تخطَّ إلى المحتوى

ولد امبارك: هجمات «نصرة الإسلام والمسلمين» تكشف تحولاً خطيراً في حرب مالي

Elhoussein tourad
7 دقائق قراءة53

قال أحمد ولد امبارك، الخبير في الشؤون الأمنية ورئيس مركز ديلول للدراسات الاستراتيجية، إن تزامن استهداف معسكر جيورا ومطار سيفاري ومعسكر كونا يكشف تحولاً جذرياً في العقيدة القتالية لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، التي انتقلت، وفق تقديره، من نمط حرب العصابات والعمليات غير النمطية إلى تنفيذ عمليات عسكرية مركبة ومتزامنة.

وأكد ولد امبارك، في مقابلة مع قناة TTV ضمن النشرة التحليلية، أن الجماعة لم تعد تكتفي بعمليات معزولة أو تفجير العبوات الناسفة، وإنما باتت تخطط لمعركتها على أساس جغرافي متزامن، معتبراً أن هذا التحول يكشف تطوراً خطيراً في طبيعة عملياتها.

وأشار إلى أن ما يجري يوحي بوجود تخطيط عسكري للجماعة يتجاوز الأسلوب المعتاد لدى الميليشيات، موضحاً أن العملية بدأت بالهجوم على إحدى القواعد الرئيسية، وأسفرت عن اعتقال أكثر من مئة شخص، إضافة إلى سقوط أعداد كبيرة من القتلى، قبل أن تنتقل العمليات إلى استهداف قاعدة سيفاري، التي وصفها بأنها أكبر قاعدة عسكرية في وسط مالي.

وأوضح أن استهداف قاعدة سيفاري بعدد من الصواريخ أدى، بحسب تقديره، إلى شل قدرة المنطقة العسكرية الخامسة الموجودة في سيفاري على التدخل لصالح الوحدات التي كانت تخوض القتال، مضيفاً أن المؤشرات المتوفرة، وخاصة أعداد القتلى والأسرى، توحي بأن الجماعة تمكنت من السيطرة على الوحدة المستهدفة بشكل كامل.

وأكد أن استمرار هذا النوع من العمليات يمكن أن يؤدي إلى فرض نفوذ الجماعة على مناطق واسعة وحرمان الدولة المالية من حرية التحرك، مشيراً إلى أن العمليات لم تعد محصورة في مناطق بعيدة، وإنما امتدت إلى ضواحي العاصمة باماكو نفسها.

وقال إن العملية التي وقعت في وسط مالي تحمل أهمية خاصة من الناحية التاريخية والجغرافية والإثنية، باعتبار أن المنطقة تمثل تاريخياً موطناً تقليدياً لإمارة ماسينا التي قامت في القرن التاسع عشر، كما أن نسبة كبيرة من سكانها تنتمي إلى إثنية الفولان، معتبراً أن البعد الإثني يمثل أحد العوامل المحركة للحرب الدائرة في مالي.

وأضاف أن وقوع هذه العمليات في تلك المنطقة يوضح، في رأيه، تغيراً في أسلوب الجماعة، ويطرح تساؤلاً حول إمكانية أن تنتقل في المستقبل من مجرد تنفيذ الهجمات إلى إقامة مناطق تطلق عليها إمارة، وتحدد لها عاصمة، وتتمكن من فرض سيطرتها على مناطق جغرافية واسعة.

واستحضر في هذا السياق ما حدث في شمال مالي عندما تمكنت الجماعات المسلحة من السيطرة على كيدال وتحويلها إلى قاعدة انطلاق لعملياتها، متسائلاً عما إذا كانت التطورات الحالية قد تقود إلى ظهور إمارة إسلامية جديدة في هذه المنطقة من العالم، وما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات مباشرة على الإقليم والمجتمع الدولي.

وحول الدلالات العسكرية لاستمرار استهداف مطار سيفاري وأهمية الموقع في منظومة الجيش المالي، أوضح ولد إمبارك أن المطار يتمتع بأهمية كبيرة من عدة جوانب، لأنه يمثل نقطة تربط شمال مالي بالدولة المركزية، ويضم قاعدة جوية رئيسية، إضافة إلى وجود عدد كبير من الطائرات المسيرة.

