العلم والقضاء والصلاح والكرم والسيادة، تلك بعضُ صفاتٍ يُركِّزها في الذهن ذكرُ الموسويينَ اليعقوبيين. يُحيل هذا الاسمُ الشهيرْ والعلم المُنير إلى وسط تسلسلَ فيه القضاء من عهد العلامة القاضي المختار بن أشفغ موسى إلى زمننا هذا، بحيث أصبحوا يرمزون للقضاء ويُشير إليهم. فقَبل أكثر مِن ثلاثة قرون، استقضَى المختارَ أميرُ اترارزة، اِعْل شنظوره بن هدي بن أحمد من دامان، وقال له قولته المشهورة: “الأرضُ أرضكم” …
وقد بلغوا مِن العِلم أن أصبح لقبُ “الطلبه” ماركةً مُسجلةً لهم، كما أشار إليه صاحبُ الوسيط حيث يقول عند الكلام على شاعر البلاد: امحمد بن الطلبه : “وإنما لقب بيته بالطلبه لأنهم كانوا أعلم أهل ناحيتهم فكانت الناس ترحل إليهم في طلب العلم” …
وفي لاميته الابتهالية الشهيرة، يقول الشاعر المُجيد محمد يڭوَ بن أحمد ميلود الفاضلِي:
أشْفغَ مُوسى والـدُ الأقــيالِ
لِلخَمـس كاليمـينِ للشـمالِ
وفي قضائهم، يقول امحمَّدْ بن أحمد يورَ في أبيات شهيرةٍ، ذكرَ فيها بنات الصالح أشفغَ أوْبَكْ بن الصالح ألفغ أمكرْ التمكلاوي -المعروفات في مناطق عديدة من القُطر الموريتاني ب”حرز المنزل”- مع الإشارة لأبنائهن، الذين منهم المختار بن أشفغ موسى، دفين ذاتِ الحي” تِنياشِلْ”، بمقاطعة “واد الناكَه”، المُتوفى عام 1139 هجرية، حوالي 1726 ميلادية :
عُج بالكبير أبي الكرام الكمـلِ
وأبي البنات وهـن حرز المنزل
فلولدن كل مجاهد ومشــاهد
سر الغيوب وكل قاض أنبـل
إلى أن يقول:
والموسويون الألى قد فصَّـلوا
حكم القضاء بكل حُكم فيصَلِ
مِن حولي، تعرفتُ مُبكراً على الحضرة الموسوية، من خلال علاقات راسخة ضاربة في القِدم، تزخر بشواهدها المنظومات والمنثورات والسرديات الشفوية وغيرها …
فمحمدْ “آبَّ العلَم” بن المختار بن أشفغ موسى كان شيخاً لِــ”محمدْ العاقلْ”، كما نقله العلامة محمد يحيى بن ابُّوهْ اليعقوبي الموسوِي عن محمد فال “ببَّها” بن محمذن وامحمدْ بن أحمد يورَ. وقد كان امحمد بن الطلبَه الموسوي على علاقة وطيدة بأحمد بن العاقل وابنه محمذن، وقد رثى امحمد بن الطلبه أحمد بشعر جميل، يقول فيه:
يا قومُ للبدرِ المُنيرِ الآفِلِ
بدرِ الدَّياجِي أحمدَ بنِ العاقلِ
يا قومُ للبدرِ المُنيرِ قد ارتدَت
مِن بعده شمسُ الضُّحَى بِغياطِلِ
يا شَدَّ ما ذا قد جناهُ مُصابُه
يا دَهْيَ أمرٍ بالعشيرةِ نازِلِ
فَلَيومُ أحمدَ أيُّ يومٍ أيْوَمٍ
ولَلَيلُ أحمدَ أيُّ يومٍ لائِلِ
وقد أورد العلامة محمد يحيى بن ابُّوه، في رحلته، مقطعاتٍ نادرةً، لم تكن معروفة لدى الجمهور، نسبها بسند عالٍ لامحمد بن أحمد يورَ، منها قوله:
قُلْ لِلَّتِي أرْسَلتْ ليْلاً تُواعِدُنا
أنا فرِحنا بما قالتْ ولوْ كذِبَا
وأنَّ قلبِيَ مِن أيَّامِ فُرقتِها
ما زالَ مُضطَرماً حِيناً ومُضْطَرِبَا
لا غروَ إنْ باتَ فِي هَمٍّ وفِي قَلَقٍ
مَنْ كانَ للمذهبِ القَيْسِيّ مُنتَسِبَا
إنَّ الإمامَ مَتَى يضربْهُ ضاربُهُ
خافَ المُؤذِّنُ ضَرْباً فوقَ ما ضُرِبَا
وفي كتاب “إخبار الأحبار بأخبار الآبار”، يقول امحمد بن أحمد يورَ عند ذكر موضع “انتفاشِيت” :
((انْتفاشِيت : وهي بئـــرٌ قديمةٌ كثرةُ الماءِ جدا. وبها مقبرة عظيمةٌ، منها العلامة النظامة: أحمد فال بن محمذن فال اليعقوبي)).
