🖋️ محمد لغظف محمدالأمين أبتي
ليس أخطر على الأمم من أن تكذب على نفسها وهي تظن أنها تحسن الثناء، وليس أضرّ على الدولة من أن تتحول ذاكرتها السياسية إلى مرآة مصقولة لا تُريها إلا محاسنها، حتى إذا أقبل السؤال العسير وجدناه واقفًا على الباب كغريبٍ لا يعرفه أحد.
فما معنى أن نحتفي بمرور سبع سنوات على حكم رئيس للجمهورية؟ وما الذي نحتفي به على وجه التحقيق: بمرور الزمن، أم بما صُنع في الزمن؟ وهل يكفي أن تمضي سبع سنوات حتى تستحق السنوات ذاتها الاحتفاء، أم أن العبرة بما تركته هذه السنوات في حياة الناس، وفي بنية الدولة، وفي التعليم والصحة والاقتصاد والإدارة والتشغيل والعدالة، وفي مقدار ما اقترب الوطن من الغاية التي رُسمت له؟
إنني لا أطرح هذا السؤال من منازعةٍ لشخص الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، ولا من خصومة مع مناصريه، ولا من رغبة في تبخيس ما تحقق؛ وإنما أطرحه لأنني أرى أن الدولة أجلُّ من الأشخاص، وأن الجمهورية أرسخ من الرؤساء، وأن الحقيقة لا ينبغي أن تُستأذن عند أبواب السلطة.
إن السؤال عندي ليس: لماذا نذكر الرجل؟ وإنما: لماذا نرفع ذكره فوق مقياس الفعل؟ ولماذا يصبح مجرد مرور سبع سنوات مناسبةً لصناعة الأفلام الوثائقية، وإقامة الأمسيات والمنتديات، وإنفاق المال والجهد في الاحتفاء، بدل أن تكون المناسبة وقفةً صامتةً أمام دفتر الحساب؟
أليس الأليق بدولةٍ تريد أن تتأسس على المؤسسات أن تجعل ذكرى السنوات الرئاسية موعدًا لمراجعة التعهدات، وفحص النتائج، واستنطاق الأرقام، واستجلاء مواطن القوة والخلل، لا موسمًا من الثناء المتتابع؟ أليست السنوات السبع في عمر الدولة ليست زينةً زمنية، بل رأس مالٍ من أعمار الناس؟ وما قيمة أن نقول: مضت سبع سنوات، إذا لم نسأل: ماذا فعلنا بهذه السنوات السبع؟
إن الزمن لا يُمدح لأنه مرّ، وإنما يُقاس بما تركه وراءه. والسنوات التي لا تُنتج تحولًا في حياة الناس لا تصبح عظيمةً لمجرد أننا أقمنا لها منصةً وزيّناها بالشعارات.
إنني هنا لا أنكر أن ثمة مشاريع وسياسات وإنجازات قد تحققت، ولا أزعم أن الدولة لم تفعل شيئًا؛ بل إن الجهات الرسمية نفسها قدمت حصائل وأرقامًا لمشاريع وبرامج متعددة. غير أن وجود الإنجاز شيء، وكفايته شيء آخر؛ ووقوع الفعل شيء، وبلوغ الغاية شيء آخر؛ وكثرة المشاريع شيء، وتحول حياة الناس بها شيء آخر.
وهذه هي المسافة التي ينبغي للعقل السياسي أن يقف عندها طويلًا: هل نحن أمام دولة أنجزت ما تستطيع، أم دولة أنجزت بعض ما وعدت به؟ وهل ما أُنجز يساوي حجم الطموح الذي رُفع إلى الناس؟ وهل ينبغي أن نقيس الحكم بما تحقق فحسب، أم بما تحقق قياسًا إلى ما كان ممكنًا وموعودًا ومتاحًا من موارد ووقت؟
إن هذا الفرق هو الذي يغيب حين يتحول الخطاب السياسي إلى مهرجان للاعتراف.
وقد ارتبطت التجربة الرئاسية بعبارات وشعارات من قبيل «تعهداتي»، «طموحي للوطن»، «أولوياتي»، «الرفاه المشترك»؛ وهذه الكلمات، مهما حسُن جرسها، ليست ألفاظًا شعرية معلقة في الهواء، وإنما عناوين سياسية يفترض أن تكون لها ترجمة في الواقع.
