تخطَّ إلى المحتوى

إلى أين نسير؟/ غورمو عبدول لو

لوغرمو عبدول لو
5 دقائق قراءة57
Screenshot

(ردٌّ على عميدي أحمد ولد سيدي بابا)

يطرح عميدي أحمد ولد سيدي بابا، الذي تجمعني به منذ عقود مودّة خاصة، سؤالًا جوهريًّا سبق أن طرحه رئيس الجمهورية: «إلى أين نسير؟». وتضفي تجربته وزيرًا سابقًا في عهد الرئيس المختار ولد داداه وزنًا خاصًّا على كلمته؛ ولذلك تستحق إجابته نقاشًا صريحًا: هل يجوز اعتبار أن ما أنجزه الآباء المؤسسون قد حصّن الوحدة الوطنية نهائيًّا من كل تهديد داخلي؟ يؤسفني أنني لا أعتقد ذلك.

كان مؤتمر ألاك سنة 1958 حدثًا تأسيسيًّا. ففي مواجهة المطالب الإقليمية المغربية، والشكوك المحيطة بالحدود، والتباينات بين القوى السياسية، شكّل جمعُ القادة حول مشروع دولة مستقلة إنجازًا تاريخيًّا. لقد انتصر ذلك الجيل لإمكان قيام موريتانيا ذات سيادة، وسيكون من الإجحاف إنكار هذا الفضل أو نسيانه.

لم يكن تنوّع البلاد غائبًا عن هواجس مؤتمر ألاك، غير أن التوازن المنشود آنذاك كان يُنظر إليه أساسًا بوصفه مسألة ينبغي تسويتها بين القادة والتيارات السياسية. فقد طغت ضرورةُ إقامة الدولة، وانتزاع الاعتراف بها، وتنظيم مؤسساتها؛ بينما ظلّت مشاركة جميع فئات السكان في تحديد معالمها سؤالًا مفتوحًا إلى حد بعيد. وكانت الفئات الاجتماعية التي عانت الهيمنة تاريخيًّا، ولا سيما المسترقّين والفئات الأشد فقرًا، غائبة عن ذلك الاجتماع؛ وظلّت قضيتها مندمجة في قضية النخب التي ادّعت تمثيلها.

أسهم مؤتمر ألاك في تأسيس الدولة الموريتانية، لكنه لم يُكمل تأسيس الأمة الموريتانية. ويسمح هذا التمييز بالاعتراف بنجاحه من دون إغفال حدوده. فقد استجابت النخبة التقليدية والحديثة التي أشرفت على ميلاد الدولة لضرورة ملحّة وحقيقية؛ إلا أن بناء المؤسسات تقدّم على سؤال أعمق: أيُّ مكان ينبغي أن يُفسح للغات السكان الذين جمعتهم هذه الدولة، ولتواريخهم وأوضاعهم الاجتماعية؟ لقد كانت هذه الفئات، المنتمية إلى مختلف مكوّنات البلاد، محدودة المشاركة في تلك الخيارات. وكانت، في معظمها، من الأوساط الشعبية التي كان مستقبلها يُقرَّر من دون مشاركة حقيقية منها.

وقد ترك هذا التصور النخبوي بصمته على الخلافات التي نشبت لاحقًا. فالصراعات اللغوية تتصل بالمدرسة والإدارة والقضاء والفرص المتاحة لكل فرد. والاعتراضات المتعلقة بالوظائف العمومية تطرح سؤالًا حول الكيفية التي تُمثّل بها الدولة مواطنيها. كما يثير الرق ومخلّفاته، وأشكال التمييز المرتبطة بالفئات الاجتماعية والتراتبية الطبقية، سؤالَ المكانة الفعلية لكل فرد داخل الأمة.

غير أنه لا يمكن تفسير مسار البلاد برمّته من خلال نواقص مرحلة التأسيس وحدها. فقد تصارعت تيارات سياسية تحمل تصورات متباينة لهوية الدولة ووظائفها، سعيًا إلى توجيهها وفرض تعريفها الخاص للأمة. وقد ظلّت النزعة القومية الهوياتية عنصرًا بنيويًّا في هذا الجدل، حتى حين بدا أنها تتوارى. وبالتدريج، وجدت رؤية أكثر ضيقًا للهوية الموريتانية من يتبنّاها داخل الطبقة السياسية وأجهزة الدولة. وخلال مرحلة من حكم معاوية ولد سيدي أحمد الطايع، ارتبطت الدولة — التي كان يُفترض أن تضمن انتماء الجميع إلى الأمة على قدم المساواة — بممارسات إقصائية استهدفت بعض مواطنيها.

