قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن العالم متعدد الأقطاب أصبح واقعا، معتبرا أن أفريقيا تبرز بصورة متزايدة باعتبارها أحد مراكز الثقل في الاقتصاد والسياسة العالميين، في ظل امتلاكها موارد طبيعية كبيرة وإمكانات ديموغرافية وموقع استراتيجي على طرق التجارة الدولية.
وأضاف بوتين، في كلمة خلال افتتاح أعمال القمة الروسية الإفريقية والمنتدى الاقتصادي والإنساني المصاحب لها في موسكو، اليوم الأربعاء، أن المرحلة الحالية تشهد تحولات واسعة في النظام الدولي، وأن الحقبة التي كانت فيها مجموعة محدودة من الدول تحدد مصائر القارات الأخرى تقترب من نهايتها، وفق تعبيره.
وأكد الرئيس الروسي أن التحولات الجارية تفتح المجال أمام نظام دولي أكثر عدالة، تكون فيه أصوات جميع الدول مسموعة، مشيرا إلى أن موسكو ترى أن تعزيز الشراكات بين الدول على أساس المساواة والاحترام المتبادل يمثل مدخلا للتعامل مع التحديات الأمنية والاقتصادية العالمية.
تعاون اقتصادي وتقني واسع
وقال بوتين إن المنتدى الروسي الإفريقي يركز على مجموعة واسعة من المجالات الاقتصادية والإنسانية، تشمل الطاقة والصناعة والزراعة والنقل والطاقة النووية السلمية والتكنولوجيات المتقدمة والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والفضاء.
وأضاف أن البرنامج يتضمن كذلك بحث التعاون في مجالات التعليم والصحة والعلوم والثقافة والإعلام، فضلا عن تعزيز التفاعل بين المنظمات الشبابية ومؤسسات المجتمع المدني في روسيا والدول الإفريقية.
وأعرب عن أمله في أن تسفر المناقشات عن اتفاقيات ملموسة وتفاهمات تجارية وعقود جديدة، بما يسهم في توسيع العلاقات الاقتصادية وتعزيز المصالح المشتركة بين الجانبين.
وأشار إلى أن الموضوعات المطروحة تتوافق مع أولويات التنمية الاجتماعية والاقتصادية في الدول الإفريقية، معتبرا أن نجاح التعاون يتطلب الانتقال من الحوار السياسي إلى تنفيذ مشروعات عملية في القطاعات الإنتاجية والخدمية.
بوتين يستشهد بتجربة مجموعة بريكس
وفي حديثه عن التحولات في الاقتصاد العالمي، أشار بوتين إلى مجموعة بريكس باعتبارها أحد الأطر الدولية التي تعكس صعود مراكز اقتصادية جديدة، موضحا أنها تجمع دولا من آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط.
وقال إن المجموعة تمثل نموذجا للتعاون بين دول تختلف في أنظمتها التنموية وتقاليدها الدينية والثقافية، لكنها تتبنى، بحسب وصفه، مبادئ المساواة والاحترام والتنسيق في مواجهة التحديات الدولية.
وأضاف أن دول بريكس أنتجت أكثر من 40 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي خلال السنوات الخمس الماضية، مقابل أقل من 30 بالمئة لمجموعة السبع، متوقعا استمرار نمو حصة الاقتصادات النامية في النشاط الاقتصادي العالمي.
وربط بوتين هذا التحول بالدور المتزايد الذي يمكن أن تؤديه إفريقيا، في ضوء ما تمتلكه من ثروات طبيعية وموارد بشرية وإمكانات تجارية، قائلا إن القارة تشهد ما وصفه بـ«صحوة صناعية جديدة»، بالتزامن مع تعزيز سيادتها واتساع نفوذها الدولي.
وأضاف أن الأفارقة يمتلكون إرادة متزايدة للدفاع عن مصالحهم وتحديد مستقبلهم ومسارات التنمية الخاصة بهم، في إشارة إلى تنامي الدعوات الإفريقية إلى تنويع الشراكات الاقتصادية وتقليص الاعتماد على الخارج.
انتقادات للسياسات الغربية والديون
وفي المقابل، اتهم الرئيس الروسي دولا غربية بمقاومة التحولات نحو نظام دولي متعدد الأقطاب، قائلا إن بعض الدول لا تزال تتعامل مع العلاقات الدولية بمنطق الحقبة الاستعمارية وتسعى إلى تحقيق مكاسب على حساب الدول الأخرى.
وانتقد استخدام الرسوم الجمركية والعقوبات الاقتصادية والضغوط والتدخل في الشؤون الداخلية للدول، معتبرا أن هذه الأدوات تعرقل بناء علاقات دولية قائمة على المساواة.
كما حذر من الشروط التي قال إن بعض الدول الغربية تفرضها على التمويلات الموجهة إلى إفريقيا، معتبرا أنها قد تدفع الدول المستفيدة إلى تحمل أعباء مالية متزايدة على حساب خططها التنموية طويلة الأجل.