فإذا كان «تعهداتي» هو العنوان، فالسؤال: ماذا تحقق من التعهدات؟ وإذا كان «طموحي» هو الأفق، فالسؤال: كم اقترب الوطن من ذلك الطموح؟ وإذا كانت «أولوياتي» هي البوصلة، فالسؤال: هل وافقت النتائج تلك الأولويات؟ وإذا كان «الرفاه المشترك» غاية، فالسؤال الأشد مرارة: من الذي شعر بهذا الرفاه؟ ومن بقي خارجه؟
وهنا لا ينبغي للناقد أن يزعم أن «شيئًا لم يُنفذ» بإطلاق، لأن ذلك حكم يحتاج إلى برهان، ولا ينبغي للمادح أن يزعم أن «كل شيء تحقق» لأن ذلك أيضًا دعوى تحتاج إلى برهان. إن الإنصاف الحقيقي يقع بين الجحود والتقديس، بين من لا يرى إلا العيب، ومن لا يرى إلا المحاسن.
لكن ما يؤسف له أن بعض النخب عندنا لا تزال تتعامل مع السلطة بمنطقٍ قديم: إذا اقتربتَ منها مدحت، وإذا ابتعدتَ عنها ذممت؛ وكأن الحقيقة نفسها تتغير بحسب المسافة بين الناقد والقصر.
فما هذه العقلية؟ ولماذا يندفع بعض المثقفين والنخب إلى الاعتراف قبل التثبت، وإلى الثناء قبل القياس، وإلى الاحتفاء قبل المحاسبة؟ أهو خوفٌ من السلطة؟ أم طلبٌ للرضا؟ أم عادةٌ سياسية متوارثة تجعل الحاكم في منزلة الأب، والمواطن في منزلة التابع؟ أم أن بعض النخب لم تتحرر بعد من عقلية «المخزن» السياسي، حيث يكون القرب من السلطان رأس مال، ويصبح المدح ضربًا من الاستثمار في المستقبل؟
إن المشكلة هنا ليست في الرئيس وحده، بل في البنية النفسية للنخبة التي قد تجعلها تبحث عن موقعها من السلطة قبل أن تبحث عن موقع السلطة من الحقيقة.
وقد وضع القرآن ميزانًا لا يترك للهوى منفذًا، فقال سبحانه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8].
فإذا كان الله يأمرنا بالعدل حتى في مواجهة من نكره، فمن باب أولى ألا يمنعنا حبنا للحاكم أو إعجابنا به من العدل. فالقرآن لا يجعل العدل ثمرةً للمحبة، بل يجعل العدل واجبًا حتى حيث تحضر الخصومة؛ ومن ثم فلا يجوز أن يتحول الولاء إلى حجاب يحول بين الإنسان وبين الشهادة بالقسط.
وقد جاء في الحديث الصحيح: «لا تُطروني كما أطرت النصارى ابن مريم»، وجاء أيضًا: «إذا رأيتم المدّاحين فاحثوا في وجوههم التراب»؛ وليس المقصود تحريم الثناء الصادق، وإنما التحذير من الإطراء الذي يتجاوز الحقيقة، ومن المدح الذي يتحول من شهادةٍ بالفضل إلى صناعةٍ للفضيلة.
فكيف نشكر الإنسان على ما ليس فيه؟ وكيف نعترف له بما لم يقدمه؟ وكيف نمدحه على واجبٍ أُنيط به أصلًا؟ إذا كان الحاكم قد أُعطي السلطة ليخدم الدولة، فلماذا يتحول قيامه بجزء من واجبه إلى منّةٍ على الناس؟ أليس تولي الحكم تكليفًا قبل أن يكون تشريفًا؟ أليس المال العام أمانةً لا هدية؟ أليست المشاريع حقًا من حقوق المواطن قبل أن تكون مناقب للحاكم؟ أليس الموظف العام، في المنطق الجمهوري، مستخدمًا للسلطة العامة لا مالكًا لها؟
إن التقديس السياسي يبدأ حين نعجز عن الفصل بين الشخص والوظيفة؛ فنرفع الموظف إلى مقام الوظيفة، ثم نرفع الوظيفة إلى مقام الشخص، حتى تصبح الدولة في وعينا كأنها وجه الحاكم وصوته وصورته.
وهنا تبدأ الطامة: يُمدح الحاكم على ما كان واجبًا عليه، ثم يُمدح على ما لم يفعله، ثم يُمدح على ما كان ينبغي أن يفعله، ثم يُمدح لمجرد أنه حاكم.
وهذا ليس وفاءً؛ إنه فساد في ميزان القيم.
إن أعظم خدمة يمكن أن يقدمها المواطن للرئيس ليست أن يقول له: «أنت عظيم»، وإنما أن يقول له: «هذا ما أصبت فيه، وهذا ما أخطأت فيه، وهذا ما وعدت به، وهذا ما أنجزت، وهذا ما لم تنجز، وهذا ما ينبغي أن تصلحه.»
