلًا.
إن دعاة المأمورية الثالثة معنيون بتحويل النقاش نحو هذا الاستفزاز، بغية الحيلولة دون فتح الملفات التي تمثل الانشغالات الحقيقية للموريتانيين: الإصلاح الانتخابي، والرق ومخلّفاته، والإرث الإنساني، والتمييز، واللغات الوطنية، والفساد، وتوزيع الموارد، ودولة القانون.
وعلينا إحباط هذه المناورة: أن نتصدى بلا هوادة لحملة المأمورية الثالثة، مع رفض اتخاذها ذريعة لدفن الإصلاحات الضرورية الأخرى. وهذا يعني، عمليًّا، مواجهة الحملة التي يقودها بعض أركان السلطة للترويج لمأمورية ثالثة مزعومة، بحملة مضادة لحماية المكتسبات الديمقراطية الدستورية. فالتعبئة الواسعة على امتداد البلاد هي الترياق للسم الذي نندد به جميعًا، لا هجر إطار النقاش المباشر الذي نبحث داخله عن حلول توافقية لمشكلاتنا المشتركة.
4. هل تعني المشاركة في الحوار إضفاء الشرعية على السلطة؟
أصل هنا إلى ما يبدو لي جوهر حجتك: أن المشاركة في الحوار تعني منح غطاء لسلطة تستعد، في الوقت نفسه، لانتهاك الدستور.
وهي حجة جديرة بأن تؤخذ على محمل الجد، لكن ينبغي حينئذٍ المضي بمنطقها إلى منتهاه.
فإذا كانت المشاركة في إطار للنقاش، في غياب ضمانات كافية، تكفي لإضفاء الشرعية على السلطة التي تنظمه، فماذا نقول عن المشاركة في انتخابات تُنظَّم في الظروف نفسها: اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات ذاتها، المطعون في حيادها؛ والتحكم الإداري نفسه في المسار الانتخابي؛ ونظام تزكية الترشحات المهين ذاته؛ والخريطة الانتخابية نفسها المحاطة بالشكوك؛ والمناخ نفسه المقيِّد للحريات؟
إن الانتخابات تمنح السلطة شرعية أشد وطأة في نتائجها من أي حوار؛ فهي تمنحها تفويضًا، وأغلبية، واعترافًا وطنيًّا ودوليًّا، وسندًا للحكم مدةً محددة. أما الحوار، حتى وإن كان ناقصًا، فلا ينتج شيئًا مماثلًا؛ وأقصى ما قد يمنحه للنظام هو صورة من الانفتاح، وهي صورة تستطيع المعارضة نفسها تقويضها علنًا إذا لم تُحترم الالتزامات المتخذة.
غير أن نصك، على ما يبديه من حزم في الدعوة إلى مغادرة الحوار، لا يدعو في المقابل إلى مقاطعة الانتخابات البلدية والتشريعية المقبلة، ولا الانتخابات الرئاسية. كما لا يتحدث عن التحضير لتعبئة عامة من أجل مقاطعتها إذا ظلت الظروف الراهنة على حالها.
وهذا التفاوت يثير سؤالًا مشروعًا: لماذا ينبغي رفض الفعل الأقل إضفاءً للشرعية، بدعوى الخشية من توفير غطاء للسلطة، بينما يبقى الفعل الأكثر إضفاءً مباشرًا للشرعية خارج نطاق هذا الاستدلال؟
لا يمكن القول، من دون تفسير هذا التناقض، إن الجلوس إلى طاولة نقاش يمنح السلطة غطاءً، مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام المشاركة في انتخابات ستكرّس السلطة نفسها أو ممثليها.
أما الاستنتاج العكسي فيبدو لي أكثر اتساقًا. فإذا كنا نقبل المشاركة في الانتخابات رغم قصور ضماناتها — بل ونضطر أحيانًا إلى طلب التزكية من خصومنا — من أجل بناء ميزان قوى، وتمثيل الناخبين الذين يضعون ثقتهم فينا، وشغل الحيز السياسي؛ فإن المنطق نفسه ينطبق، من باب أولى، على الحوار.