واستشهد بوتين بتصريحات سابقة للرئيس البوركيني الراحل توماس سانكارا، الذي وصف الديون بأنها شكل من أشكال الاستعمار الجديد، معتبرا أن هذه المقاربة لا تزال، بحسب قوله، ذات صلة بالتحديات التي تواجهها الدول الإفريقية.
وقال إن آثار الحقبة الاستعمارية ما زالت واضحة في البنية الاقتصادية للقارة، مشيرا إلى أن كثيرا من شبكات البنية التحتية أُنشئت خلال تلك المرحلة لتسهيل نقل المواد الخام إلى الدول المستعمرة، بدلا من دعم التكامل الاقتصادي الداخلي.
وأضاف أن القيمة المضافة للصناعات التحويلية في إفريقيا لا تزال محدودة، وفقا للأرقام التي أوردها، كما أن التجارة بين الدول الإفريقية تمثل حصة صغيرة من إجمالي مبادلاتها التجارية السنوية.
وفي هذا السياق، أشار إلى أن حجم التداول التجاري السنوي للدول الإفريقية يبلغ نحو 1.5 تريليون دولار، فيما لا تتجاوز المعاملات التجارية داخل القارة 15 بالمئة من الإجمالي، وفق البيانات التي استشهد بها.
واعتبر أن منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية تمثل خطوة مهمة نحو تعميق التعاون الصناعي والتجاري بين الدول الإفريقية، وتعزيز استقلالها الاقتصادي وتقليل اعتمادها على الأسواق الخارجية.
روسيا تدعو إلى تخفيف أعباء الديون وإصلاح المؤسسات المالية
وقال بوتين إن روسيا تشارك في جهود تهدف إلى تحسين الأوضاع المالية للدول الإفريقية وتخفيف أعباء الديون، مشيرا إلى وجود برامج مشتركة مع عدد من الدول لاستخدام موارد مرتبطة بالديون في تمويل مشروعات وطنية للنمو الاقتصادي.
كما أكد دعم موسكو لتعزيز دور الدول الإفريقية في إدارة المؤسسات المالية الدولية والمشاركة في اتخاذ القرارات الرئيسية، خصوصا داخل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
ودعا إلى إصلاح هذه المؤسسات وإعادة توجيه سياساتها بما يتناسب مع احتياجات الاقتصادات النامية، معتبرا أن الدول الإفريقية تحتاج إلى آليات تمويل تتيح لها تحديد أولويات الإنفاق والاستثمار وفقا لاحتياجاتها الوطنية.
وأضاف أن القارة بحاجة إلى تعبئة رؤوس أموال واستثمارات طويلة الأجل في قطاعات الطاقة والصناعة والنقل والخدمات اللوجستية، بما يساعدها على تجاوز آثار الإرث الاستعماري وتحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
وشدد على أن الاستقلال الاقتصادي يمثل عنصرا أساسيا في السيادة الوطنية، إلى جانب السيطرة على الأراضي والحدود، واستقرار الأنظمة السياسية والمالية، وضمان الأمن الغذائي والمائي وتوفير الطاقة وشبكات النقل والاتصالات.
السيادة التكنولوجية في صدارة الأولويات
وفي محور آخر، قال بوتين إن مفهوم السيادة الوطنية لم يعد مقتصرا على الجوانب السياسية والجغرافية والاقتصادية التقليدية، بل أصبح يشمل القدرة على التحكم في التكنولوجيا والبنية التحتية الرقمية وحماية البيانات.
وأوضح أن التطور السريع في مجالات الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية والأنظمة المستقلة جعل السيادة التكنولوجية والأمن السيبراني من القضايا الأساسية بالنسبة إلى الدول الحديثة.
وأضاف أن حماية البيانات الشخصية وضمان أمن الشبكات والبنية التحتية السحابية وتطوير المنصات الرقمية ونماذج الذكاء الاصطناعي أصبحت عناصر مؤثرة في عمل الاقتصاد والإدارة الحكومية وقطاعات الأعمال والصحة والتعليم.
واعتبر أن امتلاك هذه القدرات يسهم في حماية المصالح الوطنية وضمان استمرارية الخدمات الأساسية وتحسين مستوى معيشة السكان.
وأكد أن روسيا اختارت منذ فترة العمل على تعزيز سيادتها التكنولوجية، مشيرا إلى أن بلاده حققت نتائج في هذا المجال، دون أن يقدم في الجزء المتاح من الكلمة تفاصيل إضافية عن تلك النتائج.
وتعكس تصريحات بوتين توجها روسيا نحو توسيع علاقاتها مع الدول الإفريقية عبر مسارات اقتصادية وتقنية وإنسانية، بالتوازي مع طرح رؤية سياسية تدعو إلى إعادة توزيع النفوذ داخل النظام الدولي وتعزيز دور الاقتصادات النامية في المؤسسات متعددة الأطراف.
ويضع هذا التوجه التعاون في مجالات التصنيع والطاقة والبنية التحتية والتمويل والتكنولوجيا في صلب الشراكة الروسية الإفريقية، في وقت تسعى فيه دول القارة إلى تنويع مصادر الاستثمار والتعاون الخارجي، وتوسيع قدراتها الإنتاجية والتجارية، وتعزيز استقلالها في اتخاذ القرارات الاقتصادية والتنموية.