تلك هي الشهادة التي تحمي الحاكم من الغرور وتحمي الدولة من الوهم.
وقديمًا قال أبو الطيب المتنبي: «وإذا أتتك مذمتي من ناقصٍ / فهي الشهادة لي بأني كامل»؛ وهي عبارة تكشف، في وجه من وجوهها، عن طبيعة الموقف من المدح والذم، وإن كان ميزان الحقيقة أوسع من أن يستقر في بيت شعر.
ولعل أفلاطون كان محقًا حين فرّق، في نقده لفنون الخطابة، بين القول الذي يطلب الحقيقة والقول الذي يطلب الإرضاء؛ فليس كل كلامٍ جميل نافعًا، وليس كل خطابٍ مؤثر صادقًا. والسياسة حين تتحول إلى صناعة للرضا تصبح عاجزة عن صناعة الحقيقة.
أما ابن خلدون فقد فهم أن السلطان لا يحيط به أصحاب الكفاءة وحدهم، بل قد يحيط به أيضًا أهل الحظوة والمصلحة، وأن اقتران السلطة بالمنافع الشخصية يخلق طبقةً تتغذى على القرب من الحاكم.
ومن هنا فإن السؤال عن النخبة لا يقل أهمية عن السؤال عن السلطة: لماذا يصفق المثقف؟ ولماذا يكتب الصحفي؟ ولماذا يقيم السياسي المنتدى؟ ولماذا تُنتج الأفلام الوثائقية؟ هل لأن الحقيقة تحتاج إلى كل هذه الأبواق، أم لأن بعض الحقيقة لا تكفي وحدها لإقناع الناس؟
إذا كانت الإنجازات تتحدث عن نفسها، فلماذا كل هذا الضجيج؟ وإذا كانت تحتاج إلى كل هذا الضجيج كي تُرى، فأين قوة الإنجاز؟
لا يعني ذلك أن الفيلم الوثائقي حرام على الدولة، ولا أن الندوة مذمومة، ولا أن توثيق التاريخ عمل عبث؛ فالتوثيق ضرورة، والذاكرة الوطنية من مقومات الأمم.
لكن ثمّة فارقًا شاسعًا بين التوثيق والتقديس: التوثيق يقول «هذا ما حدث»، أما التقديس فيقول «هذا ما حدث، ولذلك فهو عظيم». التوثيق يعرض الوقائع بما لها وما عليها، أما الدعاية فتنتقي من الوقائع ما يخدم صورتها. التوثيق يترك للناس حق الحكم، أما التمجيد فيصنع الحكم قبل أن يقدّم الأدلة.
ولذلك فإن السؤال عن المال المنفق على هذه الأفلام والأمسيات والمنتديات ليس سؤالًا عدائيًا، بل سؤال في صميم الحكامة: كم أُنفِق؟ ومن أين أُنفِق؟ وما الأولوية؟ وما المردود؟ وهل كان يمكن أن يُصرف ذلك المال في مدرسة، أو مستشفى، أو طريق، أو ماء، أو تدريب شاب، أو دعم مشروع منتج؟
وإذا كان الإنفاق خاصًا من أفراد أو مؤسسات مدنية، فذلك شأن آخر؛ أما إن كان من المال العام، فحق المواطن أن يسأل عن جدواه، لأن المال العام لا ينبغي أن يتحول إلى وقودٍ لصناعة صورة سياسية.
إن الدولة الرشيدة لا تحتاج إلى أن تُخلّد شخصًا؛ لأنها تُخلّد المؤسسات والإنجازات والقيم. والأشخاص، مهما علا شأنهم، عابرون.
وهنا يجيء السؤال الأعمق: لماذا نحتفي بمرور سبع سنوات بدل أن نحتفي بما بعد السبع سنوات؟ لماذا لا يكون اليوم السابع من السنة السابعة موعدًا لنشر تقرير مستقل ومفصل: ماذا وعدنا؟ ماذا أنجزنا؟ ماذا تأخر؟ لماذا تأخر؟ كم كلف؟ ما أثره؟ ومن يتحمل مسؤولية التقصير؟
لماذا لا يكون الاحتفال الحقيقي أن تقول الدولة لشعبها: «هذه حصيلتنا، خذوها وانقدوها»؟ أليس هذا أكرم للرئيس نفسه من عشرات الخطب؟
إن الحاكم الذي يملك الشجاعة ليقول «أخطأنا هنا» أعظم من حاكم يحيط نفسه بمن يقولون له «لم تخطئ قط». فالمبالغة في المديح لا ترفع مقام الحاكم، بل قد تحرمه من مرآة الحقيقة.