إن المشاركة في الحوار ليست تزكية للسلطة، بل رفض لتركها تنفرد، بلا معارض، بصياغة القواعد التي ستحدد لاحقًا مدى نزاهة الانتخابات. وهي أيضًا وسيلة لطرح القضايا الجوهرية الأخرى التي تشغل البلاد: الرق ومخلّفاته، والإرث الإنساني، والتمييز، واللغات الوطنية، والفساد، والعدالة الاجتماعية، وإدارة الموارد العمومية.
ومن مقتضيات الاتساق أن يقبل من يعتزم غدًا التقدم إلى الناخبين، حتى في ظل الظروف الراهنة، أن يتقدم اليوم إلى الطاولة التي يُفترض أن تُناقش عندها هذه الظروف وتُصلح.
5. الضمانات الانتخابية: لجنة الانتخابات، والسجل، والتقطيع، والتزكية، والتمويل
أنت محق تمامًا: من دون تغيير حقيقي في الآليات الانتخابية، سيبقى «التناوب» مجرد صورة بلاغية.
إن إصلاح اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات، وتنقية السجل الانتخابي، ومراجعة الخريطة الانتخابية، وضمان حياد الإدارة، وإلغاء نظام التزكية المعمول به حاليًّا، وتحقيق المساواة في الوصول إلى وسائل الإعلام العمومية، وشفافية التمويل السياسي، وإقامة رقابة فعلية على الاقتراع؛ كلها شروط جوهرية لأي تنافس نزيه.
ولهذا تحديدًا، ينبغي الحضور إلى الطاولة التي أُدرجت هذه القضايا في جدول أعمالها. فهذه الإصلاحات لن تُنتزع بالمراسلات ولا بالخطابة وحدها؛ وإنما تُنتزع بالتعبئة، وبناء موازين القوى، ودقة المقترحات، وإلزام السلطة بإعلان موقفها من كل واحدة منها أمام الرأي العام.
تقول السلطة إنها مستعدة لمناقشة هذه القضايا، وعلينا إذًا أن نختبرها في ضوء تصريحاتها. فكيف يكون إلزام كل طرف بعرض مواقفه علنًا أشد إضفاءً للشرعية على السلطة من إخلاء الساحة لها بمقاطعة هذه المواجهة؟
ينبغي بطبيعة الحال أن تكون مشاركتنا متطلبة ويقظة ومشروطة؛ فلا يمكن أن تكون شيكًا على بياض. غير أن الغياب لا يخلق، في حد ذاته، أي ضمانة جديدة، ولا ينتزع أي إصلاح.
6. المجتمع المدني والتماسك الاجتماعي والوحدة الوطنية
استوقفني جانب آخر في نصك، هو تركيزه شبه الحصري على الفاعلين والقضايا السياسية الصرفة: الأحزاب، ولجنة الانتخابات، والتقطيع الانتخابي، والمأموريات، وشروط التناوب.
فقد منح مساحة محدودة للمجتمع المدني والشخصيات المستقلة، مع أنهم مدعوون إلى أداء دور مهم في الحوار المرتقب. كما لم يتوقف إلا قليلًا عند القضايا التي تقع في صميم اهتماماتهم: الرق ومخلّفاته، والعقار، والتمييز، والإرث الإنساني، واللغات الوطنية، والتنوع الثقافي، والمساواة في المواطنة، وعلى نطاق أوسع، التماسك الاجتماعي والوحدة الوطنية.
ومع ذلك، فإن هذه القضايا مدرجة في جدول الأعمال، والبلد ينتظر معرفة الحلول التي ستُقترح لها، والمسؤوليات التي سيُعترف بها، والتوافقات التي يمكن بناؤها بشأنها.
وهذا الغياب ليس مسألة ثانوية؛ إذ إن دعوة المعارضة السياسية إلى الانسحاب، من دون أخذ هذه التطلعات بما يكفي من الاعتبار، قد توحي — من غير قصد بلا شك — بأن الحوار ينحصر في مواجهة بين السلطة والأحزاب حول القواعد الانتخابية وحدها.
والحال أننا دافعنا دائمًا عن أن التماسك الاجتماعي، والوحدة الوطنية، والمساواة الفعلية بين المواطنين، تقع جميعها، شأنها شأن التناوب الديمقراطي، في صميم إعادة التأسيس التي تحتاج إليها بلادنا.
