تخطَّ إلى المحتوى

ولد امبارك: تصعيد مالي يهدد بموجات نزوح جديدة نحو موريتانيا

Elhoussein tourad
6 دقائق قراءة39

قال أحمد ولد امبارك، الخبير في الشؤون الأمنية ورئيس مركز ديلول للدراسات الاستراتيجية، إن المعارك الدائرة في وسط مالي تدور بشكل أساسي حول حركة السكان وطرق التجارة والاتصال بين مناطق البلاد، معتبراً أن استهداف هذه المناطق وما يرافقه من عمليات عسكرية يدفع السكان إلى النزوح ويؤدي إلى عمليات تهجير واسعة.

وأكد ولد امبارك، في مقابلة مع قناة TTV ضمن النشرة التحليلية، أن ما وصفه بالاختراق الكبير الذي شهدته مناطق عدة خلال السنوات الماضية ارتبط، من بين عوامل أخرى، بما تعرض له السكان من انتهاكات، مشيراً إلى أحداث وقعت في عام 2021 وأسفرت، وفق ما وثقته تقارير خبراء مجلس الأمن الدولي، عن مقتل نحو 500 شخص.

وأوضح أن تلك الأحداث استغلها زعيم كتيبة ماسينا، أمادو كوفا، في استقطاب السكان والشباب وحشدهم لحمل السلاح، معتبراً أن ما جرى أدى إلى تراكم حالة من الانتقام، خصوصاً أن الدولة المالية، بحسب تقديره، اتبعت تاريخياً أسلوب الانتقام من بعض سكانها، وهو ما قد يؤدي إلى مزيد من التوتر والعنف.

وأشار إلى أن الجماعات المسلحة في مالي لا ترتدي زياً عسكرياً ولا تعمل دائماً ضمن تشكيلات عسكرية واضحة يمكن التعامل معها وفق قواعد الحرب التقليدية، معتبراً أن ذلك يزيد من الضبابية المحيطة بردود الفعل العسكرية ويضاعف من المخاطر التي يتعرض لها السكان المدنيون.

وأضاف أن استمرار العمليات العسكرية سيدفع السكان إلى الهروب من مناطق وسط مالي باتجاه الشمال، ثم إلى الدول المجاورة، وخصوصاً موريتانيا، معتبراً أن حركة النزوح ستكون واحدة من أبرز تداعيات التصعيد العسكري المتواصل.

ورداً على سؤال حول ما إذا كانت الأزمة المالية تنتقل من الأطراف الشمالية إلى قلب البلاد، وما يعنيه ذلك لمستقبل الدولة ووحدة المجال الأمني، قال ولد إمبارك إن التاريخ يعيد نفسه، مستحضراً العملية العسكرية الفرنسية «سيرفال» ثم «برخان»، عندما كان مقاتلو جماعة أنصار الدين بقيادة إياد أغ غالي، الذي يقود حالياً جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، قد وصلوا إلى مناطق كانت تبعد نحو 600 كيلومتر عن باماكو، وكان يُنظر حينها إلى أنهم أصبحوا على أبواب العاصمة.

وأوضح أن الوضع الحالي أكثر خطورة، لأن الجيش المالي يعاني، بحسب تقديره، حتى في المناطق المحيطة بالعاصمة، مشيراً إلى أن قاعدة كاتي العسكرية، التي وصفها بأنها من أكبر القواعد العسكرية، تعرضت للاحتلال المؤقت، كما أن العملية الأخيرة التي يجري الحديث عنها وقعت على مسافة تقدر بنحو 40 كيلومتراً من العاصمة.

وأكد أن الفرق الأساسي بين الوضع الحالي وما كان قائماً خلال التدخل الفرنسي يتمثل في تعدد الأطراف الدولية المنخرطة في المشهد المالي، موضحاً أن العالم أصبح يتصارع على النفوذ في هذه المنطقة، وأن الدول تتبادل الأدوار والتحالفات، بحيث تنتقل دولة من موقع إلى آخر، وهو ما يزيد تعقيد الأزمة.

وقال إن السؤال المطروح هو ما إذا كان المجتمع الدولي سيتحرك من أجل إنقاذ نفسه وإنقاذ المنطقة والشعب المالي، لأن تداعيات الفوضى في مالي، بحسب تقديره، لن تقتصر على الداخل المالي، بل ستنعكس على الدول والقوى المتدخلة في الأزمة.

وأشار إلى روسيا والولايات المتحدة وفرنسا، إضافة إلى الدول الإقليمية وتركيا، باعتبارها أطرافاً معنية بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالتطورات في مالي، محذراً من أن انهيار الدولة المالية ودخولها في حالة من الفوضى يمكن أن يوفر بيئة جديدة لتنظيمي داعش والقاعدة، على غرار ما حدث في أفغانستان.

ودعا المجتمع الدولي إلى التوقف عند هذه التطورات ودراسة سبل وقف العنف في المنطقة وإنقاذ الشعب المالي، معتبراً أن اليوم الوطني لمالي يجب أن يكون مناسبة للتأمل في مستقبل البلاد والبحث عن طريق يمكن أن يوقف التدهور.

