ما حدث في نيامي، وفق المعطيات التي جمعتها «تقدمي» منذ الساعات الأولى، لا يبدو هجوماً جهادياً تقليدياً على العاصمة، وإنما تمرداً عسكرياً بدأ من داخل المؤسسة العسكرية وتطور إلى مواجهة مسلحة حول عدد من المواقع الحساسة في العاصمة، البداية كانت نحو الساعة 00:46 فجراً، عندما سُمع إطلاق نار كثيف في محيط مطار ديوري هاماني، حيث توجد القاعدة الجوية 101، قبل أن تمتد المواجهات إلى مناطق أخرى، بينها محيط القصر الرئاسي ومعسكر للحرس الوطني في حي الإدارات، حيث يوجد أيضاً مقر التلفزيون الرسمي الذي انقطع بثه لساعات.
في الساعات الأولى لم يكن واضحاً من يقاتل من، لذلك كان من الصعب التمييز بين قوات موالية للسلطة وقوات متمردة، خصوصاً مع دخول عناصر عسكرية إلى نيامي من خارج العاصمة، لكن تطور الأحداث أعطى مؤشرات أقوى على أن الأمر يتعلق بانقسام داخل المؤسسة العسكرية نفسها، فالمواجهات لم تبق محصورة داخل قاعدة أو ثكنة، بل ظهرت في محيط مواقع مرتبطة مباشرة بمراكز القوة وهي القاعدة الجوية، الحرس الوطني، محيط القصر الرئاسي والتلفزيون الرسمي، وهذا يجعل ما جرى أقرب إلى محاولة للسيطرة على مفاصل الدولة في العاصمة.
ومن أهم ما أظهرته متابعة تقدمي أن المعارك لم تنته بمجرد إعلان مصادر رسمية أو مقربة من السلطة أن الوضع تحت السيطرة، فقد استمر إطلاق النار وبالأسلحة الثقيلة لساعات، وتعددت نقاط الاشتباك، فيما بقيت صورة السيطرة الميدانية غير مكتملة، وهذا يفسر أيضاً حالة الارتباك التي ظهرت في الميدان.
وهنا تظهر الخلفية الأهم للأحداث:
الجيش الذي حكم النيجر منذ انقلاب 2023 يواجه اليوم المشكلة نفسها التي استخدمها الانقلابيون لتبرير إسقاط الرئيس محمد بازوم، وهي تدهور الوضع الأمني، فقد قالوا عند وصولهم إلى السلطة إن القيادة السابقة فشلت في مواجهة الجماعات الجهادية وإنهم قادرون على إعادة الأمن، لكن السنوات التي تلت الانقلاب لم تنه التهديد، بل استمرت الهجمات في مناطق تيلابيري ودوسو وديفا، واستمرت الخسائر في صفوف الجيش خلال الأسابيع الماضية، فيما أصبحت الهجمات الجهادية تصل إلى مواقع شديدة الحساسية داخل العاصمة نفسها.
وهذا يخلق إحباطاً داخل المؤسسة العسكرية، وخصوصاً بين القوات التي تقاتل في الخطوط الأمامية، فالجندي الذي يقاتل في تيلابيري أو دوسو ويخسر زملاءه، ثم يرى أن الجماعات الجهادية لا تزال قادرة على تنفيذ عمليات كبيرة، قد يبدأ في التساؤل عن جدوى السياسة الأمنية التي جاءت بها السلطة العسكرية، ومن هنا يمكن فهم احتمال وجود صلة بين التحرك الحالي وبين التوتر المتراكم داخل القوات المنتشرة خارج نيامي.
كما أن توقيت ومكان بداية الأحداث مهمان جداً لفهم ماذا حدث؟ فالقاعدة 101 في محيط المطار ليست موقعاً عاديا فهي قاعدة عسكرية أساسية، ويعني أي تمرد داخلها أن جزءاً من القوة العسكرية الموجودة في قلب العاصمة أصبح خارج السيطرة المباشرة للقيادة، ولذلك فإن انتقال الاشتباكات من القاعدة إلى محيط الرئاسة والحرس الوطني والتلفزيون يشير إلى أن المسألة تجاوزت مجرد خلاف عسكري داخلي، وأن هناك محاولة أو على الأقل تحركاً للوصول إلى مراكز القوة والاتصال والقرار.
أما البعد الجهادي، فهو خلفية للأزمة وليس بالضرورة تفسيراً مباشراً لهجوم فجر اليوم السبت، فالنيجر تعيش منذ سنوات ضغطاً متزايداً من تنظيم الدولة الإسلامية وتنظيم القاعدة، خصوصاً في تيلابيري والمناطق الحدودية، إضافة إلى النشاط المسلح في الجنوب الشرقي باتجاه ديفا، وقد شهد مطار نيامي نفسه هجمات سابقة، بينها هجوم لتنظيم الدولة الإسلامية في بداية العام أدى إلى دخول المهاجمين إلى القاعدة وإحراق طائرات، ثم هجوم آخر خلال الصيف تم صده.
وتكتسب القاعدة 101 ومطار نيامي أهمية كبيرة في هذه الأزمة، الموقع الذي كان يفترض أن يكون من أكثر المواقع تحصيناً في البلاد أصبح نفسه مسرحاً لهجمات جهادية، ثم أصبح اليوم نقطة انطلاق لتمرد عسكري.
وتزداد الصورة تعقيداً بسبب وجود قوات أجنبية داخل هذا المحيط العسكري، وبينها نحو 300 جندي إيطالي في إطار اتفاقية تدريب مع الجيش النيجر، إلى جانب عناصر روسية مرتبطة بالفيلق الإفريقي، لذلك فإن أحد أكبر الأسئلة التي بقيت مفتوحة خلال الأحداث هو موقف الفيلق الإفريقي: هل سيتدخل إلى جانب السلطة، أم سيبقى على الحياد، أم أن الأحداث ستفرض عليه موقفاً مختلفاً؟
ما جرى في نيامي يبدو، وفق المعلومات التي نقلتها «تقدمي»، نتيجة تراكم ثلاثة عوامل: انقسام أو توتر داخل المؤسسة العسكرية، تدهور أمني مستمر رغم أن استعادة الأمن كانت أحد أهم مبررات انقلاب 2023، وتصاعد الضغط الجهادي على الجيش ومواقعه، بدأ التحرك في قاعدة عسكرية استراتيجية داخل المطار، ثم امتد إلى محيط الحرس الوطني والقصر الرئاسي والتلفزيون، واستمر لساعات رغم الحديث عن السيطرة على الوضع وهو ما نفته مصادر تقدمي لاحقا.
قراءة: الحسين التراد صحفي مهتم بالشأن الأمني في منطقة الساحل