وأشار إلى أن تدمير المطار أو شل جزء من قدرته العملياتية سيكون له تأثير مباشر على العمليات الجوية التي ينفذها الجيش المالي، موضحاً أن الحرب في مالي تدار، وفق البيانات المتتالية الصادرة عن الجيش، من خلال عمليات جوية تستهدف الجماعات المسلحة التي تقاتله.

وأكد أن أهمية قاعدة سيفاري تكمن بالتالي في أن تعطيلها أو تدمير جزء من قدراتها سيؤثر بشكل كبير على قدرة الجيش المالية الجوية، ويمكن الجماعات المسلحة، وبالأخص جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، من فرض سيطرة جغرافية على مناطق معينة نتيجة تراجع قدرة القوات الجوية على التحرك والتدخل.

وفي ما يتعلق بقدرة الجماعة على مهاجمة مواقع عسكرية محصنة رغم العمليات التي ينفذها الجيش المالي بدعم من الفيلق الإفريقي الروسي، قال ولد إمبارك إن طبيعة العمليات القتالية التي تنفذها نصرة الإسلام والمسلمين تعطي مؤشرات، بحسب تقديره، على وجود دور لجهات خارجية مكن الجماعة من الوصول إلى التكنولوجيا التي تحتاجها لتنفيذ مثل هذه العمليات.

وأوضح أن قصف مطار عسكري محصن وقواعد عسكرية محصنة ومجهزة بوسائل دفاع لا يمكن، وفق تقديره، أن يتم بسهولة من جانب جماعات مسلحة من دون الحصول على دعم خارجي وتقنيات متطورة، خصوصاً في ما يتعلق بتحديد الإحداثيات بدقة وتشغيل الوسائل التقنية المستخدمة في القصف.

وأشار إلى أن التكنولوجيا التي ظهرت في هذه العمليات تبدو، بحسب قراءته، حاضرة بصورة واضحة، وهو ما يفتح الباب أمام التساؤل حول الجهات التي يمكن أن تكون قد ساعدت الجماعة في الوصول إلى هذه القدرات.

وبشأن تضارب أرقام الخسائر وغياب حصيلة رسمية مفصلة، قال إن الدعاية ووسائل الحرب النفسية لا يمكن فصلها عن المعركة، لأنها أصبحت جزءاً من طبيعة الحرب نفسها.

وأضاف أن الطرف الذي يستطيع دعم دعايته بتأثير حقيقي على الميدان يكون أكثر قدرة على كسب الأنصار والحاضنة الاجتماعية، معتبراً أن خطورة الوضع تكمن في أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين أصبحت، بحسب تقديره، قادرة على الوصول إلى مناطق داخل العاصمة باماكو من خلال مؤيدين لها.

وأشار إلى أن بعض المواقع تحدثت عن وجود شكوك حتى داخل الجيش المالي، وعن شكوك متبادلة بين أفراده، بشأن احتمال تزويد الجماعة بإحداثيات ومعلومات حساسة، لكنه شدد على أن الدعاية أصبحت حاضرة بقوة في هذا الصراع، إلى جانب الإعلام والذكاء الاصطناعي، من خلال استخدام الصور والمواد الرقمية في التأثير على الرأي العام.

وأوضح أن الواقع الميداني، بعيداً عن الدعاية، يبرهن في رأيه على أن الجيش المالي لا يمتلك المبادرة في الوقت الحالي، وأنه يتعرض لنزيف مستمر.

وقال إن ذلك يأتي في وقت كانت فيه مالي تحيي يومها الوطني في الثاني والعشرين من سبتمبر، مضيفاً أن الجيش الذي يفترض أن يكون في هذا اليوم في موقع الاحتفال يعاني، وفق وصفه، من خسائر ونزيف، مشيراً إلى أن الصور المتداولة عن العمليات العسكرية لا يمكن فصلها عن هذه المناسبة.

