في منطقة الساحل التي أضحت بؤرة للجماعات المسلحة ومجالاً للفشل الأمني المتكرر، تبرز موريتانيا كنموذج لافت. هذه الدولة الفقيرة، التي لا يتجاوز عدد سكانها أربعة ملايين ونصف، نجحت – وفق ما يصفه الصحفي الفرنسي إيان هاميل في تحقيقه المنشور بصحيفة Le Diplomate – في هزيمة الإرهاب بوسائل غير تقليدية، حيث أخفقت قوى إقليمية ودولية كبرى، وعلى رأسها فرنسا.
ففي عام 2008، تسببت التهديدات الجهادية في إلغاء رالي باريس-داكار الشهير، لكن منذ عام 2011، استطاعت نواكشوط أن تُبعد عن أراضيها خطر المجموعات المسلحة التي استوطنت معظم دول الساحل الأخرى.
بين الأمن والاعتدال الديني: صيغة موريتانيا الخاصة
يعزو التقرير هذا النجاح إلى مقاربة مزدوجة: من جهة، تطوير قدرات الجيش الموريتاني، ومن جهة أخرى، تفعيل سلاح ناعم يتمثل في الحوار الديني.
ويشير موسى ولد حامد، المدير السابق لصحيفة القلم، إلى أن السلطات الموريتانية بادرت عام 2010 إلى إطلاق حوار مباشر مع الجهاديين المسجونين، قاده علماء دين بارزون. وقد أدى هذا الحوار إلى توبة عدد كبير من المتشددين، الذين ظهروا لاحقًا في وسائل الإعلام والمساجد ينبذون العنف ويصححون المفاهيم المغلوطة عن الجهاد.
ويقول ولد حامد: “علماؤنا أكثر علماً وتأثيرًا من قادة تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، ويُنظر إليهم باحترام واسع في العالم الإسلامي”. ويضيف أن “الإسلام في موريتانيا تقليدي صارم لكنه معتدل، يرفض الغلو، وهو ما ساعد في مقاومة الفكر الجهادي”.
الصحافة تحت الضغط الاقتصادي لا السياسي
وفي سياق حديثه عن الحريات العامة، ينقل التقرير عن صحيفة القلم وصفها للمشهد الإعلامي في البلاد:
“الصحفيون لا يُسجنون ولا يُمنعون من العمل، لكنهم يعيشون في فقر مدقع”، بينما سجلت منظمة مراسلون بلا حدود تراجع موريتانيا في مؤشر حرية الصحافة من المرتبة 33 إلى 50.
مدينة شنقيط: سوربون الصحراء ومكتبة الرمال
في قلب ولاية آدرار، وعلى بعد أكثر من 500 كيلومتر من العاصمة نواكشوط، تقع مدينة شنقيط، التي يصفها التقرير بأنها الوجه الثقافي العميق لموريتانيا، و”سوربون الصحراء” بفضل ما تحتويه من مخطوطات نادرة.
تضم شنقيط، المصنفة ضمن التراث العالمي لليونسكو، آلاف المخطوطات الإسلامية، المحفوظة في منازل قديمة مبنية من الطين. ويعود تاريخ بعض هذه المخطوطات إلى القرن الحادي عشر، وقد كتبت على جلود الماعز والغزلان وبالحبر المصنوع من الفحم، وتتناول موضوعات متنوعة: من الفقه إلى الفلك، ومن الرياضيات إلى الشعر.
لكن هذه الكنوز مهددة بالاندثار بسبب زحف الرمال والتغير المناخي. يقول أحد أمناء هذه المكتبات العائلية للصحفي إيان هاميل: “في السابق، كان الابن الأكبر يُكلَّف بحراسة الكتب، لكن اليوم، الشباب يهاجرون إلى العاصمة أو الساحل بسبب غياب فرص العمل في شنقيط”.
جيش من الفقر إلى الاحتراف: التحول الأمني الموريتاني
سلّط التقرير الضوء على التحول العميق في المؤسسة العسكرية الموريتانية خلال حكم الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، الذي وصل إلى السلطة عام 2008 إثر انقلاب عسكري، وبقي حتى 2019.
وكان الجيش الموريتاني حينها – بحسب وصف مجلة Jeune Afrique – بالكاد يملك وقودًا لحراسة قطيع من الماعز! لكن خلال عقد واحد فقط، أصبح الجيش “قادرًا على حماية الحدود، التعاون مع دول الجوار، وملاحقة الإرهابيين داخل معاقلهم”، بحسب ما أكّدته مجلة Défense et Sécurité Internationale سنة 2020. وارتفع الإنفاق العسكري بنسبة 40% ليصل إلى نحو 3% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو رقم كبير بالنظر لوضع البلاد الاقتصادي.
الغريب أن المدارس الدينية التقليدية (المحاظر)، التي يخشى كثيرون أن تكون أرضية خصبة للتشدد، تحولت إلى جزء من استراتيجية المواجهة الفكرية مع الجماعات المتطرفة، عبر ترسيخ فقه الوسطية والاعتدال.
ولد عبد العزيز… من قائد مكافحة الإرهاب إلى السجن
رغم هذا التحول، لا يُحتفى اليوم بالرئيس السابق ولد عبد العزيز كبطل، بل حُكم عليه بالسجن 15 عامًا بتهم تتعلق بـ”الإثراء غير المشروع”، “استغلال النفوذ”، و”سوء استخدام الوظيفة”، في واحدة من أبرز قضايا الفساد في تاريخ البلاد.
ويعلّق الدبلوماسي الموريتاني السابق أحمدو ولد عبد الله على هذه المفارقة بالقول:
“لا أصدق أنه لم تكن هناك اتفاقيات سرية بين ولد عبد العزيز وتنظيم القاعدة، وربما تم دفع أموال لوقف الهجمات. لكن الجهاديين واصلوا أنشطتهم الاقتصادية، خاصة في تهريب المخدرات والسجائر”، مستشهدًا بتجربته حين كان مسؤولًا أمميًا في متابعة نشاط حركة الشباب في الصومال.
خاتمة: موريتانيا ليست كباقي الدول
يختم الصحفي الفرنسي تقريره بالتأكيد على أن موريتانيا ليست كغيرها من بلدان الساحل. فقد نجحت عبر مزيج من الإصلاح الأمني والحوار الديني العميق والهوية الثقافية الأصيلة، في إيجاد “وصفة شبه سحرية” لمواجهة الإرهاب وتحصين مجتمعها في بيئة جغرافية وسياسية بالغة التعقيد.
📌 المصدر: صحيفة Le Diplomate – تحقيق بعنوان “Échec au terrorisme : La potion (presque) magique de la Mauritanie”، نُشر بقلم الصحفي الفرنسي إيان هاميل، بعد عودته من موريتانيا.