كشف الوزير المكلف بالأمانة العامة للحكومة، المختار ولد عبد الله، عن شروع المندوبية العامة للوثائق الوطنية في إعداد خطة عملية لجرد الوثائق الموريتانية الموجودة في الأرشيفات العربية والإفريقية والأوروبية، تمهيدا لتحديد أماكن وجودها والعمل على استعادتها، عبر بروتوكولات تعاون مع الدول المعنية.
وقال ولد عبد الله، خلال عرض قدمه أمام البرلمان بمناسبة مناقشة مشروع قانون الوثائق الوطنية، اليوم الاثنين، إن جهود استعادة الأرشيف تشمل وثائق موجودة في البرتغال وفرنسا والسنغال وألمانيا وتركيا ومالي، إضافة إلى بلدان المغرب العربي والخليج ومصر والعراق.
وأوضح أن دائرة اهتمام المندوبية لا تقتصر على الوثائق الإدارية والسياسية، بل تشمل الأرشيف الدبلوماسي للبعثات الموريتانية في الخارج، وتراث العلماء الشناقطة في بلدان المهجر، وأرشيف رحلات الحج والزوايا الصوفية، وغيرها من مصادر الذاكرة الوطنية.
وأضاف أن المندوبية وقعت حتى الآن سبع اتفاقيات تعاون مع دول شقيقة وصديقة، تستهدف استعادة الأرشيفات الموريتانية الموجودة في بعض هذه البلدان، والاستفادة من خبرات مؤسساتها في مجالات الحفظ والصيانة وعصرنة الأرشيف.
وثائق الأوقاف الشنقيطية في الأرشيف العثماني
وفي سياق جهود استعادة الوثائق التاريخية، أعلن الوزير العمل على استعادة وثائق الأوقاف الشنقيطية في الحرمين الشريفين، المحفوظة في الأرشيف العثماني.
وأشار إلى أن المندوبية نشرت سنة 2024 كتاب «موريتانيا في الأرشيف العثماني»، كما شاركت في لجنة الخبراء المكلفة باستعادة مكتبة العلامة محمد محمود ولد اللاميد.
وقال إن المندوبية شرعت في وضع خطة لجرد الوثائق الموريتانية الموجودة في الأرشيفات العربية والإفريقية والأوروبية، مؤكدا أن تنفيذها يتطلب توقيع بروتوكولات تعاون مع الدول المعنية لضمان إنجاز عملية الجرد على الوجه المطلوب.
حصر الأرشيف لدى المؤسسات الحكومية والسلطات الجهوية
وعلى المستوى الداخلي، كشف ولد عبد الله عن توجه لتوسيع التنسيق مع مختلف مؤسسات الدولة من أجل حصر الوثائق وحمايتها، مشيرا إلى أن المندوبية تعمل مع جميع القطاعات الوزارية والهيئات الدستورية والمؤسسات العمومية لاتخاذ الإجراءات الكفيلة بحفظ وثائقها وفهرستها، تمهيدا لتحويلها إلى الأرشيف الوطني.
وأضاف أن هذا المسار يشمل أيضا التنسيق مع السلطات الجهوية لمعاينة الأرشيف الموجود في الولايات والمقاطعات، والوقوف على وضعية الوثائق واحتياجات حفظها وتنظيمها.
وأوضح أن هذه الجهود تندرج ضمن رؤية شاملة لتحديث الأرشيف الوطني، لا تقتصر على الوثائق الورقية، بل تشمل الأرشيف السمعي البصري والتراث المروي، وتسعى إلى صيانة الأرشيف الموجود على المستويين المركزي والجهوي، واسترجاع ما فقد منه أو نقل إلى الخارج.
ترقية المؤسسة وبناء دار جديدة للأرشيف
واستعرض الوزير جملة من الإجراءات التي اتخذتها السلطات لتطوير منظومة الأرشيف، من بينها ترقية مديرية الوثائق الوطنية إلى مندوبية عامة، وتعزيز إطارها التشريعي، وتحسين خبرات القائمين عليها، وتوسيع شراكاتها الخارجية.