إنني لا أريد أن أكون في صف المعارضة لمجرد المعارضة، ولا في صف الموالاة لمجرد الموالاة؛ أريد أن أكون في صف السؤال.
والسؤال ليس جريمة سياسية. السؤال هو أول أبواب العقل، وأول شروط الجمهورية، وأول علامات النضج.
لذلك فإنني لا أسأل: «هل الرئيس صالح أم طالح؟» فهذا سؤال بدائي يختزل الدولة في شخص. وإنما أسأل: ما السياسات التي نجحت؟ ما السياسات التي أخفقت؟ ما أسباب النجاح؟ وما أسباب التعثر؟ ما الذي كان ممكنًا؟ وما الذي لم يكن ممكنًا؟ أين ذهب الوعد؟ وأين وصل الواقع؟
إنني لا أقول إن موريتانيا لم تتغير، وإنما أقول إن التغيير ينبغي أن يقاس بما كان يمكن أن تكون عليه موريتانيا، لا بما كانت عليه فقط.
فمن السهل أن نقول: أنجزنا أكثر من السابق؛ لكن السؤال الأصعب: هل أنجزنا ما يكفي لطموح المستقبل؟ وهل استثمرنا الإمكانات الهائلة التي يملكها البلد؟ وهل خرج الشاب الموريتاني من دائرة الانتظار؟ وهل أصبحت الإدارة دولةً للقانون لا شبكةً للعلاقات؟ وهل تحسن التعليم بما يليق بجيل المستقبل؟ وهل أصبحت الصحة حقًا لا مغامرة؟ وهل انخفضت الفوارق الاجتماعية؟ وهل صار الاقتصاد منتجًا لا مستهلكًا؟ وهل تحولت الثروة الطبيعية إلى رفاه مستدام؟ وهل أصبحت الدولة أقوى من الأشخاص؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تُقام حولها المنتديات، وهذه هي الأفلام التي تستحق أن تُنتج، وهذه هي الذكرى التي تستحق أن تُخلّد.
أما أن نحتفي بالحاكم لأنه مضت سبع سنوات على حكمه، فذلك يشبه أن يحتفل التاجر بمرور سبع سنوات على فتح متجره دون أن يسأل: هل ربحت؟ وهل حافظت على رأس المال؟ وهل خدمت زبائنك؟ وهل كنت أمينًا؟
الزمن وحده ليس إنجازًا. وكذلك الحكم: البقاء في السلطة ليس شهادة نجاح، كما أن الخروج منها ليس شهادة فشل.
الإنجاز شيء آخر، والنجاح شيء آخر، والعدالة شيء آخر.
إن السياسة ليست علم صناعة الأصنام، وإنما علم إدارة الممكن لصالح الناس.
ومشكلة النخب التي تُفرط في الاحتفاء أنها قد تقع في خطأ معرفي قبل أن تقع في خطأ سياسي: تخلط بين الشخص والنتيجة، وبين النية والأثر، وبين المشروع والإنجاز، وبين الإعلان والتحقق، وبين الوعد والوفاء.
قد تكون النية حسنة، ولكن النتيجة ضعيفة؛ وقد يكون المشروع ضخمًا، ولكن أثره محدود؛ وقد يكون الخطاب جميلًا، ولكن الواقع عنيدًا. والسياسة لا تُقاس بحسن النوايا وحدها، وإنما بما تخلقه من آثار قابلة للمشاهدة والقياس.
ولذلك فإن عبارة «لم ينفذ شيء من برنامجه الانتخابي»، إذا أُطلقت على إطلاقها، تحتاج إلى تدقيق وبرهان، كما تحتاج عبارة «نفذ كل برنامجه» إلى البرهان نفسه.
أما الحكم المنصف فيقول: ثمة ما تحقق، وثمة ما لم يتحقق، وثمة ما تحقق دون مستوى الطموح، وثمة ما تعثر، وثمة فجوة بين الخطاب والنتيجة.
وهذا هو النقد الذي أريده: نقد لا يلعن، ولا يقدّس؛ لا يهدم ولا يزوق؛ لا يشتغل بمنطق الخصومة، بل بمنطق الفحص.
