ما جرى في القاعدة الجوية 101 بنيامي ليس حادثًا عسكريًا عابرًا، ولا يكفي اختزاله في «حركة تذمر» كما فعل الخطاب الرسمي النيجري. فقد كشف، دفعة واحدة، عن تصدعات داخل الجيش، وعن محدودية الاستراتيجية الأمنية التي قامت عليها سلطة الجنرال عبد الرحمن تياني، وعن تحول الوجود الروسي من شراكة معلنة لمكافحة الإرهاب إلى عنصر مؤثر في موازين القوة الداخلية للنيجر.
لكن خطورة الواقعة لا تبرر تحميلها ما لم تثبته الوقائع. فتدخل «فيلق إفريقيا» لا يجعل النيجر، بالمعنى القانوني الدقيق، بلدًا محتلًا، كما لا تتوافر حتى الآن أدلة كافية على أن روسيا حصلت في مقابل تدخلها على اليورانيوم أو الذهب. الثابت، مع ذلك، أن قوة أجنبية شاركت في حسم مواجهة بين السلطة وجنود من الجيش الوطني؛ وهي سابقة سياسية وعسكرية تستحق مساءلة تتجاوز لغة الدعاية المتبادلة بين موسكو وخصومها.
ما الذي حدث في نيامي؟
في ليل 28 إلى 29 أغسطس 2026، شهدت نيامي إطلاق نار وانفجارات قرب القاعدة الجوية 101، الواقعة داخل مجمع مطار ديوري حماني الدولي، وفي محيط مواقع حساسة أخرى، من بينها المنطقة الرئاسية. كما انقطع بث الإذاعة والتلفزيون الرسميين فترةً قبل استئنافه.
وقالت وزارة الدفاع النيجرية إن عسكريين «خارجين على النظام» احتجزوا بعض رفاقهم داخل القاعدة وأطلقوا النار باتجاه مواقع استراتيجية، قبل أن تستعيد القوات الموالية للسلطة السيطرة تدريجيًا. ووصف تحالف دول الساحل ما حدث بأنه محاولة لزعزعة الاستقرار، بينما تحدثت تقارير دولية عن تمرد واسع، وربما محاولة انقلاب، شارك فيها جنود قدموا من وحدات في نيامي ووالام وتيرا ودوسو، وهي مناطق تكبد فيها الجيش خسائر ثقيلة أمام الجماعات المسلحة.
أما الدور الروسي، فلم يعد مجرد استنتاج أو اتهام صادر عن خصوم النظام. فقد أعلن السفير الروسي في نيامي، فيكتور فوروباييف، أن قيادة القاعدة طلبت مساعدة «فيلق إفريقيا» لتحييد المتمردين، ثم قال إن رئيس أركان القوات المسلحة ورئيس أركان القوات البرية وقائد القاعدة 101 زاروا مقر القوة الروسية لشكرها على مساهمتها في قمع التمرد.
ولا تزال جوانب أساسية من الواقعة غامضة. فلا توجد حصيلة مستقلة ونهائية للقتلى والمصابين والمعتقلين، كما لم يُكشف رسميًا عن طبيعة التدخل الروسي، ولا عن قواعد الاشتباك التي حَكمته، ولا عن الجهة النيجرية التي تملك قانونًا صلاحية استدعاء قوة أجنبية إلى مواجهة داخل الجيش.
لذلك، لا يجوز التعامل مع رقم «ثلاثين قتيلًا» باعتباره حقيقة نهائية، ولا الجزم بأن الروس نفذوا غارات جوية أو أنهم وحدهم تسببوا في الخسائر. المتاح يسمح بالقول إنهم أسهموا في حسم المواجهة، لكنه لا يكفي بعد لتحديد الحجم الدقيق لهذه المساهمة أو مسؤولية كل طرف عما وقع.
القاعدة التي تختصر مأزق النظام
تكتسب القاعدة 101 أهميتها من طبيعتها المركبة. فهي تضم طائرات ومسيّرات عسكرية، وتستضيف وحدة لمكافحة الإرهاب تابعة لتحالف دول الساحل، فضلًا عن وجود عسكريين روس وإيطاليين. وقد تعرضت لهجومين مسلحين خلال عام 2026: الأول في يناير ونُسب إلى تنظيم «الدولة الإسلامية في الساحل»، والثاني في يونيو وأعلنت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين مسؤوليتها عنه.
أن يصل التمرد إلى منشأة بهذه الحساسية، داخل العاصمة وعلى مقربة من مركز القرار السياسي، يعني أن الأزمة الأمنية لم تعد محصورة في المناطق الحدودية. لقد انتقلت من جبهات تيلابيري وتاهوا ودوسو إلى داخل المؤسسة العسكرية، ثم إلى قلب نيامي.