وفي “انتفاشيت” اليوم – لله الشكر والحمد – أحد مكامن العلم والتقوى والكرم الموسوية.
وفي مجال التواصل العلمي، أرسل اليعقوبيون إلى لمرابط “ببَّها” مجموعة أسئلة، تناولت مختلف العلوم المحظرية مِن عقيدة وفقه ولُغةٍ وقرآن، وقد أجاب عليها مِن خلال تأليفٍ نثريٍ سمَّاهُ “تِرياق اللسع في جواب المسائل التِّسْعْ”، يقول عنه :
إلى البهاليلِ مِن أبناءِ ألْفَغَ مُو
سَى الأكرمِين إذا ما اجْلَوَّذ الوخَمُ
هذا وإنَّ جوابَ التِّسْعِ لاحَ ولَا
كِنَّ الجوابَ جواب التِّسْعِ مُحترَمُ
ويقول الوالد، رحمة الله عليه، في آخر القصيدة التي عقد بها تلك الأجوبة:
هُنا تَمَّ نظمِي للأحاجِي مُنَسَّقاً
وما ظفِرَتْ قبلِي بِنظمٍ مُنَسَّقِ
أحاجِي بنِي يعقوبَ مَنْ أحْرَزُوا العُلا
وحازُوا على الأقرانِ كُلَّ تَفَوُّقِ
اُجِيبَتْ بِنَثرٍ فاعتَنيتُ بِعَقدِهِ
فجاءَ كَعِقدٍ في الصُّدورِ مُعَلَّقِ
صلاةٌ وتسليمٌ على البدرِ أحمدٍ
ومَن يَنْتَقِي مِنهاجَ أحمدَ مِن تَقِي
ومن شواهد التواصل بين الجانبين رسالةٌ قصيرة عريضةٌ، وجَّهها القاضي محمذن “امَّيَيْ”بن محمد فال لخليله، فضيلة القاضي محمد عبد الله بن محمد موسى اليعقوبي الموسوي، جاء فيها:
((إلى الأخ محمد عبد اللهِ مِنا ما يليق من السلام، مِن موجبه إليكمْ، بعد السؤالِ عم حالكمْ وحالِ مَن معكمْ، أنا نُحِبُّ أن تُشَرِّفُونا بِلِقاءٍ مِنكمْ لِأغْراضٍ خاصةٍ، قال:
قدْ حالَ لِي منكَ لِقاءٌ تنزَوِي
به النفوسُ في الحِسابِ العَلَوِي
والسلامُ مُعادٌ عليكم كما بدأ. مُحبكم وناصركمْ: محمذن بن محمد فالْ”.
ومِن شواهد الاهتمام المتبادل، وبالتحديد في مجال الأنساب، جاء في مخطوط بِيد القاضي حامِد بن بّبَّها ما نصه: ((وأبناء المختار بن ألفغ موسى ثلاثة أمهم سخن بنت يوقب أكبرهم أحمد تكرور ويليه محمذ الملقب بـ: “آبَّ” ثم الأمين فالمختار دفين “تنياشل” وأحمد تكرور لم يعقب ومحمذ “آبَّ” دفين “انتفاشيت”- معه ثَم أحمد فال ومحمذ فال والمختار بن أيل اليدامي – وألمين دفين “بوتيشطاي”.
