دعا المثقف والوجيه الاجتماعي والوزير السابق أحمد ولد سيدي باب إلى إصلاح دستوري شامل يعيد توزيع السلطة التنفيذية، ويحدّ من “صلاحيات رئيس الجمهورية”، ويمنح رئيس الوزراء والبرلمان صلاحيات فعلية، مؤكدًا أن ترسيخ الديمقراطية في موريتانيا يقتضي بناء المواطن وإصلاح الإدارة وتعزيز الوئام الوطني.
وقال ولد سيدي باب، خلال استضافته من طرف الإعلامي حنفي ولد دهاه في برنامج «المقعد الثاني» على قناة TTV، إن الديمقراطية ليست مفهومًا غريبًا عن المجتمعات الموريتانية، بل هي امتداد لتقاليد التشاور التي عُرفت داخل الأسرة والقبيلة والإمارة، معتبرًا أن الاستبداد والديكتاتورية هما الاستثناء في تاريخ العلاقات البشرية، بينما تمثل المشاورة والعيش المشترك القاعدة الطبيعية.
وأضاف أن النظام الرئاسي في موريتانيا منح “رئيس الجمهورية” صلاحيات واسعة، ربما كانت مبررة في البدايات بالحاجة إلى بناء دولة مركزية تجمع القبائل والعشائر والإمارات، مشيرًا إلى أن الرئيس المؤسس المختار ولد داداه استطاع، بعد ثمانية عشر عامًا من الحكم، الوصول بالبلاد إلى حالة من الوئام الوطني كانت تسمح بالانتقال نحو التعددية السياسية، قبل أن يقطع انقلاب 1978 ذلك المسار.
واستشهد ولد سيدي باب بما ورد في مذكرات الرئيس المختار ولد داداه بشأن نيته التوجه إلى التعددية الديمقراطية بعد تحقيق الوئام الوطني، معتبرًا أن سلسلة الانقلابات العسكرية وما رافقها من اضطراب سياسي أدت إلى تراجع النضج السياسي وإضعاف ذلك الوئام.
وفرّق الوزير السابق بين «الوحدة الوطنية» و«الوئام الوطني»، موضحًا أن الوحدة تفرضها الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة والانتماء إلى حضارة إسلامية جامعة، بينما يعني الوئام قدرة مكونات المجتمع على التعايش السلمي في ظل العدالة والحرية والصدق المتبادل.
وأكد أن القبائل والأعراق ليست في ذاتها عائقًا أمام بناء الدولة، وإنما تكمن المشكلة في توظيفها سياسيًا، لافتًا إلى أنها تمثل حواضن للثقافات واللغات وأنماط العيش المختلفة. ودعا إلى الاعتراف بالتنوع البيظاني والبولاري والسوننكي والولفي وتثمينه، ضمن إطار حضاري ووطني جامع، بدل تحويل الهويات الاجتماعية إلى أدوات للصراع السياسي أو التعبئة الانتخابية.
وانتقد ولد سيدي باب ما وصفه بتنامي الشعبوية وسيطرة الخطاب السطحي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، معتبرًا أن فتح المجال الرقمي أمام الجميع أدى إلى اختلاط الرأي المستنير بالخطاب الغوغائي، وهي ظاهرة قال إنها لا تقتصر على موريتانيا، بل أصبحت مشكلة عالمية.
ورأى أن مواجهة الشعبوية لا تكون بتقييد التعبير، وإنما ببناء نظام دستوري يساعد الإنسان الموريتاني على التحول إلى مواطن واعٍ بحقوقه وواجباته، وقادر على ممارسة النقد البنّاء وتثمين الإنجازات في الوقت نفسه، مؤكدًا أن الدولة لا يمكنها النجاح من دون رأي عام واقعي ومستنير.
وكشف ولد سيدي باب أنه سبق أن اقترح، خلال العهد السابق، إعداد مشروع دستور جديد بدل الاكتفاء بالمسيرات والمهرجانات السياسية، موضحًا أن تصوره يقوم على توزيع متوازن للسلطة التنفيذية بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، وإنشاء أغلبية برلمانية يقودها الأخير، بدل أغلبية مرتبطة بشخص الرئيس.