وليست هناك، حتى الآن، رواية مستقلة مكتملة لدوافع المتمردين. غير أن مشاركة جنود من مناطق شهدت خسائر متكررة، وما تتحدث عنه مصادر أمنية من استياء داخل الوحدات الميدانية، يجعل من الصعب فصل الحادث عن الإحباط المتراكم بسبب الحرب الطويلة، وضعف التجهيز، واضطراب القيادة، والتفاوت بين القوات التي تدافع عن المواقع المتقدمة وتلك التي تتولى حماية النظام.
لقد وصل تياني إلى السلطة في يوليو 2023 مبررًا إطاحة الرئيس المنتخب محمد بازوم بتدهور الوضع الأمني. وبعد ذلك، أبعد القوات الفرنسية والأميركية، وقلّص تعاون النيجر مع منظومات إقليمية سابقة، ثم راهن على تحالف دول الساحل والشراكة الروسية بوصفهما طريقًا إلى استعادة السيادة وتحسين الأداء العسكري.
غير أن أحداث القاعدة 101 تطرح سؤالًا معاكسًا: هل أعادت هذه الخيارات بناء قدرة الدولة، أم أعادت فقط توزيع اعتمادها الخارجي؟
حصيلة أمنية أكثر تعقيدًا من الدعاية
من غير الدقيق القول إن كل المؤشرات الأمنية واصلت التدهور بالمعدل نفسه. فقد أظهر «مؤشر الإرهاب العالمي 2026» أن عدد الهجمات الإرهابية في النيجر انخفض خلال 2025 من 102 إلى 88، وأن الوفيات تراجعت بنسبة 26%، من 944 إلى 703. وهذه أرقام ينبغي الاعتراف بها حتى في أكثر القراءات نقدًا للنظام.
لكن التحسن النسبي لا يغير الصورة العامة القاتمة. فقد صُنفت النيجر ثالث أكثر بلدان العالم تأثرًا بالإرهاب في 2025، وهو أعلى ترتيب تصل إليه منذ إنشاء المؤشر. كما ارتفع نشاط تنظيم «الدولة الإسلامية» بوضوح، إذ نُسبت إليه 33 عملية أوقعت 416 قتيلًا، مقابل 12 عملية و108 قتلى في العام السابق. وظلت تيلابيري وحدها مسرحًا لنحو 62% من الوفيات المرتبطة بالإرهاب داخل البلاد.
وفي يونيو 2026، تعرض معسكرا إيناتيس وبانيبانغو لهجومين متزامنين؛ وأفادت مصادر أمنية بمقتل عشرة جنود على الأقل في بانيبانغو وإصابة أكثر من أربعين، بينما اضطر الجيش إلى إخلاء موقعه في إيناتيس. وبعد ذلك بأيام، امتد الهجوم إلى مطار نيامي والقاعدة 101.
تكشف هذه المعطيات أن النيجر لم تخسر الحرب بالكامل، لكنها لم تحقق كذلك التحول الأمني الذي وعد به الانقلاب. فالجماعات المسلحة ما زالت قادرة على ضرب الثكنات، وتوسيع نشاطها بين مناطق الحدود، واستهداف العاصمة نفسها. والأهم أن كلفة هذه الحرب بدأت تنعكس على تماسك الجيش وثقته بقيادته.
التدخل الروسي: شرعي قانونًا أم مقلق سياسيًا؟
يتطلب الإنصاف التمييز بين مفهومين مختلفين. فمن الناحية القانونية، لا يكفي وجود قوات أجنبية أو تدخلها بطلب من السلطة القائمة لوصف بلد بأنه «محتل». ووفق تعريف اللجنة الدولية للصليب الأحمر، يتحقق الاحتلال عندما تمارس دولة أجنبية سيطرة فعلية وغير مقبولة من الدولة صاحبة الإقليم. أما وجود القوات بموافقة السلطة المحلية فلا يُعد، في ذاته، احتلالًا.
لكن انتفاء وصف الاحتلال لا يلغي المعضلة السياسية. فحين تصبح قوة أجنبية قادرة على ترجيح كفة طرف في صراع داخل الجيش، تنتقل من دور التدريب والتسليح إلى دور ضمان بقاء السلطة. ومن تلك اللحظة، يصبح نفوذها أكبر من عدد جنودها، لأن النظام يعلم أن استمرارها قد يكون حاسمًا في مواجهة خصومه الداخليين، بينما تدرك هي أن القيادة المحلية أصبحت أكثر احتياجًا إليها.
