قال أستاذ التاريخ الإفريقي بجامعة ولاية لويزيانا الأمريكية، أبو العباس أبرهام، إن موريتانيا تشهد خلال السنوات الأخيرة، وفق قراءته، تحولاً في طبيعة النظام السياسي، من نموذج يستند إلى الشرعية الانتخابية والديمقراطية إلى نموذج آخر يقوم على التعبئة السياسية والإنفاق وبناء الولاءات.
وأوضح أبرهام، خلال مشاركته في برنامج «نقاش سياسي» على قناة TTV، أنه عاد إلى موريتانيا في مناسبات مختلفة، من بينها احتفالات مرتبطة بمرور خمس سنوات على مأمورية الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، ثم خلال مأموريته الثانية، قبل أن يلاحظ تكرار مظاهر الاحتفاء والتعبئة السياسية، متسائلاً عن أسباب هذا التقليد وحجم الموارد والطاقات السياسية والمالية التي يتم توظيفها فيه.
وقال إن السؤال، بالنسبة إليه، لا يتعلق بمجرد وجود إنجازات أو عدمها، ولا بموقف شخصي من النظام، وإنما بمحاولة فهم طبيعة النظام السياسي الذي يجري بناؤه، معتبراً أن ما وصفه بـ«التطبيل» يمثل، في قراءته، جزءاً من عملية أوسع لإعادة تشكيل الشرعية السياسية.
وأضاف أن التاريخ السياسي يتيح فهم ظاهرة التأييد الواسع لبعض الأنظمة، مستشهداً بما شهدته دول عربية خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي من دعم واسع لأنظمة البعث والاشتراكية والناصرية، وهي أنظمة ارتبطت، بحسب قوله، بمشاريع وطنية كبرى وتحديثية، وبطموحات طبقات اجتماعية سعت إلى انتزاع السلطة من الإقطاع والملكية والأرستقراطية.
وأكد أبرهام أن النموذج الحالي في موريتانيا، وفق تقديره، لا يستند إلى مشروع وطني مماثل، وإنما إلى الإنفاق والتعبئة بهدف إظهار وجود إنجازات كبيرة، معتبراً أن ذلك يعكس انتقالاً من النظام الديمقراطي إلى نظام يقوم على شرعية مختلفة.
وانتقد أبرهام أداء الانتخابات، قائلاً إن الانتخابات لم تعد تلعب الدور الحاسم الذي كان يُنتظر منها في حسم الصراع السياسي بين الفرقاء، مشيراً إلى أن انتخابات 2019 و2024، أعقبتها احتجاجات سياسية جرى احتواؤها، حسب قوله، عبر مفاوضات سياسية بدلاً من أن تكون العملية الانتخابية هي الفيصل النهائي بين الأطراف.
كما تحدث عن تراجع حرية التعبير، معتبراً أن المواطن الذي يعارض السلطة أو ينتقدها لم يعد يتمتع، بحسب رأيه، بالقدر نفسه من الاستقلال السياسي، وانتقد ما وصفه بالضغوط التي يتعرض لها المبلغون عن الفساد، كما أشار إلى قانون حماية الرموز، معتبراً أنه يساهم في بناء شرعية سياسية جديدة ترفع مكانة الرئيس إلى مستوى غير مسبوق في الخطاب السياسي.
وربط أبرهام بين هذا التحول السياسي وبين ارتفاع الإنفاق العام وحجم الميزانية، قائلاً إن الدولة تنفق موارد كبيرة في إطار ما وصفه ببناء شرعية بديلة عن الشرعية الانتخابية، من خلال استمالة النخب والفئات الاجتماعية المختلفة.
وخلص أستاذ التاريخ الإفريقي إلى أن المشروع السياسي القائم، حسب تحليله، لم يعد مشروعاً ديمقراطياً بالمعنى التقليدي، وإنما أصبح يقوم على نظام ريعي يعتمد على الإنفاق والتعبئة وبناء الولاءات، معتبراً أن ارتفاع الميزانية والإنفاق لا يعني بالضرورة وجود مشروع وطني كبير يوازي هذا الحجم من الموارد.