تخطَّ إلى المحتوى

نحو إنسانية التعدد… تأمل فلسفي في عالم دوغين متعدد الأقطاب / محمد لغظف أبتي

Lother King
3 دقائق قراءة826

في عالمٍ ينهشه جشع القطب الواحد وتستبدّ به روح السوق والآلة، ينهض ألكسندر دوغين في كتابه «نظرية العالم المتعدد الأقطاب» ليعلن تمرّد الوعي الإنساني على مركزية الغرب ونمطه الأحادي في التفكير والعيش والتأويل. فالعالم، كما يقول دوغين، لا يمكن أن يُختزل في حضارةٍ واحدة تفرض على البقية تعريفها للحقيقة والحرية والإنسان، لأنّ كل حضارة هي رؤية للوجود، وكل شعب يحمل في ذاكرته معنى خاصًا للروح وللخير وللجمال.

إنّ العصر أحادي القطب عاشته الإنسانية تحت هيمنة الثقافة الغربية، أما المستقبل فهو عالمٌ متعدد الأقطاب، حيث تنبثقُ حضاراتٌ مختلفةٌ تتنوّعُ فيها نماذجُ الإنسان والحياة والسيادة.

في هذا القول يتجلّى وعي دوغين بالتحوّل الأنطولوجي الذي يعيشه العالم. فالقطب الواحد ليس فقط نظامًا سياسيًا، بل هو ميتافيزيقا مهيمنة فرضت على البشرية معنى واحدًا للوجود: الإنسان الليبرالي-الاستهلاكي، الذي صار يقيس كلّ شيء بمعيار السوق والربح، حتى القيم والعلاقات والمعتقدات. دوغين، في المقابل، يرى أن العدالة لا تقوم على وحدة النموذج بل على تعدد المعاني، وأن الإنسانية ليست كتلة متجانسة، بل فسيفساء من الأرواح والرؤى.

حين أتأمل في هذا الكتاب كمهووسٍ بمصير الإنسان في زمن العولمة، أرى أن مشروع دوغين يتجاوز السياسة إلى فلسفة الوجود نفسه. إنّه يدعو إلى إعادة توزيع المعنى قبل إعادة توزيع القوة. فالعالم المتعدد الأقطاب، في جوهره، ليس ساحة صراع بين دول، بل حوار بين تصوّرات كبرى عن الإنسان. وهذا ما يجعل فكره أقرب إلى الفلسفة المقارنة منه إلى النظرية الجيوسياسية البحتة.

لقد فكّر الغرب في الإنسان بوصفه كائنًا حرًا فردًا، بينما تفكّر حضارات أخرى في الإنسان بوصفه كائنًا مرتبطًا بالسماء والجماعة والمصير. هذا الاختلاف، في نظر دوغين، لا ينبغي محوه باسم “الحداثة” أو “التقدم”، لأن محو الاختلاف هو أولى خطوات موت المعنى. العالم المتعدد الأقطاب هو، بهذا المعنى، عالم تعددية الوجود والمعنى، لا مجرد توزيع جغرافي للسلطة.

لكن هذا الطرح لا يخلو من تساؤلات فلسفية حرجة:

هل التعدد الحضاري قادر فعلاً على تجاوز منطق الصراع؟ وهل يمكن للحضارات أن تتجاور دون أن تسعى كل واحدة منها للهيمنة باسم رسالتها الخاصة؟ وهل من الممكن أن نؤسس لتعددٍ أخلاقي وإنساني، لا لتعددٍ صِدامي؟

من وجهت نظري ، وأنا أتأمل هذا النصّ بعينٍ نقديةٍ، أن دوغين وإن كان على حقّ في رفضه للهيمنة الأحادية، إلا أنّ مشروعه ما زال أسير تصوّرٍ قومي-حضاري للوجود. فهو يُبدّل “المركز” بمراكز، دون أن يطرح بعدًا ميتافيزيقيًا يوحّد هذا التعدد في أفقٍ روحيٍّ مشترك. فالعالم لا يحتاج إلى موازين قوى جديدة بقدر ما يحتاج إلى وعي كونيٍّ جديد يُدرك وحدة الكثرة وتنوّع الحقيقة.

من هنا أجدني أستحضر قول ابن عربي: «الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق». فكما أن للإنسان طرقًا متعددة نحو الحقّ، فكذلك للحضارات طرائق متعددة نحو المعنى. إنّ التعدد الحقيقي لا يُلغِي الوحدة، بل يثريها؛ والوحدة الحقّة لا تذيب الكثرة، بل تحتويها.

وهذا هو ما غاب عن التصورات الغربية التي جعلت “العقل الأداتي” إلهاً جديدًا يحاكم كل الثقافات، كما غاب عن بعض الرؤى الشرقية التي جعلت هويتها صنمًا يُعبد. التعدد الأصيل هو أن ندرك أن كل حضارة هي تجلٍّ من تجليات الوعي الكوني، لا نفيٌ له ولا نقيض.

إنّ الفكرة، في جوهرها، ليست دعوة إلى التطابق، بل إلى الحوار بين الوجودات. فكما أن العقل لا يتكامل إلا بالآخر، كذلك العالم لا يتوازن إلا بتعدد أقطابه، لا سياسيًا فقط، بل روحيًا وثقافيًا وإنسانيًا. عندها يمكن للإنسانية أن تنتقل من «نظام القوة» إلى نظام المعنى، ومن أحادية الرؤية إلى تنوع الحقيقة في أفق كونيٍّ مشترك، لا يُقصي أحدًا ولا يُقدّس مركزًا.

Lother King

محرّر في تقدمي

اقرأ أيضاً