إنني أتساءل: لماذا نكذب على أنفسنا؟ لماذا نمنح أنفسنا شعورًا زائفًا بالعظمة؟ لماذا نحتفي بمن لم يوصلنا، في تقديري، إلى أكثر من جزء ضئيل مما نطمح إليه؟ لماذا نرفع منسوب المديح حين ينبغي أن نرفع منسوب الطموح؟ لماذا نحتفل بما تحقق قبل أن نسأل عما لم يتحقق؟ لماذا نغضب من السؤال بدل أن نجيب عنه؟ لماذا نعتبر الناقد جاحدًا والمادح وطنيًا؟ لماذا أصبح الاعتراف بالحقيقة مشروطًا بالولاء؟ لماذا نطلب من المواطن أن يشكر، بدل أن نطلب منه أن يحكم؟ لماذا نبحث عن التصفيق بدل الأثر؟ ولماذا نُكثر من الاحتفاء بالحاكم حتى يكاد الوطن نفسه يغيب من المشهد؟
لعل أخطر ما يصيب الأمم أن تصبح النخبة فيها أكثر اهتمامًا برضا السلطان من رضا التاريخ.
فالسلطان يسمع اليوم، أما التاريخ فيحكم غدًا. والمنصة تصفق للحظة، أما الأجيال فتسأل بعد عقود: ماذا تركتم لنا؟
إنني أريد أن يكون السؤال عن الرئيس سؤالًا عن الدولة، لا عن الشخص؛ وعن السياسة لا عن الولاء؛ وعن النتائج لا عن النوايا؛ وعن المستقبل لا عن الصور.
ولذلك فإن اقتباسي الذي أضعه هنا ليس عن شخص بعينه، وإنما عن معنى السياسة: «لا أريد حاكمًا يُقدَّس، ولا حاكمًا يُشيطن؛ أريد دولةً تجعل الحاكم قابلًا للقياس.»
وأقول أيضًا: «ليس الوفاء للحاكم أن نُكثر من مدحه، بل أن نمنعه من أن يصدق المديح أكثر مما يصدق الواقع.»
وأقول ثالثًا: «أنا لا أعارض الرئيس حين أسأل عن حصيلته؛ أنا أعارض فكرة أن تكون محبتي للوطن مشروطةً بالصمت.»
وأقول رابعًا: «لا أريد أن نحتفل بمرور الزمن، بل أن نسأل ماذا صنعنا بالزمن؛ فالسنوات لا تُمدح لأنها مضت، وإنما تُقاس بما تركته وراءها.»
وأقول خامسًا: «إذا كان الإنجاز عظيمًا، فليكن البرهان أعظم من المديح؛ وإذا كان المديح أعظم من البرهان، فقد بدأنا نعبد الصورة بدل الحقيقة.»
وأقول سادسًا: «الوطن الذي يحتاج كل عام إلى صناعة صورةٍ للحاكم، يحتاج قبل ذلك إلى صناعة مؤسساتٍ لا تحتاج إلى صورة أحد.»
وأقول أخيرًا، ولعلها خلاصة ما أريد: «أنا لا أسأل من أجل إسقاط أحد، وإنما أسأل حتى لا تسقط الحقيقة من حسابنا؛ ولا أنقد لأنني أكره، وإنما أنقد لأنني أطمح؛ فالذي يرضى بالقليل من وطنه قد يكون أكثر مديحًا، أما الذي يحلم بالكثير منه فلا بد أن يكون أكثر سؤالًا.»
وهكذا فإن الاحتفاء بمرور سبع سنوات لا ينبغي أن يكون حرامًا ولا واجبًا؛ إنه يصبح محمودًا إذا كان احتفاءً بالإنجاز الموثق، ووقفةً للتقويم، واعترافًا بالفضل في موضعه، واستدراكًا للتقصير في موضعه، ويصبح مذمومًا حين يتحول إلى طقسٍ من طقوس التقديس السياسي، وإلى إنفاقٍ لا يُسأل عن جدواه، وإلى مديحٍ يتجاوز الحقيقة، وإلى محاولة لتجميل ما ينبغي إصلاحه.
إن أعظم تكريم للرئيس، في نهاية المطاف، ليس أن نُخرج له فيلمًا يروي ما صنع، وإنما أن نضع أمامه وطنًا أكثر قوةً وعدلًا وإنتاجًا، ومؤسساتٍ أكثر رسوخًا، وشبابًا أكثر أملًا، ومواطنًا أقل احتياجًا إلى الوساطة، ودولةً لا يتوقف مجدها على اسم حاكم.
فالرؤساء يمرون، والرايات تبقى؛ والحكومات تتعاقب، والوطن يبقى؛ والمنتديات تنفضّ، والأفلام تُنسى، والأمسيات تنطفئ، أما الحقيقة فتبقى وحدها واقفةً في آخر الطريق، تسألنا جميعًا: ماذا فعلتم بسبع سنوات من عمر أمة؟