في ثمانينات القرن الماضي لفت شاب بلحية خفيفة الأنظار له في المنتديات والاتحادات الطلابية، هناك كانت ذروة شهرة محمد جميل منصور؛ المنتديات وقتها كانت متنفسا للنقاشات السياسية المحظورة في ظل حكم عسكري يحارب التيارات الفكرية وخاصة الحراك الإسلامي المحظور.
الشاب المتحمس، ذرب اللسان، أسس عدة تنظيمات حركية سرعان ما أخمد نظام معاوية ولد الطايع جذوتها عن طريق مخابراته القوية، المتربصة بكل تحركات “الإسلاميين”. اعتقل في العام 1994 ضمن حملة اعتقالات طالت حراكه السري.
جاءت التعددية السياسية للبلاد، لكن حلم ولد منصور وإخوانه لم يتحقق فحزبهم “الأمة” مُنع الترخيص،و ظل ولد منصور متمسكا بخطه المعارض فانخرط في حزب اتحاد القوى الديمقراطية(عهد جديد) الذي يقوده أحمد ولد داداه، ليفوز ولد منصور بعد ذلك بسنوات وتحديدا في العام 2001 ببلدية عرفات كاسرا سطوة الدولة، لكن قرارا من الداخلية بعد عامين عزله عن المنصب.
من السجن لكرسي البرلمان
اعتقل عام 2003، وحصل في عام 2004 على اللجوء في بلجيكا التي كانت تحتضن أهم حراك للمعارضة الموريتانية: “ضمير ومقاومة”، عاد للبلاد واعتقل مرة أخرى “مفضلا المواجهة” كما يقول، أسس حزبا سياسيا؛ لكن الدولة وقتها رفضت ترخيصه والسبب وجود “إسلاميين” داخله، ثم جاء انقلاب 2005 محررا التيار، لتظهر بعد ذلك مبادرة “الإصلاحيين الوسطيين”.
بعد رفض حكام البلاد الجدد الترخيص لحزب إسلامي، دخلت المبادرة البرلمان تحت لواء المستقلين، و دعمت الانقلابي السابق صالح ولد حننا في الشوط الأول كما دعمت أحمد ولد داداه في الشوط الثاني من انتخابات 2007.
مرحلة التأسيس
نجح في الانتخابات عام 2007 سيدي محمد ولد الشبخ عبد الله ليصبح أول رئيس مدني منتخب للبلاد، ومنح حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل) ترخيصاً لممارسة العمل الحزبي، فكان ولد منصور فرس الرهان المهيأ دون غيره لرئاسة الحزب.
وشارك الحزب في الحكومة الأخيرة قبل الانقلاب عليها، فاصضر لمعارضة الانقلاب على ولد الشيخ عبد الله، ليترشح ولد منصور بعد اتفاق دكار للانتخابات الرئاسية عام 2009.
عارض جميل منصور حكم العسكر وطالب بابتعادهم عن السلطة وكانت له صولات وجولات مع نظام محمد ولد عبد العزيز؛ ثم قرر المشاركة في انتخابات 2013 مخالفا إجماع المعارضة وصرح يومها تصريحه السياسي الشهير أن “الإجماع ينخرم بالواحد”، وزاد الانخرام اتساع الفجوة بين حزب (تواصل) و المعارضة التقليدية ممثلة في حزبي تكتل القوى الديمقراطية وحزب اتحاد قوى التقدم.
خلال الجزء الأخير من رئاسة الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز قاد جميل منصور لواء المعارضة باعتبار حزبه الأكثر تمثيلا في البرلمان، وظل يناور مع العسكر؛ يدخل القصر مرة تحت جنح الليل و في رابعة النهار يشنها “مؤتمرات صحفية” شعواء ضد ولد عبد العزيز.
ترشح غزواني يفرق صقور الحزب
في بداية مارس ومع ترشح محمد ولد الغزواني، خرج تيار “راشدون” من الحزب؛ وكان من بينها أسماء كبيرة منها الوزير السابق المختار ولد محمد موسى وعمر الفتح .
حدثت نقاشات عميقة استقرت أخيراً على الوزير الأول الأسبق سيدي محمد ولد بوبكر، هذه النقاشات كانت قاصمة لظهر الحزب، وشقت النهر الذي التأم لأعوام كثيرة، فطفت للسطح خلافات طبعتها أحيانا “نزعة جهوية”..
دافع ولد منصور عن نظام الغزواني والتمس له “أحسن المخارج”، و ساق له المعاذير، أحياناً بوباء كورونا و أحيانا أخرى بحرب أوكرانيا، و حين حمي الوطيس في مواقع التواصل الاجتماعية برّر تشغيل أحد أفراد عائلته بأنه قد يكون بذل له “جهودا” ، بينما ظلت الخلافات السياسية والفكرية العميقة تدار سرا، حتى خرجت لوائح ترشيحات حزب تواصل للانتخابات البرلمانية الماضية وتحديدا في ابريل من العام 2023، فكان الموعد مع فك الارتباط بين جميل وتواصل.
اليوم شابت لحية “المناور” محمد جميل منصور وقدم استقالته من حزب تواصل، و الآن يفشو الحديث عن حزب سياسي يقوده في المرحلة المقبلة، لكن ولد منصور فضل الحديث عن إطار سياسي يعيد للساحة حيويتها، فهل يحمل هذا “الإطار” المرتقب مشروعاً معارضا للنظام؟! أم أنه سيدور في فلكه السياسي دون مواربة.