تخطَّ إلى المحتوى

بُشرى للفَريقَين..

Lother King
2 دقائق قراءة202

قديماً، عرَّفوا الشعر بأنه الكلامُ المُقفَّى الموزون، فلم يتعرَّضوا في تعريفهم هذا إلى ما يُشير إليه اشتقاقه اللفظي مِن علاقة بالشعور والإحساس والعاطفة والوِجدان وغيرها من المعاني الباطنية …

ربما لم يشترطوا ذلك، لأن تركيزهم كان مُنصَباً على تمييز الشعر عن النثر، أو لأن اشتراط ذلك من باب البديهيات والمُسلَّمات، فالشعرُ، قبل كل شيء، هو تعبيرٌ عن مشاعرَ داخلية، واعتباراً لذلك تراهم أحياناً يُوسِّعون دائرته ليشمل كل انعكاس خارجي لإحساس داخلي، فتدخل فيه النغمة والرقصة والضحكة والدمعة والصرخة واللوحة الفنية وغيرها من أنواع التعبير …

ما صَيحَةُ الجَزِعِ الباكي أحِبَّـتَهُ

كصَيحةِ الطَّرِبِ اللَّاهي بِعِيدانِهْ

وربما لم يذكروا الجانب الشعوري في تعريفهم للشعر، استشرافاً منهم لزَمن كهذا، تغلب فيه النظميةُ على الشِّعرية، حتى تصبح هذه في حكم النادر الذي لا يُعتَدُّ به ولا يُلتفَت إليه …

والشعرُ بالطبع نقدٌ

وبالعَروضِ عُروضُ

قبل مدة، حدَّثني أحدُ المثقفين في البلد عمَّا يُسمِّيه “تصنيع الشعر”، وهو مصطلح على قدر كبير من الدقة والواقعية ؛ فقد أصبح أغلب ما يُسمى اليوم ب”الشعر” سِلعةً تُطلب عند الحاجة وتُصنَّع على الطلَب، وبكميات كبيرة، أفقدته من جهة سِمَةَ الصدق، وناهيكَ بها مِن سِمةٍ، كما سلبته من ناحية أخرى خاصيةَ النُّدرَة، التي هي قوامُ التَّرَفِياتِ، التي كان يُعَدُّ الشعرُ في مُقدمتها …

لقد حصل في الشعر تضخم كما يسميه أهل الاقتصاد، والتضخم -على وجه التبسيط- هو كثرة النقود على قِلَّةٍ وضَعفٍ في قيمتها …

ولا تُطلِ الأشعارَ في غير طائلٍ

فشَرُّ القريضِ الطائلُ المُتفاحشُ

ولا خيرَ في شعرٍ يعُزُّكَ فهمُهُ

إذا هُو لم تُوضَعْ عليه الهوامِشُ

أزُفُّ بُشرى لمُصنِّعي الشعر وأعِدُهُم بأيام وَردِية جميلة، فما هي إلا أشهر أو سنوات قليلة، وسيكفيهم الذكاءُ الاصطناعي جهدَ الصناعة، فسيكون كافياً في القريب العاجل أن تُناجِيَ الهاتف الجَوَّال بملامحَ مُوجَزة للأبيات أو القصيدة التي تُريدها، فإذا هي تستقر عندك قبل أن تقوم مِن مجلسك، أو حتى قبل أن يرتد إليك طرفك، وقد بدأت بالفعل إرهاصات ذلك، والمُكفَى -كما يقولون- سعيد …

كما أزف بُشرى أخرى لفريق الشعر الطبيعي الشعوري – على قِلتهم وغُربتهم في سياق تصنيعي عام – وهي أن رونقَ الإحساس ومَسحةَ العاطفة لا تصِلهما أيدي المُصَنِّعِين مهما صنَعُو و”صنَّعوا”، وأن هناك قاعدة لا تختل أبداً، ألا وهي قولهم -وقد صدقوا- “ما كان مأتاه القلبُ فالقلب مُنتهاه ” …

فبذلك تكون البُشرى للجميع، لله الحمد والشكر …

ما زلت في هذا السياق، أتذكر تعليقاً حصيفاً للمرحوم الصحفي والمُثقف البارز : محمد فال بن عُمير، شبَّه فيه الفريقِ الأخير بأهل الفنون، في حين وضع الأولَ في خانة أصحاب الأعمال والحِرَف اليدوية …

طاب مساؤكم ،،،

عز الدين بن ڭرَّاي بن أحمد يورَ

Lother King

محرّر في تقدمي

اقرأ أيضاً