أكد الخبير في شؤون الإرهاب محمد محمود أبو المعالي أن موريتانيا لم تسجل أي عملية إرهابية منذ نهاية عام 2011، وهو ما انعكس في تصنيفها ضمن الدول ذات “صفر إرهاب” وفق مؤشرات دولية تعتمد على الوقائع الميدانية المسجلة.
وأوضح أبو المعالي الذي كان يتحدث في برنامج « المقعد الثاني » على قناة TTV أن هذا التصنيف لا يُفهم بوصفه غيابًا مطلقًا للخطر، بل نتيجة تراكم زمني لغياب العمليات الإرهابية، حيث لم تُسجل حتى محاولات تنفيذ خلال ما يقارب خمسة عشر عامًا، وهو ما منح البلاد وضعًا استثنائيًا داخل إقليم الساحل الذي يشهد تصاعدًا غير مسبوق للعنف.
وأشار إلى أن هذا “الصفر” يعكس واقعًا إحصائيًا دقيقًا، لكنه لا يلغي الطبيعة النسبية للتهديدات الأمنية، خاصة في ظل بيئة إقليمية مضطربة.
ويرى الخبير أن ما تحقق في موريتانيا يعود إلى مقاربة متعددة الأبعاد جمعت بين الحسم الأمني والعسكري، والحوار الفكري مع المتشددين، إلى جانب سياسات اجتماعية وتنموية ساهمت في امتصاص الاحتقان داخل بعض الفئات، ومنعت تشكل بيئات حاضنة للتطرف. كما لعبت المواجهات القاسية التي خاضها الجيش الموريتاني مع الجماعات المسلحة بين 2005 و2011 دورًا حاسمًا في ترسيخ منطق الردع.
وفي هذا السياق، أشار أبو المعالي إلى أن الحوار مع السجناء المتشددين ساهم في تقليص ظاهرة التحاق الشباب الموريتاني بالجماعات المسلحة، حيث تحول بعض المفرج عنهم إلى وسطاء تأثير داخل المجتمع، أسهموا في تفكيك خطاب التجنيد.
لكن « في المقابل، تتجه منطقة الساحل نحو مزيد من التعقيد، حيث تستفيد الجماعات المرتبطة بتنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية من هشاشة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وغياب الدولة في المناطق الطرفية، إضافة إلى النزاعات العرقية، ما يوفر لها بيئة خصبة للتوسع والانتشار » يقول أبو المعالي.
كما حذر الخبير من أن تفكك آليات التعاون الإقليمي، خاصة بعد انهيار بعض الأطر الأمنية المشتركة، ساهم في تعزيز قدرة هذه الجماعات على الحركة وإعادة التموضع، في ظل تباين التحالفات السياسية والعسكرية داخل المنطقة.
ورغم الاستقرار الداخلي، شدد أبو المعالي على أن موريتانيا تظل معرضة لمحاولات الاختراق، بحكم التداخل العرقي والحدودي مع مناطق النزاع في مالي، حيث تمتد روابط اجتماعية وقبلية عابرة للحدود، ما يفرض تحديات إضافية على المنظومة الأمنية.
وفي ما يتعلق بالتوترات الأخيرة على الحدود، أوضح أن بعض الإشكالات تعود إلى مناطق لم يُحسم ترسيمها بشكل نهائي، مشيرًا إلى أن عمليات قتل موريتانيين وقعت داخل الأراضي المالية، ما يستدعي معالجة مزدوجة تقوم على التهدئة الدبلوماسية من جهة، ومنع المواطنين من التوغل في مناطق النزاع من جهة أخرى.
وختم أبو المعالي بالتأكيد على أن الحفاظ على “صفر الإرهاب” يتطلب أكثر من مجرد المقاربة الأمنية، داعيًا إلى تعزيز حضور الدولة في المناطق الحدودية، والاستثمار في الشباب، وتكثيف جهود التوعية المجتمعية، باعتبارها خطوط الدفاع الأولى في مواجهة التطرف في بيئة إقليمية شديدة التقلب.