وقد كشفت أزمة الإرث الإنساني عن أفدح نتائج تلك الممارسات. فالقتل والتهجير ونزع الأراضي وتمزيق الأسر لا يمكن اختزالها في مجرد تجاوزات عابرة شوّشت على انسجام وطني يُفترض أنه ظل سليمًا. بل تفرض هذه الوقائع مساءلة الأفكار والخيارات التي أتاحت استخدام سلطة الدولة ضد جزء من السكان. وما تزال جراحها تُثقل الثقة بين المواطنين، وبينهم وبين الدولة.

ولا يقتصر الإقصاء، مع ذلك، على تلك الحقبة؛ إذ قد يتخذ اليوم أشكالًا أقل ظهورًا: عوائق أمام إثبات الهوية المدنية، وصعوبات في النفاذ إلى الحقوق، وضعف التمثيل في بعض الوظائف العمومية، أو قرارات إدارية تترتب عليها آثار متفاوتة. وينبغي التثبت من كل ممارسة على حدة بمنتهى الدقة، لكن لا يجوز إهمال تجربة من يقولون إنهم مضطرون باستمرار إلى إثبات انتمائهم إلى وطنهم، أو إنهم يصطدمون بحواجز إدارية لا يواجهها غيرهم.

وهكذا تظهر فجوة بين المثل الأعلى الذي أعلنه المختار ولد داداه، وبعض التوجهات التي سلكتها البلاد بعده. ففي مذكراته «موريتانيا على درب التحديات»، يعترف أول رئيس للبلاد بتعدّد مكوّناتها بوصفه حقيقة لا يستطيع أيُّ حاكم تجاهلها من دون تعريضها للخطر. ويمكن مناقشة التصنيفات التي اعتمدها وحدود ما أنجزه، غير أن هذه القناعة جديرة بأن تُذكَّر بها اليوم الأطراف التي ترى في مجرد تسمية تنوّعنا تهديدًا.

وينبغي تقييم تجربة المختار ولد داداه في ضوء إكراهات عصره: هشاشة الدولة الناشئة، والضغوط الخارجية، والموروثات الفكرية والإدارية للاستعمار. وتساعد هذه الإكراهات على فهم حدود تجربته، لكنها لا تبيح اعتبار القضايا التي واجهها قضايا محسومة، ولا تحميله مسؤولية الخيارات التي اتخذها خلفاؤه.

ومن هنا أفترق عن عميدي حين يؤكد أن الأسس التي وُضعت آنذاك باتت كفيلة بتحصين الوحدة الوطنية من كل تهديد داخلي. فمثل هذا القول يحوّل طموحًا تأسيسيًّا إلى نتيجة ناجزة. ولكن ماذا يتبقّى من الوحدة حين تكفّ الدولة، في ممارساتها، عن معاملة مواطنيها جميعًا بوصفهم أعضاء متساوين في أمة واحدة؟

لا توجد أيُّ مكوّنة من مكوّنات البلاد بمنأى عن إغراء الانغلاق الهوياتي. وينبغي رفضُ حبس الموريتانيين داخل انتماءات سياسية جامدة، أو توزيع المؤسسات وفق منطق محاصصة فئوية. بيد أن هذا المطلب يجب ألّا يقود إلى إنكار التمييز، ولا إلى إثارة الشبهة حول المطالب المتعلقة باللغات والذاكرة والأرض والمساواة في الوصول إلى مواقع المسؤولية. فتسمية الظلم لا تخلقه، والتكتم عليه لا يزيله؛ بل إن الوطنية تقتضي إتاحة سبل إنصاف المتضررين منه.

يشكّل الإسلام والعيش على أرض واحدة رابطتين عميقتين بين الموريتانيين، لكنهما لا تعفيان الجمهورية من أن تضمن، بصورة ملموسة، المساواة أمام المدرسة والإدارة والقضاء والملكية. وتلك هي الحقائق التي يتعيّن على العمل العمومي والحوار الوطني مواجهتها.

لسنا مضطرين إلى الاختيار بين الاحترام الواجب لجيل الاستقلال، والنظر النقدي في تاريخنا. فأفضل وفاء لذلك الجيل هو أن نواصل طموحه حيث ظل ناقصًا، ثم حيث جرى الانحراف عنه. كانت مهمته الأولى تأكيد وجود دولة مستقلة ذات سيادة؛ أما مهمتنا نحن، فهي الحيلولة دون استئثار تيار هوياتي بمؤسساتها، وضمان أن يجد كل موريتاني مكانه الفعلي فيها.

وهذا هو السؤال الذي أود طرحه على عميدي: إلى أين نسير إذا رفضنا أن نفحص، في آن واحد، نواقص مرحلة تأسيسنا، والانحرافات السياسية التي أعقبتها، والممارسات التي ما تزال تحول دون شعور جزء من مواطنينا بأنهم في وطنهم حقًّا، داخل دولتهم؟

لوغرمو عبدول لو

محرّر في تقدمي

اقرأ أيضاً