حين وزع منسق الحوار موسى فال النسخة الجديدة من الوثيقة المرجعية، كان أبرز ما لفت الأنظار فيها غياب عبارة “المأموريات” التي كانت مدرجة إلى جانب “الآجال و المدد” تحت محور “الإصلاحات الدستورية”، مما أثار خلال الأسابيع الماضية اعتراضات المعارضة ودفعها إلى مقاطعة الجلسات التمهيدية. وما إن اختفت تلك العبارة حتى تبدل المشهد: المعارضة أعلنت موافقتها للعودة للحوار، وساد الحديث عن انطلاقه بدل تعثره.
من السهل النظر إلى ما جرى باعتباره مجرد تعديل تقني على وثيقة عمل. لكن السياسة نادراً ما تتحرك بهذه البساطة. فالكلمات لا تكتسب أهميتها من معناها اللغوي فقط، بل من حمولتها السياسية المشحونة.
كانت المعارضة ترى أن إدراج ملف” المأموريات” في جدول الحوار يفتح الباب أمام نقاش لا ترغب في فتحه أصلاً. ولم يكن ذلك بسبب وجود مشروع معلن لتعديل الدستور أو تمديد المأموريات، بل لأن مجرد طرح القضية على الطاولة كان كافياً لإثارة الشكوك حول الوجهة التي قد يتجه إليها النقاش… فلم يكن الخلاف حول المضمون وحده وإنما حول الرمزية السياسية للمصطلح.
في المقابل، لم تكن السلطة مستعدة لخوض مواجهة سياسية مبكرة حول “عبارة واحدة”، خصوصاً إذا كان الثمن هو تعطيل الحوار قبل أن يبدأ. لذلك يبدو أن القرار الذي انتهى إليه الأمر صانع القرار السياسي هو: إزالة الصخرة الصغيرة من الطريق ثم مواصلة السير.
لكن القراءة الأكثر أهمية لا تتعلق بما كسبته المعارضة أو بما تنازلت عنه السلطة، بل بما يكشفه هذا التطور عن طبيعة المرحلة السياسية الحالية.
فالمفارقة أن الأزمة لم تكن حول قضية جوهرية مثل ضرورة الإصلاحات الدستورية من عدمها أو أدوات و آليات النظام الانتخابي أو توزيع السلطة، بل حول إطار النقاش نفسه. وهذا يعني أن مستوى الثقة بين الأطراف ما زال هشاً إلى درجة تجعل صياغة الوثيقة التمهيدية موضوعاً للخلاف قبل الوصول إلى مناقشة الملفات الكبرى.
ومن هذه الزاوية، يمكن اعتبار ما حدث مؤشراً إيجابياً وسلبياً في الوقت نفسه. إيجابي لأنه أظهر استعداداً متبادلاً لتقديم تنازلات تسمح باستمرار المسار. وسلبي لأنه كشف حجم الحذر الذي ما زال يطبع العلاقة بين السلطة والمعارضة.
لقد ربحت المعارضة أول اختبار سياسي قبل بدء الحوار، إذ نجحت في فرض تعديل جوهري على الوثيقة. وربحت السلطة أيضاً لأنها تجنبت أزمة كان من شأنها أن تلقي بظلالها على الحوار برمته. أما موسى فال فقد خرج من أول امتحان صعب بنتيجة معقولة، بعدما تمكن من إعادة الأطراف إلى نقطة التقاء مشتركة، ليرسخ بذلك صورة الوسيط القادر على تدوير الزوايا.
غير أن أحداً لا ينبغي أن يبالغ في تقدير ما حدث. فحذف عبارة من وثيقة لا يعني إزالة أسباب الخلاف بين الفرقاء السياسيين. القضايا الأصعب ما تزال تنتظر خلف الأكمة: الضمانات، وآليات التنفيذ، والإصلاحات السياسية، وتوازنات المرحلة المقبلة، و الوحدة الوطنية ومستقبل التعايش. وهذه الملفات هي التي ستحدد في النهاية ما إذا كان الحوار سيتحول إلى تسوية سياسية حقيقية أم إلى محطة أخرى في سلسلة الحوارات الموريتانية الطويلة.
لقد نجح الفرقاء في تجاوز العقبة الأولى. وهي خطوة لاخلاف في أهميتها. لكن الطريق ما يزال طويلاً، وما حدث هذا الأسبوع قد يكون بداية انفراج سياسي، وقد يكون مجرد تأجيل لمواجهة الحقيقية. ذلك أن حذف عبارة “المأموريات” لايعني بالضرورة تجاوز الملف، لكنه قد يعني إخراجه من جدول الأعمال الحالي. مما يمثل تنازلاً مبيّتاً لتجاوز أزمة مبكرة.
ذلك سؤالٌ استباقي لن تجيب عنه الوثيقة الجديدة، و لكن طاولة الحوار المستديرة كفيلة بالإجابة عليه.
تنبيه:
الصورة المرفقة مولدة بالذكاء الاصطناعي