وشدد على أن سقوط مالي ستكون له، بحسب تقديره، تداعيات خطيرة على الجميع، وليس على الشعب المالي وحده.

وحول التداعيات المباشرة للتصعيد على موريتانيا، أمنياً وإنسانياً واقتصادياً، قال ولد إمبارك إن موريتانيا تمثل البوابة الرئيسية أمام السكان الفارين من مناطق الصراع بحثاً عن منطقة آمنة، وبالتالي فإن التطورات الجارية في مالي تستوجب، في رأيه، مزيداً من الانتباه والاستعداد داخل موريتانيا.

وأشار إلى خطاب الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني قبل أيام، عندما طرح سؤال «إلى أين تتجه موريتانيا؟»، معتبراً أن هذا السؤال ينبغي ربطه بالواقع المتدهور في مالي وبالاحتمالات التي قد تنتج عنه.

وأضاف أن السؤال بالنسبة لموريتانيا هو ما إذا كانت الدولة قادرة على الصمود أمام الارتدادات والموجات الكبيرة من السكان في حال اتسعت الأزمة المالية، وما إذا كانت قادرة على استيعاب أعداد كبيرة من النازحين واللاجئين الذين قد يتجهون إلى أراضيها.

كما حذر من احتمال أن تتسلل ضمن موجات النزوح عناصر متطرفة أو جهات مرتبطة بأجهزة استخبارات خارجية، معتبراً أن بعض الدول قد لا تكون لديها مصالح تتوافق مع مصالح موريتانيا، وقد تسعى إلى تحقيق أهداف استراتيجية أو القيام بما وصفه بالانتقام الاستراتيجي ضد دول غربية، الأمر الذي قد يجعل الأراضي الموريتانية جزءاً من تداعيات الصراع الإقليمي.

وتساءل عما إذا كانت موريتانيا قد أعدت نفسها بما يكفي لمواجهة هذه الاحتمالات، قائلاً إنه لا يعتقد أن البلاد مستعدة بالشكل الكافي لهذه النقطة.

وبشأن احتمال أن تؤدي موجات النزوح الجديدة إلى تغيير طبيعة التحديات في الحوض الشرقي والمناطق الحدودية، أوضح ولد إمبارك أن الوضع الإنساني للاجئين الموجودين حالياً في مخيمات الحوض الشرقي يمثل تحدياً كبيراً في حد ذاته.

وأشار إلى مخيم «بركهن» الذي قال إن عدد اللاجئين فيه يبلغ نحو 121 ألفاً، وإلى تجمعات أخرى في مناطق مثل دوينكار وأغور، مضيفاً أن عدد اللاجئين في 71 تجمعاً يبلغ، وفق الأرقام التي أوردها، نحو 171 ألف شخص، فضلاً عن تجمعات أخرى في الحوض الغربي.

وأكد أن البرامج الدولية عاجزة، بحسب تقديره، عن تقديم الدعم الكافي لهؤلاء اللاجئين، مشيراً إلى أن حجم الدعم والمساعدات لا يتجاوز في أفضل حالاته نسبة 20% من احتياجات أو أعداد اللاجئين، وخصوصاً في ما يتعلق بالمساعدات الغذائية في مخيم بركهن.

وقال إن الوضع سيصبح أكثر صعوبة إذا تضاعفت أعداد اللاجئين نتيجة موجات نزوح جديدة من مالي، لأن البرامج الدولية الحالية والتمويل الذي توفره الجهات الخارجية لن يكونا كافيين لاستيعاب الأعداد الإضافية.

وأضاف أن تأثير ذلك سيكون مباشراً على السكان، سواء من الناحية الإنسانية أو على مستوى الموارد المختلفة، مشيراً إلى أن زيادة أعداد اللاجئين ستفرض ضغوطاً إضافية على المناطق الحدودية وعلى الخدمات والموارد المتاحة.

ودعا الدولة الموريتانية إلى رفع مستوى التحذير من تداعيات الأزمة، وطرح الموضوع على المستوى الدولي، مقترحاً أن تدعو إلى عقد مؤتمر دولي للبحث عن حل للأزمة المالية.

كما اقترح العمل على إنشاء منطقة محايدة في شمال مالي برعاية الأمم المتحدة، مع فرض حظر جوي عليها، مستشهداً بتجارب مماثلة شهدتها دول أخرى.

وأوضح أن الهدف من ذلك، وفق تصوره، هو توفير مأوى آمن لموجات النازحين داخل الأراضي المالية نفسها، بدلاً من دفعهم إلى عبور الحدود نحو الدول المجاورة، مشيراً إلى اتساع مساحة الأراضي المالية التي لا تسيطر القوات الحكومية إلا على جزء محدود منها.

وأكد أن مثل هذا الخيار يمكن، في رأيه، أن يوفر مساحة لاستيعاب النازحين داخل مالي ويخفف الضغط عن دول الجوار، وفي مقدمتها موريتانيا، في ظل استمرار العمليات العسكرية واتساع نطاقها.

Elhoussein tourad

محرّر في تقدمي

اقرأ أيضاً