ومن ثم، فإن مغادرة الحوار تنطوي كذلك على خطر ترك هذه القضايا — التي ليست ملكًا حصريًّا لأي حزب — تُعالَج من دون مساهمة منظمة من قطاع مهم في المعارضة السياسية إلى جانب المجتمع المدني.
7. الشك في استعداد السلطة الحقيقي للقبول بالإصلاحات
إن شكك في استعداد السلطة للقبول بإصلاحات حقيقية شك مشروع، وأنا أشاركك إياه إلى حد بعيد.
لكن الشك، مهما استند إلى تجارب راسخة، لا يتحول إلى يقين سياسي إلا حين يُختبر بالوقائع. ولا يمكن إجراء هذا الاختبار إلا من داخل المسار، عبر تقديم مقترحات دقيقة إلى السلطة وإجبارها على الرد عليها بوضوح.
فالانسحاب قبل إرغامها على إعلان موقفها من إصلاح لجنة الانتخابات، وحياد الإدارة، ونظام التزكية، والحريات العامة، والمأمورية الثالثة، والإرث الإنساني، والتمييز؛ يعني إعفاءها من الاختبار بدل إخضاعها له.
كما أنه يتيح للمدافعين عن الوضع القائم أن يظهروا بمظهر المؤيدين للحوار، من دون أن يضطروا قط إلى كشف رفضهم للإصلاحات الملموسة.
بل ينبغي أن نقودهم إلى النقطة التي يُلزم فيها كل طرف بتحمل مسؤولية خياراته علنًا. فإذا رفضت السلطة التغييرات الضرورية، وجب إثبات هذا الرفض وتوثيقه وعرضه أمام الرأي العام الوطني والدولي. وعندئذٍ، سيكون لقرار الانسحاب وزن وشرعية سياسيان يفوقان بكثير قرارًا يُتخذ قبل بدء المناقشات الجوهرية أصلًا.
8. الطابع الشامل للحوار
فيما يتعلق بشمولية الحوار، ينبغي التذكير بالوقائع، حتى يتمكن الرأي العام من تكوين تصور منصف عن الوضع.
فمنذ أن أعلن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني مبادرته، داعيًا الطبقة السياسية كلها إلى الحوار، قررت بعض الأحزاب والتكتلات، لأسباب تخصها، عدم المشاركة فيه. وقد اتُّخذ هذا القرار على الرغم من الجهود الكبيرة التي بذلها عدد من شركائها لإقناعها بالانضمام إلى المسار.
وأنت تعلم، أكثر من غيرك، المساعي التي بذلتها شخصيًّا لديك ولدى غيرك من دعاة المقاطعة، من أجل إقناعكم بالمشاركة. كما كثّف منسق الحوار، السيد موسى فال، اتصالاته لإشراك مجمل الطبقة السياسية من دون إقصاء. ويستطيع قطبا المعارضة، منسقية المعارضة الديمقراطية ومؤسسة المعارضة الديمقراطية، إلى جانب تكتل القوى الديمقراطية، أن يشهدوا على تلك الجهود.
لقد صُمّم الحوار، من حيث المبدأ، ليكون إطارًا شاملًا. وغياب بعض الفاعلين لم ينتج عن إقصاء رسمي لهم، بل عن قرارهم السيادي بعدم المشاركة.
ولطالما احترمنا ذلك القرار، غير أن احترامه لا يعني القبول باستخدامه، بأثر رجعي، للطعن في مسار كان الانفتاح فيه على الجميع هدفًا معلنًا.
يمكن، بصورة مشروعة، انتقاد ظروف تنظيم الحوار، والطعن في ضماناته، والتنديد ببعض ممارسات السلطة. لكن لا يجوز لوم الإطار على عدم احتواء أطراف اختارت، بإرادتها السيادية، ألا تنضم إليه، مع أن بابه كان مفتوحًا أمامها.
فالشمولية لا تُقرَّر من جانب واحد؛ بل تقتضي أيضًا أن يقبل الفاعلون المدعوون شغل الموقع المعروض عليهم، وأن يخوضوا من الداخل المعركة اللازمة لجعل ذلك الموقع حقيقيًّا ومؤثرًا.
