في أقل من ثلاثة أيام، انتقلت مالي من وضع أزمة أمنية حادة إلى حافة تصدع شامل يهدد بنية الدولة ذاتها.
الضربة التي نُفذت بشكل منسق من طرف جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وحلفائها في جبهة تحرير أزواد لم تستهدف الأطراف أو الهوامش، بل أصابت مركز الثقل مباشرة: قلب السلطة العسكرية في باماكو ومحيطها الحيوي في كاتي.
ما جرى لم يكن مجرد هجوم واسع، بل عملية مركبة أعادت رسم توازن القوة خلال ساعات قليلة.
اغتيال ساديو كامارا لم يكن حدثًا عابرًا في سلسلة العنف المعتاد، بل نقطة انهيار داخلية في عمق النظام نفسه. فالرجل لم يكن مجرد وزير دفاع، بل كان عمودًا فقرياً يربط بين الجيش، والأجهزة الأمنية، وشبكة التحالفات الخارجية، خصوصًا مع الشريك الروسي. فاغتياله المفاجئ لا يعني فقط فقدان قائد، بل تفكك العقدة التي كانت تضبط إيقاع السلطة.
وفي السياق ذاته، فإن إصابة موديبو كوني وعمر ديارا تعني أن الضربة لم تستهدف الرأس السياسي، بل الجهاز العصبي الكامل للنظام.
اغتيال وزير الدفاع وإصابة كبار القادة لم يكن ضربة للرأس السياسي وحده، بل تفكيكاً للجهاز العصبي الكامل للنظام، وانهياراً للعقدة التي كانت تضبط إيقاع السلطة في باماكو.
في مثل هذه الحالات، لا تكون المشكلة في الخسائر البشرية بحد ذاتها، بل في ما تخلقه من فراغ قيادي. هذا الفراغ هو أخطر ما يمكن أن تواجهه الأنظمة العسكرية، لأنها تقوم بطبيعتها على مركزية القرار وسرعة التنفيذ.
ومع غياب عاصمي غويتا عن المشهد، دون خطاب أو ظهور، يتحول الصمت من تكتيك إلى عامل تفكك. فالدولة التي لا تتكلم في لحظة أزمة كبرى، تترك المجال مفتوحًا للروايات البديلة، والشائعات، وإعادة توزيع الشرعية خارج مؤسساتها.
في الميدان، لم يعد الصراع يأخذ شكل المواجهة التقليدية بين جيش نظامي وجماعات متمردة، بل تحول إلى حرب محاور وإمداد.. السيطرة على الطرق، وقطع خطوط التموين، وتطويق العاصمة بشكل تدريجي، كلها مؤشرات على تحول استراتيجي في طريقة إدارة القتال. لم يعد الهدف إسقاط باماكو عسكريًا، بل إنهاكها سياسيًا واقتصاديًا حتى تفقد قدرتها على الحكم. هذا النمط من الحصار غير المباشر أخطر من الهجوم المباشر، لأنه يضرب ثقة السكان في الدولة قبل أن يضرب مواقعها.
أما في الشمال، فإن ما جرى في كيدال يتجاوز بكثير كونه انسحابًا عسكريًا. المدينة التي كانت تُقدَّم باعتبارها رمز “استعادة السيادة” عادت لتصبح رمزًا معاكسًا: دليلًا على هشاشة تلك السيادة.
الانسحاب—مهما كانت تسميته—كشف حدود التحالف العسكري مع روسيا، وأظهر أن السيطرة على الأرض لم تتحول إلى سيطرة مستدامة.
هنا تتبدى إحدى الإشكالات البنيوية في مقاربة باماكو: الاعتماد على الحسم العسكري دون بناء عمق سياسي محلي قادر على تثبيت النتائج.
لم يعد الهدف إسقاط باماكو عسكرياً بل إنهاكها سياسياً واقتصادياً حتى تفقد قدرتها على الحكم، فالحصار غير المباشر يضرب ثقة السكان في الدولة قبل أن يضرب مواقعها.
ما يتكشف تدريجيًا ليس فقط تراجعًا عسكريًا، بل بداية تفكك نفسي داخل المؤسسة العسكرية نفسها. الانسحابات المتتالية، وإخلاء المواقع، والاستسلامات الجزئية، كلها مؤشرات على تآكل الروح القتالية. في الحروب غير المتكافئة، لا يُهزم الجيش عندما يخسر المعركة، بل عندما يفقد قناعته بإمكانية الانتصار. وهذا ما يبدو أنه بدأ يتشكل في عدة مناطق.
في المقابل، يظهر خصوم الدولة قدرة غير مسبوقة على التنسيق بين الفاعلين الجهاديين والانفصاليين، رغم اختلاف أجنداتهم. هذا التلاقي الظرفي لا يعكس وحدة استراتيجية بقدر ما يعكس إدراكًا مشتركًا لضعف المركز. حين تضعف الدولة، تتقاطع مصالح خصومها، حتى وإن كانت متناقضة على المدى البعيد.
سياسيًا، يدخل البلد مرحلة ميوعة غير مسبوقة. السلطة لم تعد محتكرة داخل مؤسساتها، بل أصبحت موزعة بين الشارع، والثكنات، وشبكات النفوذ غير الرسمية. في مثل هذا السياق، يصبح الحديث عن انقلاب جديد أو تمرد داخلي احتمالًا واقعيًا، لا سيناريو افتراضيًا. فالجيوش التي تتعرض لصدمة قيادية مزدوجة—فقدان القيادة وفقدان الثقة—تكون بيئة خصبة لإعادة تشكيل السلطة من الداخل.
إقليميًا، لا يمكن فصل ما يحدث عن السياق الأوسع في الساحل، حيث تتراجع قدرة الدول على احتكار العنف المشروع، وتتصاعد أدوار الفاعلين غير الدولتيين. مالي تبدو اليوم كحلقة متقدمة في هذا المسار، حيث يتقاطع الضعف الداخلي مع ضغوط خارجية وتوازنات دولية معقدة.
في المحصلة، لا تبدو الأزمة مجرد لحظة اضطراب عابر، بل مفترق طرق حقيقي. إما أن تنجح السلطة في إعادة بناء مركز قرار قادر على الإمساك بالمؤسسة العسكرية واستعادة زمام المبادرة، أو أن يتحول الفراغ الحالي إلى نقطة انطلاق لمرحلة تفكك أعمق، تتعدد فيها مراكز القوة وتتآكل فيها فكرة الدولة نفسها.
لم يعد السؤال مطروحًا حول ما إذا كانت مالي تعيش أزمة، بل حول من يمتلك القدرة على إعادة صياغة ما تبقّى من الدولة، ومن سيتقدم لملء الفراغ الذي أخذت السلطة تنسحب منه.