وقد بدأ «فيلق إفريقيا» انتشاره في النيجر عام 2024 في إطار اتفاقات تعاون عسكري بين نيامي وموسكو. وتختلف هذه القوة عن فاغنر في نقطة مهمة: فهي أكثر ارتباطًا بوزارة الدفاع الروسية وأقل قابلية للتقديم على أنها شركة عسكرية خاصة مستقلة. وبذلك أصبحت مسؤولية الدولة الروسية عن نشاطها أكثر وضوحًا، لا أقل.
يمكن للسلطات النيجرية القول إن الاستعانة بها تمت بطلب رسمي لمواجهة تمرد مسلح استهدف منشآت استراتيجية، وإن أي حكومة تملك حق طلب مساعدة حليف لحماية مؤسسات الدولة. وهذه حجة لا يمكن تجاهلها.
لكن السلطة نفسها وصلت عن طريق انقلاب عسكري، ومددت مرحلتها الانتقالية خمس سنوات تبدأ من مارس 2025، مع إمكان تعديل مدتها وفق الظروف الأمنية، وحُلّت في عهدها الأحزاب السياسية واستُبدل البرلمان المنتخب بمجلس استشاري غير منتخب.
لذلك، لا يمكن الفصل بين طلب المساعدة الروسية وبين سؤال الشرعية السياسية: هل كانت القوة الأجنبية تحمي الدولة النيجرية، أم السلطة التي تحتكر تمثيل الدولة بعد أن عطلت المؤسسات المنتخبة؟
من فاغنر إلى «فيلق إفريقيا»
لا يصح اختزال كل جندي روسي في صفة «المرتزق»، ولا تحميل القوة الموجودة في النيجر تلقائيًا مسؤولية كل انتهاك ارتكبته فاغنر في بلدان أخرى. لكن تجاهل سجل القوات الروسية العاملة في الساحل سيكون سذاجة مماثلة.
ففي مالي، وثقت «هيومن رايتس ووتش» خلال يوليو وأغسطس 2026 عمليتين نُسبتا إلى «فيلق إفريقيا»: غارات جوية أوقعت ثمانية مدنيين، بينهم ثلاثة أطفال، وعمليات ميدانية قُتل فيها تسعة مدنيين، بينهم أربعة أطفال، مع نهب منازل وإحراقها.
لا تثبت هذه الوقائع أن القوة الروسية ارتكبت الانتهاكات نفسها في النيجر، لكنها تثبت أن مساءلتها ليست ترفًا سياسيًا. فقوة ذات سجل إقليمي مثير للقلق، تعمل في بيئة تفتقر إلى الرقابة البرلمانية والقضاء المستقل وحرية الوصول إلى المعلومات، قد تتحول بسهولة إلى جهاز يعمل خارج المساءلة.
ويزداد القلق مع عرض صور العسكريين المستسلمين عبر التلفزيون الرسمي. فمن حق الدولة اعتقال المشاركين في تمرد مسلح والتحقيق معهم ومحاكمتهم، لكن واجبها هو ضمان سلامتهم وكرامتهم ومحاكمة كل فرد على أساس أفعاله، لا تحويل الأسرى إلى مادة دعائية أو تحميل جماعات عسكرية ومناطق بأكملها مسؤولية جماعية.
إهانة الجنود لا تعيد الانضباط إلى الجيش؛ بل قد توسع الشقوق داخله، وتحوّل التذمر المهني إلى خصومة سياسية طويلة الأمد.
السيادة والثروات: أين تنتهي المصلحة ويبدأ الارتهان؟
تمتلك النيجر موارد مهمة من اليورانيوم والنفط والذهب. وقد أممت السلطات في يونيو 2025 شركة «سوماير» التي كانت تديرها مجموعة «أورانو» الفرنسية، في سياق نزاع قانوني وسياسي حاد. كما وقّعت نيامي وموسكو مذكرة تعاون في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، وأبدت النيجر رغبتها في تطوير مناجم اليورانيوم وبناء مفاعلات بالشراكة مع «روساتوم» الروسية.
هذه الوقائع تثبت وجود تقارب أمني واقتصادي متسارع، لكنها لا تثبت أن موسكو حصلت على ثروات النيجر مقابل حماية تياني. والقول بذلك يحتاج إلى عقود أو تحويلات أو امتيازات محددة، لا إلى الاستنتاج السياسي وحده.
كما أن الرقم المتداول عن حصول الشبكات الروسية على أكثر من 2.5 مليار دولار من الذهب الإفريقي يتعلق أساسًا بعمليات موثقة أو مقدرة في مالي والسودان وإفريقيا الوسطى، ولا يجوز إسقاطه آليًا على النيجر.