ودعا إلى أن يتحول رئيس الجمهورية إلى حَكَمٍ بين الموالاة والمعارضة، وألا يكون طرفًا حزبيًا، مع احتفاظه بصلاحيات تضمن استقرار الدولة واستمرار مؤسساتها. كما طالب بتوسيع صلاحيات البرلمان، وإخضاع التعيينات في الإدارات والمؤسسات الكبرى لموافقته، وتنحية رئيس الجمهورية عن رئاسة المجلس الأعلى للقضاء، بما يعزز استقلال السلطة القضائية.
وفي تشخيصه للساحة الحزبية، قال ولد سيدي باب إن الأحزاب السياسية الموريتانية تعاني ضعف الهوية الفكرية، إذ لا يعرف المواطن إن كانت ليبرالية أو اشتراكية أو ذات مرجعيات سياسية واضحة، معتبرًا أن كثيرًا منها أصبح غاية في ذاته، أو إطارًا لتجميع الحلف القبلي والجهوي.
واتهم الدولة بالمساهمة في تحويل شيوخ القبائل والوجهاء إلى وسطاء انتخابيين، بدل صيانة الدور الثقافي والاجتماعي الإيجابي للقبيلة، داعيًا إلى إصلاح تدريجي يفضي إلى تقليص عدد الأحزاب وبناء تشكيلات سياسية حقيقية تستند إلى برامج وأفكار واضحة.
وقال إن قانون الأحزاب يمثل مجرد مرحلة أولى، ينبغي أن تتبعها شروط قانونية ومؤسسية تضمن جدية الأحزاب واستمرارها وفق معايير معلنة، من دون مصادرة الحق في تأسيسها. وأبدى ميله إلى نظام سياسي تتجمع فيه القوى حول حزبين أو تيارين أساسيين، أحدهما حاكم والآخر معارض، بما يوفر قدرًا أكبر من الاستقرار والوضوح.
وبشأن البرلمان، دعا ولد سيدي باب الموالاة والمعارضة إلى مراجعة أدائهما، مؤكدًا أن المعارضة مطالبة بتثمين ما يستحق التثمين وانتقاد ما يستوجب النقد، بينما ينبغي للموالاة أن تتجاوز التأييد المطلق إلى النصح والتوجيه وكشف الأخطاء، من دون تهديد استقرار النظام.
وفي ما يتعلق بالقضاء، قال الوزير السابق إنه لا يرى أن القضاء الموريتاني يعاني، خلال المرحلة الحالية، انعدامًا مفرطًا للاستقامة أو تدخلًا مباشرًا من السلطة التنفيذية، معتبرًا أنه يتدرج نحو الأفضل، وإن كان الإصلاح الدستوري يقتضي تعزيز استقلاله وإبعاد رئيس الجمهورية عن رئاسة مجلسه الأعلى.
وعن علاقة المؤسسة العسكرية بالحكم، شدد ولد سيدي باب على أن الأصل هو أن يكون الحكم مدنيًا، وأن الخطر الحقيقي يكمن في الانقلابات العسكرية، لكنه رأى أن انحدار الرئيس المنتخب من المؤسسة العسكرية لا يشكل مشكلة في ذاته إذا وصل إلى السلطة عبر انتخابات شفافة، وظل خاضعًا لإرادة الناخبين وقابلًا للاستبدال عبر صناديق الاقتراع.
وأشاد بما وصفه بحالة العافية والاستقرار التي تعيشها موريتانيا، وبالمكانة الدبلوماسية التي حققتها خلال السنوات الأخيرة، معتبرًا أن الاستقرار الحالي يوفر فرصة مناسبة لإطلاق مسار إصلاحي متدرج، بعيدًا عن الاستفزازات والمزايدات السياسية والعرقية.
وفي حديثه عن الحوار السياسي المرتقب، حذّر ولد سيدي باب من أن يتحول إلى ساحة لتكريس الانقسامات العرقية أو رفع مطالب تعيد إنتاج التوترات الاجتماعية، داعيًا إلى أن يفضي إلى مشهد سياسي هادئ، يضم معارضة نافعة وملتزمة، وموالاة مسؤولة، وحكومة قادرة على تبني أفكار متقدمة في الاقتصاد والإدارة.
