تخطَّ إلى المحتوى

ديون السنغال تختبر إدارة عائدات الغاز المشترك مع موريتانيا

Hanevy Dahah
5 دقائق قراءة311

دخلت السنغال مرحلة مالية شديدة الحساسية مع تصاعد أزمة ديونها، في وقت بدأ فيه مشروع الغاز المشترك مع موريتانيا «السلحفاة الكبرى آحميم» يتحول من مشروع استثماري طويل الأجل إلى مصدر فعلي للإنتاج والتصدير والإيرادات، ما يضع آليات إدارة العائدات الهيدروكربونية في البلدين أمام اختبار عملي متزايد.

وتأتي هذه التطورات بعدما كشفت السلطات السنغالية منذ 2024 عن ديون لم تكن معلنة في عهد الحكومة السابقة، ليتجاوز إجمالي الدين 13 مليار دولار وفق تقديرات وكالات التصنيف ومصادر مالية دولية، فيما توصلت داكار الأسبوع الماضي إلى اتفاق على مستوى الموظفين مع صندوق النقد الدولي بشأن برنامج تمويل جديد بقيمة 2.2 مليار دولار، مرتبط بخطة لمعالجة الدين، وفي أحدث تطور، كشفت رويترز اليوم الأربعاء أن حاملي السندات السيادية السنغالية شكلوا مجموعة دائنين تضم ثمانية مديري صناديق على الأقل، واستعانوا بمكتب «وايت آند كيس» مستشاراً قانونياً، بعد إعلان الحكومة خطتها لإعادة ترتيب ديون البلاد.

وتواجه الحكومة السنغالية في الوقت نفسه التزامات مالية كبيرة، إذ قال رئيس الوزراء أحمد الأمين لو إن البلاد مطالبة بتسوية متأخرات تبلغ نحو 3.5 مليارات دولار، بينما اختارت الحكومة تمديد آجال الدين وإعادة التفاوض بشأن أسعار الفائدة بدلاً من إعلان إعادة هيكلة شاملة.

وقد خفضت وكالة «ستاندرد آند بورز» في الرابع من سبتمبر تصنيف السنغال بالعملة الأجنبية إلى «CC»، معتبرة أن احتمال تعرض الدائنين الأجانب لخسائر في عملية معالجة الدين أصبح مرتفعاً للغاية.

وفي المقابل، بدأ الغاز يتحول إلى عنصر جديد في المعادلة المالية السنغالية، فمشروع «GTA»، الذي يجمع موريتانيا والسنغال وشركتي «بريتيش بتروليوم» و«كوسموس إنرجي» وشركتي النفط الوطنيتين في البلدين، دخل مرحلة الإنتاج والتصدير، وأصبحت العائدات المرتبطة بالغاز والنفط جزءاً متزايد الأهمية من الحسابات الاقتصادية للدولة السنغالية.

ولا يعني ذلك أن أزمة الديون تهدد مشروع «GTA» أو أن الدائنين السنغاليين يستطيعون المطالبة مباشرة بعائدات المشروع المشتركة مع موريتانيا، فالمشروع يخضع لترتيبات تعاقدية ومؤسساتية خاصة، وتوزع حقوق وإيرادات الأطراف وفق الاتفاقات المبرمة بشأن تطوير الحقل وإنتاجه، وبالتالي فإن موضع الاختبار الحقيقي يكمن في كيفية إدارة حصة الدولة السنغالية من الإيرادات بعد وصولها إلى الخزينة والمؤسسات الوطنية المعنية، وليس في ملكية الحقل أو استمرارية المشروع.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأن السنغال وضعت إطاراً قانونياً لإدارة إيرادات النفط والغاز، يقوم على توزيعها بين الموازنة العامة وآليات للاستقرار وصندوق مخصص للأجيال المقبلة، كما تخضع مشاركة الدولة في المشاريع الهيدروكربونية لعمليات تمويل عبر الشركة الوطنية «بتروسين»، وهو ما يجعل تتبع القروض والتكاليف والإيرادات المرتبطة بهذه المشاركة مسألة أساسية في تقييم العائد الحقيقي الذي تحصل عليه الدولة.

وتشير تقارير مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية إلى أن تتبع مشاركة الدولة في قطاع النفط والغاز، بما في ذلك تكاليف المشاريع والإيرادات الناتجة عن حصة الدولة من الإنتاج، لا يزال من الملفات التي تحتاج إلى مزيد من الشفافية والتوثيق، وتزداد أهمية هذا الأمر مع دخول السنغال مرحلة مالية تحتاج فيها إلى موارد إضافية، بالتزامن مع ارتفاع وزن قطاع المحروقات في الاقتصاد.