9. درس الحوار المجهَض سنة 2022
علينا أيضًا، صديقي بيرام، أن نستخلص العبر من فشل الحوار السابق عام 2022. فتلك التجربة، وهي لا تزال قريبة العهد، تكشف تحديدًا المخاطر التي ينطوي عليها قرار بالمقاطعة يُتخذ عشية انطلاق مسار سياسي.
فإثر حادث وقع في أطار، خلال مؤتمر محلي لتشكيلتكم السياسية التي كانت يومئذٍ قيد التأسيس ولم تُرخَّص بعد، تدخلت الشرطة داخل القاعة نفسها لانتزاع لافتة. وردًّا على ذلك التصرف، قررتَ عدم المشاركة في الحوار الذي كان يُنتظر انطلاقه.
ولا شك أن التدخل الأمني كان مرفوضًا؛ فقد مثّل انتهاكًا لحرية الاجتماع واستفزازًا لا مسوّغ له ضد تنظيم سياسي قيد التأسيس، وكان يستدعي إدانة حازمة وردًّا جماعيًّا من المعارضة.
غير أن السؤال يظل قائمًا: هل كان قرار مقاطعة الحوار هو الرد الأكثر فاعلية من الناحية السياسية على ذلك التجاوز؟ لقد أتاح إعلان انسحابك، وما أعقبه تضامنًا من تهديدات بالمقاطعة أطلقتها أحزاب أخرى، للسلطة في نهاية المطاف أن تتخذ من الانقسامات والشكوك التي ظهرت داخل المعارضة ذريعة لإنهاء المسار برمته.
وكانت النتيجة مفارقةً لافتة: فلم يُجبر الضرر الناتج عن التصرف التعسفي للشرطة على نحو حقيقي، في حين أُلغي الحوار برمته، رغم أنه كان يمكن أن يتيح مناقشة الضمانات الانتخابية والحريات العامة وسائر القضايا الوطنية الجوهرية. وهكذا أفلتت السلطة من اختبار المفاوضات، ومن واجب إعلان موقفها من الإصلاحات المنتظرة.
ولا يتعلق الأمر، بطبيعة الحال، بتحميلك مسؤولية فشل مسار كانت السلطة، في نهاية المطاف، صاحبة إدارته والمسؤولة عنه سياسيًّا. فقد كان في وسعها، بل كان عليها، أن تدين التجاوز المرتكب، وتعيد الضمانات الضرورية، وتحافظ على الحوار. لكنها اختارت، بدلًا من ذلك، استغلال الحادث والخلافات التي ظهرت داخل المعارضة لوقف المناقشات.
غير أن هذه التجربة تعلمنا أن المقاطعة، حتى حين تكون مدفوعة بغضب مشروع، قد تفضي إلى نتائج مناقضة لما يُراد منها. فقد توفر للسلطة الذريعة التي تحتاج إليها للتهرب من النقاش، ومساواة الأطراف بعضها ببعض في المسؤولية، وإلقاء جانب من تبعة الفشل على المعارضة.
وعلينا أن نتجنب اليوم تكرار سيناريو عام 2022؛ فلا ينبغي أن يؤدي قرار جديد بالانسحاب، يعقبه انقسام للمعارضة بين أنصار المشاركة ودعاة المقاطعة، إلى منح القوى المناهضة لكل إصلاح فرصة أخرى لدفن الحوار قبل بحث القضايا الجوهرية.
فليس درس 2022 أن نقبل بكل شيء حفاظًا على الحوار، بل أن أي قرار بالمقاطعة ينبغي ألا يُقاس فقط بمدى وجاهة مسوّغه الأخلاقي الآني، وإنما أيضًا بنتائجه السياسية المتوقعة. فثمة فرق جوهري بين الاحتجاج على التعسف، وبين إخلاء الميدان الذي ينبغي أن يُواجَه فيه ذلك التعسف.
10. نداؤك إلى الرئيس محمد ولد مولود وإليّ شخصيًّا
أتلقى نداءك بما يستحقه من ودّ واحترام.
لكن اسمح لي أن أرد إليك السؤال بالصراحة نفسها: أليس لأننا نعرف، من خلال تجربتنا الطويلة في المعارضة — ولا سيما درس الحوار المجهَض عام 2022 — الكلفة السياسية لكل غياب عن طاولة المفاوضات، نرى أن من الأجدى البقاء إليها في موقع المطالبة الصارمة، بدل مغادرتها والتحول إلى مجرد شهود من الخارج؟
لكل مقاطعة ثمن، وقد يكون هذا الثمن باهظ العواقب، ولا سيما عندما يدفع قوى التغيير إلى ترك الميدان لخصومها، مع أنه الميدان الذي ستُصاغ فيه قواعد العمل السياسي مستقبلًا.