وأعرب عن ثقته في صدق نية الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تجاه الحوار، مطالبًا الطرفين، الموالاة والمعارضة، بمراجعة نفسيهما والاستعداد لتفاهم وطني لا يقوم على الإقصاء أو النقد العدمي. وأوضح أن إصلاح الاختلالات المتراكمة لن يتحقق دفعة واحدة، بل عبر مراحل متتابعة تراعي حداثة الدولة الموريتانية وقصر تجربتها المؤسسية.
وفي تناوله لقضايا الحراطين والعبودية والإرث الإنساني والعلاقات بين المكونات، دعا ولد سيدي باب إلى معالجة الرواسب التاريخية بالتعاون والإنصاف، من دون تحويلها إلى هويات سياسية مغلقة أو صراعات دائمة. كما رفض اختزال المجتمع في تصنيفات عرقية جامدة، داعيًا إلى الاعتراف بالخصوصيات الثقافية المختلفة داخل حضارة إسلامية ومصلحة وطنية مشتركة.
وبخصوص الدعوات إلى مأمورية رئاسية ثالثة، قال ولد سيدي باب إنه لا يرى أن الدولة، ممثلة في رئيسها، تبنت هذه الدعوات، مشيرًا إلى أن الرئيس سبق أن أعلن عدم مطالبته بمأمورية إضافية، وأن الدستور يتضمن قيودًا واضحة في هذا الشأن.
واعتبر أن الأولوية المطروحة ليست المأمورية الثالثة، وإنما إصلاح الدستور، وإعادة إنشاء غرفة برلمانية ثانية، وتنحية الرئيس عن رئاسة المجلس الأعلى للقضاء، وتوزيع السلطة التنفيذية بصورة أكثر توازنًا، مع منح رئيس الوزراء صلاحيات حقيقية وجعل رئيس الجمهورية حكمًا محترمًا بين الأغلبية والمعارضة.
وانتقد ولد سيدي باب إلغاء مجلس الشيوخ خلال التعديلات الدستورية السابقة، معتبرًا أنه كان مؤسسة لتمثيل البلديات ومدرسة للتكوين السياسي والبرلماني. وقال إن بعض التعديلات السابقة اتسم بالارتجال وارتبط بصراعات المرحلة أكثر مما استند إلى رؤية دستورية بعيدة المدى.
وفي مجال الإعلام، وصف ولد سيدي باب الصحافة بأنها ركن أساسي في أي ديمقراطية، لكنه أشار إلى ما تعانيه الساحة من الارتجال ودخول غير المتخصصين إلى المهنة. ودعا إلى تنظيم المهنة، وقصر الصفة الصحفية على المهنيين، وتعزيز العلاقة بين الدولة والهيئات الإعلامية ودعمها بما يمكنها من أداء وظائفها باستقلالية ومسؤولية.
ورأى أنه لا توجد، في المرحلة الحالية، نية ممنهجة لتقييد الرأي العام، مستدلًا باتساع مساحة النقد ولقاءات الرئيس مع معارضين وإعلاميين، وبالتصنيفات الدولية لموريتانيا في مجال حرية الصحافة، لكنه أكد أن قوانين الإعلام والتعبير الرقمي ينبغي أن تكون ضمن الإصلاحات التي يناقشها الحوار.
واختتم ولد سيدي باب حديثه بالدعوة إلى إصلاح جذري للإدارة، معتبرًا أنها ورثت عن النموذج الفرنسي التعقيد والبيروقراطية، وأضافت إليهما ضعف الخبرة في تسيير الدولة المركزية. وقال إن أفضل القرارات والبرامج التنموية قد تتعطل إذا لم تجد إدارة كفؤة وقادرة على التنفيذ.
واقترح إنشاء وزارة كبرى مكلفة بإعادة بناء الإدارة الموريتانية وفق نموذج أكثر مرونة وفعالية، وتقليص تضخم المستشارين والمكلفين بمهام، والاستفادة من الرقمنة والذكاء الاصطناعي. وحذّر من أن تضخم الجهاز الإداري يجعل جزءًا كبيرًا من ميزانية الدولة يذهب إلى الرواتب على حساب المشاريع التنموية، مؤكدًا أن الإصلاح السياسي لن يكتمل من دون إدارة حديثة ومواطنة راسخة ووئام وطني شامل.