🖋️ محمد لغظف محمدالأمين أبتي
في موريتانيا، لا تبدو الأزمة كامنة في ندرة الموارد أو تعقّد البنية السياسية فحسب، بل في ظاهرة أعمق وأشدّ خفاءً: تواطؤٌ صامت بين شعبٍ آثر السلامة حتى تحوّلت إلى خنوع، ونخبةٍ أدركت هذا الميل فحوّلته إلى أداة للهيمنة، وفنٍّ فقد رسالته فانحدر إلى مستوى الضجيج السوقي. إنّ هذا الواقع لا يمكن فهمه خارج سياق ما وصفه ابن خلدون حين تحدّث عن “قابلية الناس للاستكانة إذا طال عليهم أمد القهر”، حيث لا يعود الخضوع مجرّد ردّ فعل ظرفي، بل يتحوّل إلى بنية ذهنية وثقافية تعيد إنتاج ذاتها جيلاً بعد جيل. فالشعب الذي تعوّد ألّا يصطدم بالسلطة، لا لأنّه راضٍ، بل لأنّه يخشى كلفة المواجهة، ينتهي به الأمر إلى قبول كل شيء بصمت، حتى يصبح الصمت ذاته فضيلة زائفة تُمدح باسم “الحكمة” و”حب العافية”.
هذا الصمت لم يمرّ دون أن يُفهم ويُستثمر؛ فالنخبة السياسية والاقتصادية، كما يبيّن نيكولو مكيافيلي في تنظيره للعلاقة بين الحاكم والمحكوم، تدرك أن السيطرة لا تحتاج دائماً إلى القمع المباشر، بل إلى قراءة دقيقة لطبائع الناس وتوجيهها. ومن هنا، حين تُدرك النخبة أن المجتمع يميل إلى المسالمة وتجنّب الصدام، فإنها لا تتردّد في التمادي في الضغط، لأنها تعلم أن ردّ الفعل سيكون محدوداً أو منعدماً. وهكذا يتشكّل نوع من “العقد غير المكتوب”: سلطة تتمدّد بلا مقاومة، وشعب يتراجع بلا احتجاج، في معادلة تُفرغ السياسة من معناها الأخلاقي، وتحولها إلى إدارة للركود.
غير أنّ أخطر تجليات هذا الواقع لا تقف عند حدود السياسة، بل تمتد إلى المجال الرمزي، حيث يفترض أن يكون الفن صوتاً للوعي، فإذا به يتحوّل إلى أداة للابتذال. فبعض من يُسمّون أنفسهم “فناني الراب” أو “أولاد البلاد” لا يحملون همّاً فنياً ولا رسالة جمالية، بل يُستدعون – أحياناً من خارج الوطن – ليكونوا أدوات في صراع لا يرقى إلى مستوى النقد المسؤول، بل ينحدر إلى خطاب ساقط، سوقي، يفتقر إلى الحدّ الأدنى من الرقي. وهنا نستحضر نقد ثيودور أدورنو لـ“صناعة الثقافة”، حيث يتحوّل الفن إلى سلعة تُدار من قبل قوى المال، فتفقد قدرتها على التنوير، وتتحوّل إلى مجرد وسيلة لإثارة الغرائز أو تصفية الحسابات. إنّ ما يحدث هو تفريغ للفن من جوهره، بحيث لا يعود قادراً على مساءلة الواقع، بل يصبح جزءاً من فوضاه.
وفي مقابل هذا الضجيج، يغيب الصوت الوطني العميق، ذلك الذي يحمل رؤية، ويعبّر عن آلام الناس بصدق، ويرتقي بالذوق العام بدل أن ينحدر معه. فالوطنية هنا ليست شعاراً، بل التزام أخلاقي وفكري، كما أشار جان جاك روسو حين ربط بين الإرادة العامة وكرامة المواطن؛ إذ لا يمكن لشعب أن يكون حراً ما لم يمتلك إرادة واعية تعبّر عن مصالحه وتدافع عنها. غير أنّ هذه الإرادة تبدو في الحالة الموريتانية خامدة، لا لأنها غير موجودة، بل لأنها لم تُستفز بما يكفي، أو لأنها أُنهكت عبر سنوات من التهميش والتعوّد على الحدّ الأدنى من العيش.
إنّ أخطر ما في هذا الواقع هو تحوّل الإنسان إلى كائن يضحك على مأساته، يستهلك النكتة بدل أن يواجه الأزمة، ويبحث عن الخلاص الفردي بدل التغيير الجماعي. وهذا ما يلتقي مع تحليل كارل ماركس لفكرة “الوعي الزائف”، حيث ينشغل الناس بتفاصيل حياتهم اليومية – “البطن” كما يُقال – فيغيب عنهم إدراك البنية التي تُنتج معاناتهم. وهكذا، لا يعود الجوع وحده مأساة، بل الصمت عليه، ولا يصبح الظلم أخطر من الاعتياد عليه.
إنّ وصف الشعب بأنه “محنّط” قد يبدو قاسياً، لكنه يعبّر عن حالة من الجمود التاريخي، حيث تتوقف حركة الاحتجاج، ويُستبدل الفعل بالانتظار، والكلمة بالهمس، والإرادة بالتأقلم. غير أنّ التاريخ، كما يعلّمنا، لا يرحم الشعوب التي تتخلّى عن صوتها؛ فالصمت، وإن بدا آمناً، يحمل في طياته بذور الانفجار، لأن الكرامة المؤجلة لا تموت، بل تتراكم. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس: لماذا يصمت الناس؟ بل: إلى متى يمكن لهذا الصمت أن يستمر دون أن يتحوّل إلى صرخة؟
في النهاية، لا يمكن إصلاح هذا الواقع إلا بإعادة الاعتبار للوعي: وعيٍ شعبي يدرك أن المسالمة لا تعني الاستسلام، ووعيٍ نخبوي يدرك أن السلطة مسؤولية لا غنيمة، ووعيٍ فني يعيد للفن رسالته كأداة للارتقاء لا للانحدار. فالأمم لا تنهض بالصمت، ولا بالفن الهابط، ولا بنخب تستثمر في ضعف شعوبها، بل تنهض حين يستعيد الإنسان صوته، ويكتشف أن الكرامة ليست ترفاً، بل شرط الوجود.