تخطَّ إلى المحتوى

الجزائر في مواجهة المغرب العربي: كلفة هوس جيوسياسي/ عزيز داوود

عزيز داوود/ كاتب مغربي
5 دقائق قراءة294

لا بدّ أحيانًا من صوتٍ ينبعث من داخل المنطقة، ليجهر بما يهمس به كثيرون. وهذا ما فعله الرئيس التونسي الأسبق منصف المرزوقي، حين حمّل السياسة الجزائرية، بصورة مباشرة، مسؤولية تعطيل مشروع البناء المغاربي.

ولم تصدر هذه المواقف عن الرباط أو عن عاصمة أوروبية، بل عن رئيس تونسي أسبق دافع طويلًا عن فكرة مغرب عربي متحرر من الخصومات الموروثة عن الحرب الباردة. فمنذ عام 2020، كان المرزوقي ينتقد دور الجزائر في نزاع الصحراء الغربية، معتبرًا أن المنطقة بأسرها تدفع ثمن سياسة ترهن مستقبلها بقضية إقليمية.

وتستحق هذه الاتهامات نقاشًا أعمق من مجرد سجال بين الجزائر والرباط، لأنها تطرح سؤالًا جوهريًا: كم يكلّف الصراع الدائم بين القوتين الرئيسيتين في المنطقة دولَ المغرب العربي؟

تُقاس الإجابة بنسب النمو المهدرة، وفرص العمل التي لم تُخلق، والأجيال التي حُرمت من آفاق المستقبل.

تشكّل بلدان المغرب العربي فضاءً يضم أكثر من مئة مليون نسمة، ويتمتع بموقع استراتيجي بين أوروبا وأفريقيا جنوب الصحراء. كما تزخر المنطقة بموارد الطاقة والفوسفات والمعادن، وبإمكانات زراعية وسياحية هائلة، فضلًا عن تقارب ثقافي ولغوي استثنائي.

ومع ذلك، لا تزال واحدة من أقل مناطق العالم اندماجًا وتكاملًا.

فوفقًا لصندوق النقد الدولي، لا تتجاوز التجارة البينية المغاربية 5% من إجمالي تجارة المنطقة، مقابل نحو 16% في أفريقيا، و19% في أميركا اللاتينية، و51% في آسيا، وما يقارب 70% في أوروبا.

لقد حوّلت أوروبا خصوماتها القديمة إلى شبكة من المصالح والاعتماد الاقتصادي المتبادل، بينما سلك المغرب العربي المسار المعاكس، وحوّل حدوده إلى جدران.

ومنذ عام 1994، ظلت الحدود البرية بين الجزائر والمغرب مغلقة، مانعة شعبين متجاورين، تربطهما أواصر التاريخ والعائلات واللغة والتقاليد، من التبادل التجاري المباشر. بل قد يكون من الأسهل على سلعة مغربية موجهة إلى السوق الجزائرية أن تعبر أوروبا بدل اجتياز الحدود البرية بين البلدين.

الصحراء.. خطّ الصدع

لا يتعلق الأمر بإنكار التعقيدات القانونية والتاريخية التي تحيط بملف الصحراء الغربية. فموقفا الجزائر والرباط معروفان، ولا تزال الأمم المتحدة تسعى إلى التوصل لحل سياسي للنزاع.

غير أن الصحراء تحولت إلى الساحة الرئيسية للمواجهة الاستراتيجية بين البلدين. فالجزائر تتمسك بحق تقرير المصير وتعلن دعمها لجبهة البوليساريو، بينما يرى المغرب أن الجزائر هي الطرف الحقيقي في النزاع، وأن البوليساريو ما كانت لتتمكن من التحرك من دون دعمها.

وتدرك الجزائر أن موقفها يفتقر إلى الأساس، لكنها تلتزم الصمت، وتمضي منكبّة على النهج نفسه، من دون أن ترفع رأسها لمراجعة حساباتها، متمسكة بموقفها رغم التطورات الأخيرة التي لم تدفعها إلى أي تغيير.

وبصرف النظر عن الموقف من حجج الطرفين، تظل النتيجة واحدة: ملف الصحراء يعطل أي دينامية اندماجية في المغرب العربي.

ويضع صندوق النقد الدولي التوترات الجزائرية–المغربية في مقدمة العوائق التي تحول دون الاندماج الإقليمي، مقدّرًا أن تعزيز التعاون قد يرفع معدل النمو على المدى الطويل في بلدان المغرب العربي بنحو نقطة مئوية واحدة في المتوسط.

وتشير تقديرات أخرى إلى أن كلفة غياب التكامل قد تصل إلى نقطتين مئويتين من النمو سنويًا. وحتى مع التعامل الحذر مع هذه الأرقام، يظل حجم الخسارة هائلًا؛ إذ قد تبلغ الفرص الاقتصادية الضائعة، على مستوى البلدان الخمسة، عشرات مليارات الدولارات خلال عقد واحد.