وتزامن أزمة الدين مع تدفق إيرادات النفط والغاز لا يعني بالضرورة أن الحكومة ستستخدم عائدات «GTA» لسداد الديون، ولا توجد معطيات موثوقة تثبت وجود مثل هذا الترتيب، لكن التزامن يفرض سؤالاً مالياً مهماً: كيف ستتم المحافظة على القواعد التي وضعتها السنغال لإدارة عائدات الموارد الطبيعية في وقت تواجه فيه الخزينة ضغوطاً كبيرة وتحتاج فيه الدولة إلى إعادة ترتيب التزاماتها المالية؟

وهذا السؤال لا يخص السنغال وحدها، لأن «GTA» مشروع مشترك مع موريتانيا، وأي تغير في طريقة إدارة الحصة السنغالية من العائدات ستكون له أهمية بالنسبة إلى الشريك الموريتاني، خصوصاً مع انتقال المشروع من مرحلة الاستثمار والتطوير إلى مرحلة الإنتاج والتدفقات المالية الفعلية.

وتواجه موريتانيا بدورها تحدياً مماثلاً في إدارة العائدات التي ستأتي من قطاع الغاز، فقد شدد صندوق النقد الدولي في تقييماته للبلاد على أهمية تعزيز إدارة إيرادات المحروقات وتحسين الإفصاح عنها، إلى جانب تطوير آليات إدارة صندوق الإيرادات الوطنية للمحروقات بما يتلاءم مع ارتفاع التدفقات المالية المرتبطة بالغاز والتعدين.

وتكمن أهمية التجربة الموريتانية السنغالية في أن «GTA» يمثل واحداً من أبرز المشاريع الغازية العابرة للحدود في غرب إفريقيا، ولذلك فإن نجاحه لا يتمثل فقط بكمية الغاز التي يتم إنتاجها أو عدد الشحنات التي تصدر، وإنما أيضاً بقدرة المؤسسات في البلدين على إدارة الإيرادات الناتجة عنه بطريقة واضحة ومستقرة وقابلة للتدقيق.

وفي ظل الأزمة المالية السنغالية الحالية، تصبح هذه المسألة أكثر حساسية، فكلما زادت حاجة الدولة إلى السيولة، أصبحت قواعد الفصل بين إيرادات الموارد الطبيعية والنفقات العامة، وآليات تحويل الأموال إلى الموازنة، والاحتفاظ بجزء منها للاستقرار أكثر أهمية في حماية الثروة الجديدة من ضغوط الإنفاق قصيرة الأجل.

ولا توجد في المعطيات المتاحة حالياً مؤشرات على وجود نزاع بين موريتانيا والسنغال بشأن عائدات «GTA»، كما لا توجد أدلة على أن أزمة الديون السنغالية تهدد المشروع نفسه، لكن الأزمة تضع منظومة إدارة العائدات أمام أول اختبار كبير منذ دخول الغاز مرحلة الإنتاج، خصوصاً أن السنغال أصبحت مطالبة في الوقت نفسه باستعادة ثقة الدائنين، والتوصل إلى ترتيبات مالية مع صندوق النقد الدولي، والحفاظ على قواعد إدارة مورد طبيعي يتوقع أن يصبح أحد مصادر الإيرادات المهمة للدولة.

وبالنسبة إلى موريتانيا، فإن أهمية الملف تتجاوز مراقبة الوضع المالي في السنغال، إذ يتعلق الأمر بمستقبل إدارة مورد مشترك وبقدرة البلدين على تحويل الغاز إلى مصدر مستدام للإيرادات والاستثمار، مع الحفاظ على الشفافية وتتبع التدفقات المالية وتكاليف الإنتاج والتمويل.

وعليه، فإن السؤال الأساسي الذي تطرحه أزمة الديون السنغالية ليس ما إذا كان الغاز الموريتاني السنغالي سينقذ داكار من أزمتها المالية، وإنما ما إذا كانت قواعد إدارة عائدات الموارد الهيدروكربونية ستظل قادرة على الصمود أمام الضغوط المالية المتزايدة، فنجاح «GTA» بالنسبة إلى موريتانيا والسنغال لن يقاس فقط بالإنتاج والتصدير، بل أيضاً بمدى قدرة البلدين على إدارة العائدات بصورة شفافة ومستدامة، بما يحفظ مصالحهما المشتركة ويمنع تحول الثروة الغازية إلى مورد قصير الأجل لمعالجة اختلالات مالية أعمق.

Hanevy Dahah

محرّر في تقدمي

اقرأ أيضاً