تخطَّ إلى المحتوى

مشروع تيرس لليورانيوم يختبر فرص تنويع التعدين في موريتانيا

Elhoussein tourad
5 دقائق قراءة60

يقترب مشروع تيرس لليورانيوم شمال شرقي موريتانيا من مرحلة حاسمة، مع استهداف الشركة الأسترالية «أورا إنرجي» اتخاذ قرار الاستثمار النهائي في ديسمبر المقبل، بعد دراسة جدوى مصرفية قدرت القيمة الحالية الصافية للمشروع بعد الضرائب بنحو 500.3 مليون دولار، في وقت لا يزال فيه تأمين التمويل الكامل أحد أبرز التحديات أمام الانتقال إلى مرحلة البناء.

ويطرح المشروع، الذي تستهدف الشركة بدء إنتاجه بنهاية عام 2028، تساؤلات بشأن قدرة موريتانيا على توسيع قاعدتها التعدينية لتشمل اليورانيوم، ومدى انعكاس العوائد المتوقعة على الإيرادات العامة وفرص العمل والمحتوى المحلي، فضلا عن التحديات المالية والبيئية المرتبطة باستغلال هذا المورد.

وبحسب دراسة الجدوى التي أعلنتها «أورا إنرجي» في 16 أكتوبر الجاري، تبلغ كلفة تطوير المشروع نحو 349.8 مليون دولار، فيما تقدر الدراسة الإنتاج القابل للبيع بنحو 46.1 مليون رطل من أكسيد اليورانيوم على مدى عمر تشغيلي يبلغ 26 عاما، بمتوسط إنتاج سنوي يصل إلى 1.8 مليون رطل.

وتستند التقديرات المالية إلى افتراض استقرار سعر اليورانيوم عند 90 دولارا للرطل، وهو ما ينتج عنه معدل عائد داخلي بعد الضرائب يبلغ 28 بالمئة، وفترة لاسترداد رأس المال تقدر بنحو 3.2 سنوات من بدء الإنتاج، وفق الشركة، التي قدرت متوسط الإيرادات السنوية بنحو 158 مليون دولار.

لكن هذه الأرقام تظل توقعات مرتبطة بافتراضات السوق والإنتاج والتكاليف، ولا تمثل إيرادات محققة أو ضمانا لنجاح المشروع، كما أن القيمة الحالية الصافية المقدرة لا تعادل المبلغ الذي ستجنيه الخزينة الموريتانية، إذ تتوزع العوائد المحتملة بين تكاليف التشغيل والتمويل والضرائب والإتاوات وحصص المساهمين.

التمويل يحدد موعد الانتقال إلى الإنتاج

يمثل تأمين التمويل أحد الاختبارات الرئيسية أمام المشروع، إذ أشارت الشركة إلى استمرار مباحثاتها مع مؤسسات تمويل ومستثمرين محتملين، بما في ذلك مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية، من أجل استكمال الحزمة التمويلية اللازمة.

ووفقا لتقرير نشرته «ذا نورثرن ماينر» في 20 أكتوبر، تبحث الشركة خيارات تمويل تشمل قرضا محتملا من المؤسسة الأمريكية يتراوح بين 150 و170 مليون دولار، إلى جانب مقترحات استثمارية أخرى، غير أن هذه الترتيبات لم تتحول بعد إلى التزامات نهائية تغطي احتياجات المشروع.

وتعتزم الشركة تشغيل منشأة تجريبية خلال نوفمبر وديسمبر المقبلين لاختبار أداء المعالجة قبل اتخاذ قرار الاستثمار، فيما تشير الخطة الحالية إلى بدء أعمال البناء في الربع الأول من عام 2027، على أن يبدأ الإنتاج في نهاية 2028 أو مطلع 2029، تبعا لتقدم التمويل والتنفيذ.

ويعني ذلك أن صدور دراسة الجدوى، رغم أهميته في تقييم الجدوى الفنية والاقتصادية، لا يمثل قرارا نهائيا ببناء المنجم، إذ يتوقف الانتقال إلى مرحلة التنفيذ على إغلاق التمويل واستكمال الاختبارات والإجراءات المطلوبة.

ما الذي يمكن أن تكسبه موريتانيا؟

يمكن للمشروع أن يضيف موردا تعدينيا جديدا إلى الاقتصاد الموريتاني، الذي يعتمد في صادراته المعدنية على الحديد والذهب أساسا، كما يمكن أن يخلق طلبا على الخدمات المحلية والنقل والصيانة والأشغال الهندسية، ويوفر فرصا لتأهيل العمالة الوطنية في مجال جديد نسبيا.

غير أن تحديد العائد الفعلي للدولة يتطلب معرفة تفاصيل النظام المالي والتعاقدي للمشروع، بما يشمل الضرائب والإتاوات وحصة الدولة وشروط توزيع الأرباح، إضافة إلى حجم المشتريات المحلية والوظائف التي ستتاح للموريتانيين.