قوة في مواجهة مستقبلها

يمتلك المغرب قطاعات صناعية تنافسية في مجالات السيارات والطيران والصناعات الغذائية والأسمدة، فيما تتمتع الجزائر بسوق داخلية واسعة وموارد طاقوية كبيرة، بينما تستند تونس إلى نسيج صناعي متخصص، ولا سيما في مكونات السيارات والمعدات الكهربائية.

وكان بوسع هذه الاقتصادات أن تنشئ سلاسل قيمة إقليمية مترابطة؛ بحيث تدخل قطعة مصنّعة في تونس ضمن سيارة تُنتج في المغرب وتُباع في الجزائر، وأن تُصمَّم الموانئ وشبكات الكهرباء والطرق السريعة والبنية التحتية الرقمية ضمن رؤية مغاربية متكاملة.

ويؤكد البنك الدولي أن الاندماج الإقليمي شرط أساسي لتصنيع أفريقيا، وبناء سلاسل قيمة قادرة على تجاوز الحدود الوطنية.

لكن السياسة الجزائرية لا تزال تنظر إلى الجار بوصفه خصمًا قبل أن تراه شريكًا.

ومع ذلك، تمتلك الجزائر من الإمكانات ما يؤهلها لتغيير المعادلة. فبحسب بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام «سيبري»، المتداولة عام 2026، بلغت نفقاتها العسكرية نحو 25.4 مليار دولار خلال عام 2025، أي ما يعادل 8.8% من ناتجها المحلي الإجمالي.

وقد يُبرَّر هذا الخيار باعتبارات الأمن القومي، لكن السؤال يظل قائمًا: ما التهديد الذي يدفع بلدين شقيقين إلى تخصيص كل هذه الموارد للتعامل أحدهما مع الآخر بوصفه عدوًا؟

وفيما تتضخم الميزانيات العسكرية، تظل الحدود مغلقة، ويواصل الشباب المغاربي البحث في الخارج عن الفرص التي تعجز منطقتهم عن توفيرها.

ثمن الزمن المهدور

الجزائر نفسها ضحية لهذه الاستراتيجية. فاقتصادها لا يزال شديد الارتهان للمحروقات، وهي في حاجة إلى أسواق جديدة وشركاء صناعيين وفضاء إقليمي واسع، يمكّنها من تنويع إنتاجها والاستعداد لمرحلة ما بعد النفط.

وكان بوسعها زيادة صادراتها من الغاز والكهرباء إلى جيرانها، وتطوير صناعاتها البتروكيميائية، وتصدير المنتجات الزراعية والصناعية، والتحول إلى جسر اقتصادي يربط البحر الأبيض المتوسط بمنطقة الساحل.

لكن ذلك يقتضي النظر إلى المغرب بوصفه شريكًا اقتصاديًا، لا منافسًا استراتيجيًا.

لقد أثبتت التجربة الأوروبية أن السلام يمكن أن يُبنى ابتداءً من المصالح المشتركة؛ فالتجارة تنشئ اعتمادًا متبادلًا، والاعتماد المتبادل يرفع كلفة الصراع، ثم تنتهي المصالح المشتركة إلى تغيير السياسات.

أما المغرب العربي، فقد اختار الطريق المعاكس، وسمح للخصومة السياسية بأن تقضي على إمكانات التكامل الاقتصادي.

لذلك، لا تكمن المأساة الحقيقية في الناتج المحلي الضائع وحده، بل في الزمن المهدور أيضًا: أجيال متعاقبة عاشت في منطقة قد يكون الوصول منها إلى أوروبا أيسر من العبور إلى بلد مجاور.

لقد تحول الصراع الجزائري–المغربي إلى ضريبة خفية يدفعها عشرات الملايين من أبناء المغرب العربي.

وقد حان الوقت لتغيير منظومة التفكير. فالمغرب العربي أكبر من نزاع الصحراء، والجزائر والمغرب وتونس وليبيا وموريتانيا لديها، مجتمعة، ما تكسبه أكثر بكثير مما قد تخسره متفرقة.

إن العدو الحقيقي للمنطقة ليس الجار، بل التخلّف.

ولعل الفضيحة الحقيقية ليست في أن يظل المغرب العربي فقيرًا، وإنما في أن يبقى كذلك رغم امتلاكه كل المقومات التي تؤهله ليصبح غنيًا.

ينبغي أن يتوقف هذا الاستغراق الجزائري في الهواجس ذاتها. وعلى الشعب الجزائري أن يدرك أنه الخاسر الأكبر من هذه السياسة، بينما يفتقر في حياته اليومية إلى أبسط الضروريات ومقومات العيش الأساسية.

 

******

مترجم عن https://lecollimateur.ma/

عزيز داوود/ كاتب مغربي

محرّر في تقدمي

اقرأ أيضاً