وحول ما إذا كان التصعيد يعكس عجزاً استخباراتياً وعملياتياً لدى الجيش المالي، أم أنه يعكس تغيراً في قدرات الجماعة ووسائلها وانتشارها، أكد ولد إمبارك أن دور الاستخبارات أصبح بادياً للعيان من خلال قدرة الجماعات التي تقاتل الجيش المالي، سواء جبهة تحرير أزواد أو جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، على تنفيذ عمليات متكررة ضد مواقع عسكرية مهمة.

وأشار إلى أن ذلك لا يقتصر على العملية الأخيرة، مستشهداً بعملية وقعت في الخامس والعشرين من أبريل الماضي واستهدفت أكبر قاعدة عسكرية، وأسفرت عن مقتل وزير الدفاع المالي صاديو كامارا، بينما تمكن الرئيس من الانسحاب من مكان العملية.

وقال إن هذه الوقائع تعطي مؤشراً، في تقديره، على أن الأجهزة الاستخباراتية لدى الطرف المالي والقوات الداعمة له قاصرة عن تقدير قدرات الخصوم وكشف تحركاتهم في الوقت المناسب.

وأضاف أن استمرار دعوات الجيش المالي للسكان إلى توخي اليقظة والإبلاغ عن كل ما يشتبهون فيه يعطي مؤشراً آخر، بحسب تقديره، على وجود قصور كبير في الجانب الاستخباراتي.

وأوضح أن خصوصية الحرب في مالي تتمثل أيضاً في كونها حرباً داخل شعب واحد، مشيراً إلى أن السكان الذين يفترض أن يشكلوا الحاضنة الطبيعية للدولة والجيش لم يعودوا جميعاً مقتنعين بأداء الجيش المالي.

وقال إن الأمر لا يقتصر، بحسب تقديره، على إثنيات معينة، بل إن بعض أبناء إثنية البامبارا أيضاً لم يعودوا مقتنعين كثيراً بأداء الجيش، وهو ما قد يؤدي إلى ظهور ميول لدى بعض السكان نحو الطرف الذي يحقق انتصارات ميدانية.

وأضاف أن الطرف الذي يحقق الانتصار يحظى، من الناحية الاستخباراتية، بميزة إضافية، لأن السكان قد يصطفون حوله أو يقدمون له المعلومات، خصوصاً من جانب عامة الناس، وهو ما يعزز قدرته على معرفة تحركات القوات الحكومية.

وحول مدى قدرة الجماعة على تحويل الضغط العسكري إلى نفوذ سياسي واجتماعي داخل المناطق المستهدفة، قال ولد إمبارك إن هذا النفوذ أصبح، في رأيه، بادياً من خلال قدرة الجماعات المسلحة على الاقتراب من النقاط المستهدفة وتنفيذ عملياتها دون أن تتمكن القوات الحكومية من اكتشاف تحركاتها مسبقاً.

وأوضح أن الجماعة، لولا وجود سكان موالين لها أو سكان يغضون الطرف عن تحركاتها، لما استطاعت الاقتراب من المواقع العسكرية وتنفيذ مثل هذه العمليات دون أن يكون الجيش المالي والقوات الداعمة له على علم مسبق بتحركاتها.

وأكد أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في تحقيق الجماعة مكاسب عسكرية، وإنما في ما يمكن أن يحدث بعد ذلك، وكيف ستقوم هذه الجماعات بتحويل النفوذ السياسي والاجتماعي الذي تكتسبه إلى نفوذ مستدام على الأرض.

وقال إن السؤال الكبير المطروح هو كيفية استثمار هذا النفوذ، وما إذا كانت الجماعة ستتمكن من تحويله إلى مشروع سياسي أو إلى سيطرة جغرافية مستقرة.

وختم ولد امبارك بالتساؤل حول إمكانية أن يؤدي هذا المسار إلى تأسيس دولة إسلامية أو كيان ذي طابع إسلامي في المنطقة، قائلاً إنه لا يتمنى الوصول إلى هذا السيناريو، ومشيراً إلى أن استمرار المعركة وتطور العمليات العسكرية خلال المرحلة المقبلة سيحددان اتجاه الوضع ومدى قدرة الجماعة على تحويل مكاسبها الميدانية إلى نفوذ سياسي واجتماعي وجغرافي.

Elhoussein tourad

محرّر في تقدمي

اقرأ أيضاً