قال الشيخ ولد الزين ولد الإمام، الفقيه والباحث الأكاديمي، إن ما يُتداول حول “الديانة الإبراهيمية” لا يستند إلى أساس عقدي أو ديني، معتبرا أنها ليست مشروعا دينيا يجمع الإسلام والمسيحية واليهودية، وإنما مفهوم يُطرح في سياقات فكرية وسياسية تتعلق بالتعايش والعلاقات بين أتباع الديانات.
وأوضح ولد الزين، خلال مداخلة له على قناة TTV ضمن نشرتها التحليلية مساء اليوم الأربعاء، أن التصور الشائع لدى البعض عن “الإبراهيمية” يقوم على فكرة دمج الديانات التوحيدية الثلاث في منظومة واحدة من العقائد والشعائر، مؤكدا أن هذا الفهم “غير صحيح” من منظور الإسلام، الذي يقرر أن الدين عند الله هو الإسلام، وأن أي دين غيره لا يُقبل، على حد تعبيره.
وأضاف أن هذا الطرح، في رأيه، لا يمكن أن يقبله المسلمون أو اليهود أو المسيحيون، لأن كل ديانة تقوم على مرجعيات عقدية مستقلة لا تقبل المزج أو الدمج، معتبرا أن تحويل الأديان إلى “خلطة دينية” أمر لا يستقيم لا دينا ولا عقلا ولا واقعا.
وأشار الفقيه إلى أن ما يُسمى بالإبراهيمية قد يُطرح أحيانا في النقاشات الفكرية باعتباره مشروعا سياسيا أو إطارا للتعايش، وليس دينا جديدا، موضحا أن البعض يقارنه بمفاهيم سياسية مثل الديمقراطية، حيث تُستخدم المفاهيم في سياقات تنظيم الحياة العامة والعلاقات بين الشعوب، دون أن تكون لها بالضرورة دلالة عقدية.
وتابع أن الإسلام، بحسب تعبيره، كان سبّاقا إلى إرساء مبادئ التعايش من خلال تجربة المدينة المنورة ووثيقة المدينة، التي نظمت العلاقات بين مكونات المجتمع، وأقرت التعايش بين المسلمين وغيرهم على أساس العيش المشترك دون فرض العقائد، معتبرا أن هذا النموذج يمثل مرجعية في إدارة التنوع الديني.
وأكد ولد الزين أن التعايش مع الآخر والحوار معه لا يتعارضان مع الإسلام، بل إن النصوص الشرعية، بحسب قوله، تدعو إلى عدم الإكراه في الدين، وإلى احترام وجود غير المسلمين، وإباحة التعامل معهم في إطار المعاملات الإنسانية والاجتماعية.
وفي هذا السياق، فرّق بين “التعايش الدنيوي” و”التقرير العقدي”، موضحا أن الإسلام يقر بالتعايش في الحياة العامة دون أن يعني ذلك قبول عقائد أخرى أو دمجها في منظومة واحدة، معتبرا أن الخلط بين هذين المستويين هو مصدر الالتباس في مفهوم “الإبراهيمية”.
وأشار أيضا إلى أن استخدام المصطلح في بعض السياقات قد يأخذ طابعا سياسيا، حيث تُبنى تحالفات أو ترتيبات دولية تحت عناوين مختلفة للتعاون أو الانفتاح على الآخر، دون أن تكون لها علاقة بالعقيدة الدينية، مضيفا أن هذا النوع من الاستخدام قد يختلف من دولة إلى أخرى بحسب سياقها السياسي والثقافي.
كما تطرق إلى ما وصفه بوجود “اتجاهات فكرية معاصرة” تدعو إلى الانفتاح الواسع على الآخر، معتبرا أن بعضها يبالغ في هذا الاتجاه حتى يصل إلى ما سماه “إلغاء الفوارق العقدية”، وهو ما رفضه بشدة، مؤكدا أن الحفاظ على الخصوصية الدينية أمر أساسي في التصور الإسلامي.
وفي المقابل، شدد على أن الإسلام لا يدعو إلى الانغلاق، بل إلى الحوار والتعايش والاحترام المتبادل، مستشهدا بالنصوص الشرعية التي تبيح التعامل مع غير المسلمين، بما في ذلك المعاملات الاجتماعية والاقتصادية، في إطار من العدالة والاحترام.
وأكد أن النقاش حول “الإبراهيمية” يجب أن يُفهم في سياقه الصحيح، مع الفصل التام بين ما هو عقدي وما هو سياسي أو اجتماعي، معتبرا أن الخلط بين هذه المستويات يؤدي إلى “سوء فهم واسع” في النقاشات الفكرية والدينية المعاصرة.