قبل أيامٍ، اتصل بي أحد الشباب ممن يبحثون في الأدب الموريتاني، وسألني ببساطة عن معنى كلمة “مُشرِكْ”، التي ورَدت في الشطر الأول مِن البيت الثاني، مِن قطعة امحمد بن أحمد يورَ التي يقول فيها :
رأيتُ بقيعانِ القرارةِ سُنْبُلاً
فمِنْ مُفْـرِكٍ منهُ ومِنْ غيرِ مُفْـركِ
وفي “مُشركٍ” مِنْ يانِعِ الرَّوْضِ جَنَّةٌ
فيا عَجَباً مِن جَـــنَّةٍ عند مُشركِ !
وحرَّكني ظـبيٌ هنالكَ ساكنٌ
فيا سـاكِناً عطْـــفاً على مُــتَحَــرِّكِ
عشيةَ أبدَى لي موائدَ حـُــسْنهِ
وما ذُقـــتُ منها لُقمــــةَ “المُـتَـبرِّكِ”
فقلتُ له إذ رامنى ليَصيدني
“فإنك كالليل الذي هــو مُدركِي”
وللإجابة، شاركتُ الشابَ الباحثَ بعض ما كنتُ دونته مما يتعلق بسؤاله ذلك. فَ”مُشرِك” المذكورُ في الأبيات مَكانٌ بعينه، يقع في منطقة “آمْلِيلْ” مِن أرض “إنشيري”، كما أشار إلى ذلك امحمد نفسُه في كتابه “إخبارُ الأحبارْ بأخبار الآبارْ”، حين يقول أثناء الكلام على المنطقة المذكورة :
((ومِن مِياهِه “مُشْرِكْ”، وأصله بالبربرية “أمشرگ”، وهو الذي لا يَروَى الشاربُ منه لقلة مائه، وهو غدير مليح، وإذا نضب حُفِرت آبار فيه قليلة الماء. وفيه يقول بعضهم مِن أبيات:
وفي “مُشركٍ” مِنْ يانِعِ الرَّوْضِ جَنَّةٌ
فيا عجَباً من جـــنَّةٍ عند مُشركِ ! ))
و”مُشرِك” هو المذكور في قطعة أخرى له يقول فيها :
خليلَيَّ مُرَّا بي قليلا “بمُشْرِكٍ”
لعلَّ هُمومَ النفسِ يُشْفَى مُصَابُها
رعَى الله أياما تولت “بِمُشْرِكٍ”
وكان مُنانا مُذْ تولَّــتْ إيابُها
أظُنُّ بِهَاتِيكَ المَعاهِدِ جُمْلَـهَا
وأحْسبُ فِيها دَعْدَها ورَبابَها
وأيامُ ذِي قارٍ قواصرُ دونَها
وأيامُ حُزوى”ما أكَلْنَ كِعَابَها”
وعنه وعن مرابع أخرى هنالك، يقولُ من الشعر الحسَّاني:
ڭَـيَّمْلِ مُشْرِكْ واظْوَيَّاتْ
البَولْ ابْلَيْعَاتْ امْتاناتْ
وِالعِلْبْ ألِّ فِيهْ التَّمَاتْ
ذاكْ ألِّ لَرْباطْ افْبَاطُ
هُوَّ ڭَاعْ امْتَنْهَ لَيْعَاتْ
ارْبَاطُو وارْبَاطْ ارْبَاطُو
لُكَيْرْ اتْفُو بِيهْ ابْدِخْلِيهْ
حَدْ اِمْنْ الرَّفْ ابْڭِــيراطُو
عَنْدِي عَنُّو لُوخِيظْ إعْلِيهْ
أشْبَهْلُو مِنُّو تِحْوَاطُو
لقد تعجَّب امحمد مِن وجود “جَــنَّـةٍ لدى مُشرِكٍ”! على وجه التلميح والتلاعب بالألفاظِ، ضِمنَ ما كنتُ قد سمَّيته “مُفارقات التراث” في أدبِه …
ومِن هذه “المُفارقات” أن شجر “أيْرْوارْ” -الذي يُعَرِّبُونَه تَجَوُّزاً بالقتاد- يخالطه الشيبُ في عنفوان شبابه، وقد استعارَ الشَّيبَ هُنا للزَّهْرِ أو النَّوْرِ الأبيضِ الذي ينبُت في هذا الشجر، والمعروف محلياً ب”تَيْدِشْمَه”، كما أن هذا الشجرَ تعشقه الأنعام إبانَ شيبه وهو أمرٌ غير مألوف، على الأقل في مجال الشوق والغرام عند الآدَمِيين، يقول امحمَّدْ:
تعجَّبتُ مِن شأنِ القتادِ شبابُهُ
لهُ عُنفُوانٌ إذْ تشيبُ ذوائبُهْ
و يُحْيِي بهِ سَجعُ الحمائمِ بالضُحى
هَوَى مَنْ نأتْ أحبابُهُ وَ حبائِبُهْ
و تعشقهُ الأ نعامُ إبَّان شيبهِ
وما خِلتُ أنَّ الشَّيْبَ يُعشقُ صاحبُهْ!
كما يرى امحمَّد أنه مِن المُفارقات أيضاً في التراث المُحلِّي أن يقوم الناسُ عندنا بتقويةِ لبنِ الضأن -وهو قويٌّ أصلاً – بتسخينه بالحجارةِ زمن الشتاء، في حِين يُضْعَفُ لبنُ المعز بزيادته بالماء الذي هو ضعيفٌ أصلاً، وعبَّر عن اللبن المسخن بالحجارة بقوله: “اللبن الرضيف”، وتلك -لَعمري- فصاحَتُه، :
أرَى المُقتاتَ باللبن الرضيفِ
يكونُ لهُ الشِّتاءُ من الخريفِ
ولا سِيَما إذا ما كان ضأناً
فما المَشروفُ يُوجَدُ كالشريفَ
و ألبانُ المعيزِ تُزادُ ماءً
كإسنادِ الضعيفِ إلى الضعيفِ
طاب يومكم ،،،
عز الدين بن ڭرَّاي بن أحمد يورَ