ومع ذلك، لا ينبغي الاستهانة بخطر المقايضة غير المتكافئة. فكلما ازدادت حاجة النظام إلى الحماية العسكرية والدعم الدبلوماسي، ازدادت قدرة الشريك الأجنبي على التفاوض من موقع أقوى بشأن الموارد والعقود والمواقف الدولية. وقد لا تكون التبعية مكتوبة في اتفاق واحد؛ بل تنشأ تدريجيًا من تراكم الحاجة والالتزامات والمصالح المتشابكة.
لقد رفعت سلطات الساحل شعار إنهاء الهيمنة الفرنسية، وهو مطلب يجد جذوره في تاريخ طويل من الاستغلال والعلاقات غير المتكافئة. لكن الاستقلال لا يتحقق بتغيير العاصمة التي يأتي منها السلاح، ولا باستبدال باريس بموسكو. السيادة ليست هوية الحليف، بل قدرة الدولة على التعامل معه من دون أن يصبح بقاؤها مرهونًا به.
الإخفاق المزدوج
تكشف أحداث القاعدة 101 عن إخفاقين متلازمين.
الأول أمني: فبعد ثلاثة أعوام من الانقلاب الذي قام باسم استعادة الأمن، لا تزال الجماعات المسلحة قادرة على استهداف المعسكرات والمطار والعاصمة، ولا تزال الوحدات الميدانية تتكبد خسائر تغذي التذمر داخل الجيش.
والثاني سياسي وعسكري: فرغم تركيز الإمكانات حول مؤسسات الحكم والحرس الرئاسي، احتاجت السلطة إلى قوة روسية للمساهمة في احتواء تمرد داخل قاعدة تقع في قلب نيامي.
ولا يعني ذلك أن كل مطالب المتمردين مشروعة، أو أن محاولة الاستيلاء على المواقع السيادية يمكن قبولها باعتبارها احتجاجًا مهنيًا. فالتمرد المسلح داخل جيش منخرط في حرب ضد جماعات جهادية يهدد الدولة والمجتمع، ويفتح ثغرات قد يستغلها المسلحون.
لكن إدانة التمرد لا تعفي السلطة من السؤال عن أسبابه، ولا تجعل التدخل الأجنبي تفصيلًا ثانويًا. فالجيش لا يستعيد وحدته بمجرد اعتقال المتمردين، والنظام لا يستعيد شرعيته بانتصار عسكري ساعدته فيه قوة أجنبية.
الأسئلة التي لا يجوز دفنها
قبل إعلان انتصار السلطة، يحتاج النيجريون إلى معرفة عدد القتلى والجرحى والمعتقلين، ومصير المحتجزين، وهوية الوحدات المشاركة، ودوافعها، وحجم القوة المستخدمة ضدها.
ويحتاجون كذلك إلى توضيح رسمي لطبيعة تدخل «فيلق إفريقيا»: من أصدر الطلب؟ وما الأساس القانوني له؟ وهل شاركت القوات الروسية في القتال المباشر؟ وهل استخدمت الطيران أو المسيّرات؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا ثبت وقوع إعدامات أو استخدام مفرط للقوة؟
كما تحتاج المؤسسة العسكرية إلى تحقيق مستقل لا يقتصر على البحث عن المحرضين، بل يشمل ظروف الوحدات الميدانية، وتوزيع العتاد، وسلسلة القيادة، والخسائر المتكررة، والتفاوت بين حماية الجبهات وحماية السلطة.
إن أخطر ما يمكن أن تفعله نيامي هو إغلاق الملف بوصفه مؤامرة خارجية أو انحرافًا محدودًا عن الانضباط. فالمواجهة لم تنشأ من فراغ، واستدعاء الروس ربما أنهى التمرد، لكنه لم يعالج أسبابه.
أما «فيلق إفريقيا»، فقد اجتاز في القاعدة 101 عتبة جديدة. لم يعد وجوده يُقاس فقط بما يقدمه في الحرب على الجماعات الجهادية، بل بالدور الذي يمكن أن يؤديه في حماية النظام من خصومه داخل الجيش. وهنا تحديدًا تبدأ الشراكة الأمنية في التحول إلى اعتماد سياسي.
السيادة الحقيقية ليست أن تختار الدولة الجندي الأجنبي الذي يحرس قصرها. السيادة أن تبني مؤسسات شرعية، وجيشًا مهنيًا متماسكًا، وقضاءً قادرًا على المحاسبة، ونظامًا سياسيًا لا يحتاج إلى قوة أجنبية كي ينجو من أزماته الداخلية.
لقد استعادت السلطة القاعدة 101، لكن السؤال الأعمق ما زال مفتوحًا: هل استعادت النيجر السيطرة على قرارها، أم أثبتت الأحداث أن بقاء النظام أصبح أكثر ارتباطًا بقوة لا تخضع للمواطن النيجري ولا لمؤسساته؟