وأشار إلى بناء وتجهيز دار جديدة للأرشيف الوطني، وفق مواصفات فنية تتعلق بأنظمة الحماية والإنارة والتهوية والطاقة الاستيعابية، موضحا أن اختيار موقعها راعى التوفيق بين متطلبات تأمين الوثائق وتمكين الباحثين والجمهور من الوصول إليها.
كما تحدث عن تركيب وتشغيل مختبرات متخصصة في التعقيم والترميم والرقمنة والتجليد، واستكمال تحويل المكاتب الإدارية، والشروع في تهيئة الأرشيفات تمهيدا لنقلها إلى المبنى الجديد.
وقال إن هذه المنشأة تمثل جزءا من جهود تحديث البنية التحتية للأرشيف، وتوفير الظروف الفنية اللازمة لحفظ الوثائق التاريخية والإدارية من التلف والضياع.
تكوين 25 فنيا وإعداد دليل لتسيير الوثائق
وفي مجال تطوير الكفاءات، أعلن الوزير تكوين 25 فنيا في مجال الوثائق بالتعاون مع هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية العمانية، إلى جانب إعداد دليل مختصر لتسيير الوثائق الإدارية.
وأضاف أن المندوبية نظمت ورشات تدريبية لمسيري الأرشيفات القطاعية والجهوية، فضلا عن ورشات موجهة لمسيري مكتبات مدائن التراث، ونشرت تقارير تتعلق بالأنشطة التكوينية في مجال الأرشيف.
كما أشار إلى استكمال مشروع قانون الأرشيف الوطني، باعتباره أحد المكونات الأساسية للإصلاح التشريعي الذي يستهدف تحديث قواعد جمع الوثائق وحفظها وتسييرها وإتاحتها.
معارض تاريخية ورقمنة الملفات الأرشيفية
وفي إطار التعريف بالذاكرة الوطنية، استعرض ولد عبد الله تنظيم المندوبية معارض بمناسبة ذكرى الاستقلال الوطني ومهرجانات مدائن التراث، والمشاركة في تظاهرات وطنية ودولية، من بينها أنشطة المجلس العربي للأرشيف ولجنة ذاكرة العالم.
كما نظمت المندوبية أياما مفتوحة لصالح المؤسسات التعليمية بالتزامن مع معارض مدائن التراث، وورشات تدريبية للتعريف بأهمية الأرشيف وطرق المحافظة عليه.
وأشار الوزير كذلك إلى الشروع في رقمنة الملفات الأرشيفية التاريخية، بهدف ضمان حفظها وتسهيل الوصول إليها والاستفادة منها في البحث العلمي والتاريخي.
الأرشيف وشفافية الإدارة وحماية الذاكرة الوطنية
وأكد الوزير أن الأرشيف يمثل أداة لحفظ حقوق الأفراد والهيئات، وتسهيل عمل الإدارة العمومية في مجالات الرقابة والمتابعة والتقييم والمحاسبة، فضلا عن دوره مصدرا للبحث العلمي والتاريخي وركيزة من ركائز الهوية والذاكرة الوطنية.
وقال إن النهوض بالوثائق الوطنية وعصرنتها وتوظيفها في حفظ الذاكرة وتحسين الأداء الإداري وتعزيز الشفافية ودعم البحث العلمي يتطلب تشريعات تضمن تحقيق هذه الأهداف.
وتأتي هذه الجهود بالتزامن مع مشروع القانون الجديد المتعلق بالوثائق الوطنية، الذي يهدف إلى إرساء إطار قانوني موحد ينظم جمع الأرشيف الوطني وتسييره وحفظه وحمايته وإتاحته، بما يشمل الوثائق الورقية والإلكترونية والسمعية البصرية.