وتشير التقارير المنشورة عن المشروع إلى حصة للدولة الموريتانية تبلغ 15 بالمئة، لكن تقييم قيمتها المالية يتطلب معرفة شروط هذه المشاركة، وما إذا كانت تترتب عليها التزامات تمويلية، وكيفية احتساب الأرباح القابلة للتوزيع.

كما أن الإيرادات المتوقعة للمشروع لا تعني بالضرورة أن المبلغ نفسه سيدخل الاقتصاد الوطني، فجزء من العائدات سيخصص لتغطية التشغيل والتمويل والنفقات الرأسمالية، فيما يتوقف حجم ما تستفيد منه الدولة على النظام الضريبي والتعاقدي ومستوى النشاط الاقتصادي المحلي الذي سيولده المنجم.

ومن هنا، فإن المؤشر الأهم لقياس أثر المشروع لن يكون حجم الإنتاج وحده، بل قيمة الإيرادات العامة التي سيولدها، وحجم الوظائف المحلية، ومدى مشاركة الشركات الموريتانية في سلسلة التوريد، وقدرة البلاد على تحويل الاستثمار إلى قيمة مضافة تتجاوز تصدير المادة الخام.

المياه والإشعاع يفرضان تحديات إضافية

إلى جانب التمويل، يواجه المشروع تحديات مرتبطة بموقعه في منطقة صحراوية شمال شرقي البلاد، حيث تكتسب إدارة المياه الجوفية ومراقبة الأثر البيئي أهمية خاصة، بالنظر إلى طبيعة النشاط التعديني ومتطلبات المعالجة الكيميائية.

وتتضمن دراسة الأثر البيئي والاجتماعي المنشورة لدى مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية تقييما للمخاطر المرتبطة بالمياه والتربة والغبار والإشعاع، فضلا عن خطط للمراقبة البيئية وإدارة المخلفات وإعادة تأهيل الموقع بعد انتهاء عمليات التعدين.

ويستدعي استغلال اليورانيوم كذلك ترتيبات دقيقة لحماية العاملين والسكان، ومراقبة مستويات الإشعاع، وضمان النقل الآمن للمنتج، مع الالتزام بالقوانين الموريتانية والمعايير الدولية ذات الصلة.

وتبرز أهمية هذه الجوانب في أن أي عائد اقتصادي محتمل يجب أن يقاس إلى جانب تكاليف الرقابة البيئية والسلامة وإدارة الموارد الطبيعية، وليس بمعزل عنها، خصوصا في المناطق التي تعتمد فيها التجمعات السكانية على موارد مائية محدودة.

احتياطيات المشروع لا تلغي مخاطر السوق

تقدر دراسة الجدوى الاحتياطيات المعدنية المؤكدة والمحتملة بنحو 37.3 مليون رطل من أكسيد اليورانيوم، ضمن خطة إنتاج تشمل موارد معدنية إضافية لم تتحول جميعها إلى احتياطيات مثبتة.

وتشير البيانات المنشورة إلى أن الموارد المصنفة ضمن فئة «الموارد المستنتجة» تمثل نحو 32.3 بالمئة من كمية اليورانيوم الواردة في هدف الإنتاج، وهي موارد تتسم بدرجة أقل من اليقين الجيولوجي مقارنة بالاحتياطيات المؤكدة والمحتملة، ما يعني أن تحويلها إلى إنتاج فعلي يظل رهنا بأعمال الاستكشاف والتقييم اللاحقة.

كما أن الجدوى المالية للمشروع تعتمد على سعر اليورانيوم وتكاليف التشغيل والتمويل، الأمر الذي يجعل أي تغير في السوق أو تجاوز في كلفة التطوير عاملا مؤثرا في العوائد المتوقعة.

وبذلك، لا يكفي حجم الموارد وحده للحكم على نجاح المشروع، بل يتعين متابعة تطور الاحتياطيات القابلة للاستخراج، وقدرة الشركة على المحافظة على التكاليف المقدرة، وتأمين التمويل اللازم، وضمان وجود سوق لبيع الإنتاج بشروط تجارية مناسبة.

قطاع جديد يتوقف على التنفيذ

يمثل مشروع تيرس فرصة محتملة لتنويع النشاط التعديني في موريتانيا، لكنه لا يزال في مرحلة الانتقال من الدراسات والتقديرات إلى قرار الاستثمار والتنفيذ، وهو ما يجعل الأشهر المقبلة حاسمة في تحديد مساره.

وسيكون قرار الاستثمار النهائي المتوقع في ديسمبر المقبل، ونتائج الاختبارات التجريبية، والإعلان عن التمويل الملزم، مؤشرات أساسية على مدى تقدم المشروع نحو البناء والإنتاج.

أما بالنسبة لموريتانيا، فإن نجاح المشروع لن يقاس فقط ببدء استخراج اليورانيوم، بل بقدرتها على ضمان عائد مالي واضح للدولة، وتوسيع فرص العمل والمشتريات المحلية، وتطبيق رقابة بيئية فعالة، بما يسمح بتحويل المورد المعدني إلى مكسب اقتصادي مستدام.

 

Elhoussein tourad

محرّر في تقدمي

اقرأ أيضاً