وقناعتنا بسيطة: إذا كان لا يُكلَّف أحد بالمستحيل، فإن الحد الحقيقي الوحيد في السياسة يظل التمسك الصارم بالمبادئ والإرادة الراسخة في خدمة الشعب.
لن نبقى في الحوار مهما كانت الشروط، ولا بأي ثمن. لكننا كذلك لن نغادره قبل استنفاد فرص جعله مفيدًا، وقبل أن نثبت بوضوح، أمام الرأي العام، مسؤولية من يختار إفشاله.
خاتمة
صديقي العزيز،
نحن لا نختلف جوهريًّا في تشخيص الوضع؛ إذ نتقاسم القلق نفسه إزاء خطورته، والمطالبة نفسها بضمانات حقيقية، والقناعة ذاتها بإلحاح الإصلاحات، ولا سيما الإصلاحات الانتخابية.
لكننا نختلف في العلاج.
أنت تقترح الانسحاب بوصفه انتفاضة كرامة وموقف حزم. أما أنا، فأرى أن الكرامة والحزم يمكن التعبير عنهما بفاعلية أكبر عبر الثبات في قلب المواجهة نفسها: بالتنديد بكل إخلال، وتوثيق كل انتهاك، وتقديم مقترحات دقيقة، وربط كل مرحلة من مراحل المسار بضمانات قابلة للتحقق.
ولا يستبعد ذلك مطلقًا النظر في خيارات أخرى، إذا ثبت بوضوح أن المسار عقيم، أو أنه يجري توظيفه، أو بات ضارًّا من الناحية السياسية. غير أن مثل هذا القرار ينبغي أن يصدر عن تقدير صارم للوقائع، وعن خلاصة مثبتة موضوعيًّا، لا عن إدانة استباقية.
وأرى أيضًا أن نقاشنا ينبغي ألا ينغلق على مسائل التنافس السياسي وحدها؛ فالموريتانيون ينتظرون من الحوار إجابات عن التماسك الاجتماعي، والوحدة الوطنية، والمساواة في المواطنة، والتمييز، واللغات الوطنية، والإرث الإنساني، بالقدر نفسه — على الأقل — الذي ينتظرون فيه إجابات عن الجدول الانتخابي وشروط التناوب.
وكلمة أخيرة، صديقي بيرام، لعلها تمس جوهر المسألة:
أنت تخشى أن تضفي مشاركتنا الشرعية على السلطة أو تمنحها غطاءً. لكن ينبغي أيضًا تقدير الخطر المقابل: خطر أن تحرم المعارضة نفسها، بانقساماتها، من جانب من قواها الحية، في اللحظة نفسها التي يتيح لها فيها الحوار أن تلقي بثقلها كاملًا، وتدافع عن مواقف مشتركة، وتتحدث بصوت قوي أمام الرأي العام الوطني والمجتمع الدولي.
وإذا كان الخطر يتمثل في اختلال موازين القوى لمصلحة السلطة، فإن إضعاف المعارضة نتيجة تشرذمها الذاتي يبدو لي خطرًا لا يقل إثارة للقلق، بل لعله أكثر يقينًا ومباشرة من خطر إضفاء الشرعية بمجرد الحضور.
فالمعارضة الموحدة، الحاضرة والمتطلبة، تستطيع التأثير. أما المعارضة المنقسمة بين محاورين ومقاطعين، فقد لا تتمكن من التأثير الكامل، لا من داخل المسار ولا من خارجه. ولعل هذه، في نهاية المطاف، هي النتيجة الوحيدة المضمونة للمقاطعة.
إن هذا النقاش يشرّفنا جميعًا. ومعسكرنا في حاجة إلى أن يستمر في إطار من الاحترام المتبادل، والتفهم المشترك، والبحث الصادق عما يخدم شعبنا على أفضل وجه.
مع خالص تقديري وأصدق مشاعر الأخوّة،
غورمو عبدول لو
14 سبتمبر 2026