قال أحمد ولد انداري، أستاذ العلوم السياسية بجامعة نواكشوط، إن الاقتصاد الاجتماعي يشكل نموذجاً بديلاً لا يهدف فقط إلى تحقيق الربح، بل يسعى أساساً إلى ترسيخ العدالة الاجتماعية، معتبراً أن تقييم نجاحه يرتبط بمدى قدرته على الاستمرار اقتصادياً وتحقيق أهدافه، خاصة في ما يتعلق بإخراج الفئات الهشة من دائرة الهشاشة وتحسين أوضاعها المعيشية.
وأضاف في مداخلة على قناة TTV ضمن نشرتها التحليلية مساء أمس الاثنين، أن التمييز بين الدعم والحماية الاجتماعية لا يقتصر على اختلاف الأدوات، بل يمتد إلى اختلاف الرؤية والأهداف، موضحاً أن الحماية الاجتماعية ترتبط بسياسات طويلة الأمد توفر الأمان والاستقرار للفرد، مثل أنظمة التقاعد والتضامن، في حين يظل الدعم تدخلاً مؤقتاً يهدف إلى مساعدة الأفراد على تجاوز أزمات ظرفية، وهو ما يفرض اختلافاً في آليات التنفيذ وطبيعة التدخل.
وأشار إلى أن الاحتجاجات لا يمكن اعتبارها دائماً مؤشراً مباشراً على فشل السياسات، لكنها في حالات التكرار وعدم انعكاس أثر السياسات على المواطنين قد تكشف عن خلل، إما في فعالية تلك السياسات أو في ضعف التواصل حول أهدافها، ما يخلق فجوة بين ما تعلنه الدولة وما يشعر به المواطن.
وأكد أن الدعم الموجه يظل أكثر نجاعة مقارنة بالدعم الشامل، لكونه يستهدف الفئات الأكثر حاجة، في حين يؤدي الدعم الشامل إلى استفادة غير المستحقين، رغم ما قد يحمله الدعم الموجه من مخاطر تتعلق بالفساد والمحسوبية، التي قد تفرغه من مضمونه.
وأضاف أن ضياع الدعم يعود غالباً إلى سوء الاستهداف من جهة، وإلى انتشار المسارات غير الرسمية من جهة أخرى، حيث تلعب شبكات المحسوبية والفساد دوراً محورياً في حرمان المستحقين الحقيقيين، مشيراً إلى أن هذه الظواهر تمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه السياسات الاجتماعية في موريتانيا، وتظهر بشكل واضح في بعض برامج توزيع الموارد.
وأوضح أن نجاح السياسات الاجتماعية لا يقاس فقط بتحسن المؤشرات الاقتصادية، بل أيضاً بمدى شعور المواطن بالأمان الاجتماعي وتراجع إحساسه بالهشاشة، لافتاً إلى أن الأرقام الرسمية قد تعكس تحسناً عاماً، لكنها لا تعبر بالضرورة عن واقع جميع الفئات، ما يفسر اتساع الفجوة بين البيانات الرسمية وإدراك المواطنين.
وأشار إلى أن السياسات في الدول المتقدمة غالباً ما تكون استباقية، تقوم على توقع الأزمات والاستعداد لها عبر أدوات مثل الصناديق السيادية والتخطيط طويل الأمد، بينما تظل السياسات في دول الجنوب، ومنها موريتانيا، في كثير من الأحيان ردود فعل متأخرة، ما يرفع كلفتها ويحد من فعاليتها.
وأكد أن غياب الاستباقية في التعامل مع الأزمات الاقتصادية، مثل الأزمات المرتبطة بالطاقة أو الأسعار، يؤدي إلى اتخاذ قرارات صعبة تنعكس بشكل مباشر على المواطنين، مشدداً على أن التحضير المسبق، عبر تنويع مصادر الطاقة أو إنشاء آليات احتياطية، كان من شأنه تخفيف حدة هذه الانعكاسات.
وأكد بأن أزمات الخدمات والسياسات الاجتماعية تعكس في جوهرها خللاً مزدوجاً، يتعلق بالأدوات المعتمدة من جهة، وبطبيعة النموذج التنموي من جهة أخرى، ما يستدعي مراجعة شاملة تعيد توجيه السياسات نحو مزيد من الفعالية والعدالة.