ومن السرديات المتداولة أن العلامة محمد الأمين بن محمد مولود (آدَّ) بن أحمد فال اليعقوبي الموسوي قام بزيارة محمد فال “بَبَّها” بن محمذن، وكان مِن أهداف الزيارة أن يسأله عن حكم رسم القرآن في ألواح الصبيان …
وتُفيدنا القصة – في إحدى رواياتها- أن لمرابط “بّبَّها” أفاده بحُكم المسألة قبل أن يسأله، ونسبَها إلى عالِمٍ مُقرئٍ اسمه “المخلاتي”، وقد نظم العلامة محمد الأمين هذا الحكمَ المُفيدَ في أبيات سَلِسَةٍ، هي:
دُونَكَ يا مُعلِّمَ الصبيانِ
عَوناً على التَّعليمِ للقرآنِ
فإن تُرِد أن تكتُبَ الألواحا
والجُزءَ للتَّعليم، لا جُناحَا
يجوز أن تُخالِفَ المصاحِفَا
وذا الذي به وعدتُ آنِفا
ولا يجوزُ رسمُ كامِلٍ بِمَا
خالَفَ ما للشيخِ عثمانَ انتَمَى
ذكَرَ ذا مَن اسمُهُ مِثلُ “حَفِي”
وفَا ولامٍ بعدَ حَرفِ الألِفِ
وقد عزا ذلِكَ لِلمَخلاتِي
جزاهُ خيراً واهِبُ الخيراتِ
ولقد شرحَ الوالدُ، في تسجيل صوتي، نظمَي “مطهرة القلوب” و”محارم اللسان” للعلامة محمد مولود (آدَّ)، لفائدتهما -كغيرهما من مؤلفاته وأنظامه- وصِدقِ نية ناظمهما، كما عزا له في أنظامه عدةَ مسائل، من ذلك قوله في آخر نظم “امتداد وقت المغرب للشفق” :
وكلُّ ما نظمتُهُ يجُودُ
بنقلهِ مُحمدٌ مولودٌ
مَنِ ارتوَت مِن علمِهِ الوفُودُ
وعِلمُه بين الورَى “مرفودُ”
ويقول في تقريظ عمَلٍ جليل للعلامة المختار بن محمد موسى حول إنكار “مصافحة الأجانب” :
قد جرَّدَ المختارُ نجلُ مُوسَى
للدِّينِ سيفاً صارماً لا مُوسَى
لأنه أوجسَ خيفَةً على
دينِ إلهِ العرشِ جلَّ وعلَا
إلى أن يقول :
وليس رَدُّ البِدعةِ النَّكراءِ
إلا لتلكَ الحضرةِ الغرَّاءِ
للمُوسويينَ الذينَ فصَّلُوا
حُكمَ القضا، فالحُكمُ منهمْ فيصَلُ
وهُم دُعاةُ الناسِ للنَّهجِ الأسَدْ
والشِّبلُ لا يكونُ إلَّا كالأسدْ …
ومِن جديد وظريف التواصل، على “الفيسبوك”، أن الأستاذ الدكتور/ عبد الرحمن أبوه، طالَبَ – على وجه المفاكهة – بحقه في “لَرِبْعِيَه” على عدة مجموعات، مُستنِداً في ذلك إلى أشياء منها مكتوباتٌ موثوقةٌ لأعلامٍ من أهل بيتِه. وقد كانت أُسْرَتُنَا هذه – لله الحمد والشكر – مِن المجموعات التي استحقَّ عليها الدكتور عبد الرحمن “أرِبْعِيتَه”، مُعتمِداً على بعض ما سبق ذكرُه في هذه السطور.
وفي انتظارِ الوفاء بِتلك “لرِبْعِيَه”، فقد رأيتُ مِنَ المُناسِب حينَها الاعترافَ بها على وجه الفورية لا التَّراخِي، فقلتُ:
في كُلِّ يومٍ مِنَ الأيامِ قد عُلِما
حَقٌّ لكمْ يا قُضاةً سادةً عُلَما
لَقَّى الكريمُ إلهُ العرشِ أسْرتَكمْ
فضلاً مُعاصِرُكمْ فيهِ كَمَنْ قدُما
وما يُلَقَّاهُ إلا فِتيةٌ صَبَرُوا
أو فِتيةٌ حَظُّهُمْ – مِنْ حَظِّهمْ – عَظُما
وهذا قليلٌ مِن كثير، ما زال في الجانبَين حمَلَةُ مِشعله، لا خبَت مشاعلُهم، ومنهم الفتى الشابُ : محمذن آبَّه بن العلامة أحمد مولود بن تكرور، حفظه الله ورعاه ،،،
خالصُ التحايا ،،،